الخميس، يناير 07، 2010

(( ثوريون يساريون تحت عباءة البترول الخليجي !!)) حميد الشاكر


من اسخف مهازل التاريخ البشرية ، وكذا اغرب قصصه وحكاياته ومن ابشعها ، هي تلك القصص التي تتحدث عن ثوريين نزعوا بزة الثورة والنضال والتقدم والثقافة ، وعشق الفقراء والكفاح من اجلهم .......الخ ، ليتقمصوا مكانها قميص الذيلية والخدمة ، ولعق الفتات الذي يرمى على طرقات السادة وفي مزابلهم ، وعبادة المنفعة واحتقار التاريخ ، والتبرأ من الاخلاق ولعن المستضعفين والتطبيل للجبابرة والفراعنة والمتكبرين !!!.

هل هو انقلاب يصيب فجأة ثوّار الامس كمرض عرضي ، لينقلبوا على اعقابهم خاسئين حقراء تافهين ؟.
أم انه مركبُ نقص طبيعي كان كامنا قبل الثورية في شخصية الانسان الا انه كان ينظر للثورة سابقا انها المطية التي توصل للرذيلة والسلطة والاستغلال فكان هو الثوري جيفارا المبوال على نفسه ، وعندما تحولت الثورة الى عبئ وتضحية كفر بها مع الكافرين ، وآمن بالعبودية من المستعبدين ؟.

أسماء كثيرة شغلت الدنيا بالثورة وحرية الكلمة ، والصحافة ولينين ،وماركس وماو وكاسترو والشعب والديمقراطية وحقوق طبقة الفقراء والنضال من اجل الحياة بلا مقابل .....الخ ،وفي لحظة ولمجرد تغّير المزاج العالمي وسقوط غطاء المنفعة من هذه الشعارات وجدنا نفس الاسماء الثورية التقدمية والمناضلة ضد طبقة المستغلين الرجعيين ... تجلس راكعة على ركبتيها تقبل ايدي المتعفنين الوسخين التافهين ...من المستغلين الذي يجلسون على ابار من الذهب الاسود لتسمن كروشهم الخليجية كل يوم ، وهم يهبون خيراتهم للثوريين ، ليمتدح في المقابل الثوريون باقلامهم وصحفهم ومنابرهم الثقافية من فخامة الشيخ والشيخة اذا زنيا يصبح العالم اكثر قداسة وتقدمية في ايات الثوريين اليساريين ، واذا بنت شركات الراسمال العملاقة ناطحة سحاب اماراتية تصبح الثورة وحقوق الفقراء قد تحققت عمرانيا من خلال حكمة الامير وحاشيته الباكستانية السعيدة من خدم القصور ، ومن ثم يصبح زعماء البترول الرجعيين بقدرة قادر على لسان الثوريين الكونيين ، هم هم اصحاب الحكمة الراقية واهل القلوب الخلوقة ودعاة الرحمة المهداة واساطين الثقافة والعلم والتقدم واسس النمذجة كي يكون النموذج الذي ينبغي ان يحتذى من قبل جميع العالمين ولاسيما الثوريين منهم على التحديد ؟!!!!!.

هل كان الثوريون التقدميون اليساريون الكونويون ..... ، ومنذ القدم مجرد حثالة من النفعيين لاغير وعندما تغيرت الحال بان معدنهم الاصيل الرديئ وهذه هي كل الحكاية فلمَ التعجب ؟.
أم ان القضية خيسة السمكة من رأسها ولم يكن هؤلاء في حقيقتهم سوى طابور خامس يخدم من يدفع لاغير ؟.
أو ان الاشكالية لاهذه ولاتلك وانما هي ردّة فعل انتقامية من قبل الثوريين القدماء عندما دفع الثوريون كل مايملكون من اجل مبادئهم وصادفوا نكران الجميل من قبل مريديهم الفقراء والبسطاء ، وعندئذ تشكلت بوادر ردة فعل انتقامية وانتكاسة اخلاقية وارتدادة ايدلوجية لدى هؤلاء .....الثورية فكان ماكان وباعوا ماباعوا ورفع الولاء للتخمة وكفروا بالفقر والشهداء والاتقياء والشعارات والافكار والتقدم وبكل النبلاء ؟!!!!.

كنتُ في جولة صحافية بالامس اطالع الصحف أقرأ المواضيع واقلب الاقلام والثقافات وفجأة هالني مارايت من كمية الثوريين الذين يتسابقون سباق الشحاتين على باب الله ، وصياغة اعذب العبارات وارقاها في رحاب حكمة اميرنا الخليجي الذي انفق مئة مليون دولار على الالعاب النارية التي احترقت بلحظة ، لافتتاح ناطحة سحابه الجديدة ، والتي اجرة الغرفة الواحدة لليلة الواحدة فيها تعادل راتب عشرين عاملا من عمال مسطر جبل علي من الهنود والباكستانيين في الامارات !!!.

ثوري يساري قديم اخذ جانب العبقرية في عقل اميرنا الخليجي ليسلط الاضواء فقط على عبقريته الغير موجودة بين العالمين وهو يخرج البترول من الارض ويبيعه ثم يدفع لشركة اعمار امريكية لبناء ناطحة سحاب هي الاعلى في العالم ،وهي التي سوف يسكنها فقط اصحاب الدخل اللامحدود من فنانين وراقصات وقوادين وفاعلات ودبلماسيين ومليونيرات .... وهكذا !!!.

اخر ايضا يساري ثوري اخذ جانب رافة اميرنا الخليجي ورحمته بالفقراء والمساكين وحبه الغير محدود للكادحين عندما تكرّم هذا الامير ببناء صرح معماري لامثيل له في الدنيا ابدا ، فهو صرح معماري عبقري يلد كل يوم انتاج جديد من تلقاء نفسه ليزيد الحياة رقيا وتطورا .....الخ ،لامتاع انظار هؤلاء الفقراء والمساكين في كل يوم عندما يخرجون في الصباح الباكر وهم يذهبون لاعمالهم في حمل الاسمنت على رؤوسهم او خدمة الامراء في بيوتهم .....، فهؤلاء على اي حال سيتمتعون كل يوم بالنظر فقط لهذا الصرح المعماري الجميل من الخارج ، وهذه من اعظم المآثر لشيوخ البترول المعمرين ، واصحاب العقول المنفتحة والقلوب الخلوقة والهادئة والسمحاء ، التي تمنى الثوري اليساري ان يكون منهم ولو واحدا في عراقه الجديد اليوم صاحب الديمقراطية والانتخابات والنضال من اجل الحياة الكريمة والحرّة !!!.

ثوري ثالث راديكالي ناعل ابو العراق وحكّامه الجدد المنتخبين ، والشعب العراقي الذي لايريد الثقة باقوال الثوريين العراقيين ولايميل لانتخاب احزابهم الثورية ،ترك امير ناطحات السحاب المبطان في حاله ، وكرمه في الانفاق على الالعاب النارية التي اسعدت الفقراء اصحاب الجيوب الخالية والبطون المليارية الفارغة حول العالم كله وتحول الى مدح ومتح جيب الامير الذي تحول برياله وديناره وبتروله من صاحب الكزكوزة الامي الاثول الى جيفارا الخليج بل وغاندي السعودية ، واكثر من ذالك بل هو مسيح الدرعية الذي ضحى بكل شئ فداءا للبشرية وتقدمها وجمالها وحب اهلها المشعوذين !!!.

طبعا هذا الثوري لو كان الحسين الشهيد صالحا لتشبيه الامير السعودي الاثول لوصفه بالحسين الشهيد ، لكن من سوء حظ هذا الامير انه لايرتاح للحسين سيد شباب اهل الجنة ، لانه رافضي فاكتفى صاحبنا الثوري بتشبيهه بتضحية المسيح ، لانه الاقرب الى اعجاب الامير بعمامه الغربيين وشقراواتهم الجميلات المسيحيات !!.

هل هذه مآسات ان يتحول الثوري اليساري المثقف والواعي ، الى اثول وناعق طرشان بزفة وخادم صالونات اميرات وامراء بترول ، وبويهجي ملمع للوجوه وللاحذية في الان الواحد ، وقلم للايجار ؟.
أم انها نتيجة حتمية لاناس هم في الاساس ليس بالاشياء الثمينة الا انهم كانوا يعتقدون انهم اشياء تستحق الالتفات !؟!.

كنت اسمع في صغري : (( ويل لامة اذا فسد مثقفوها )) ،وعند الكبر تبين لي انه (( ويل لامة كان الثوريون اليساريون مثقفوها )) !!.
للحديث بحر من البقية !.
_________________________________
alshakerr@yahoo.com

الثلاثاء، ديسمبر 29، 2009

(( لولا الحسين لما ذكر محمد رسول الله ص !.))


لولا الحسين لما بقي اسلام !!.
ماذا تعني هذه الجملة المفيدة التي نقرأها ونسمعها من على المنابر وعلى السنة الخطباء الحسينيين ؟.
وهل فعلاان هناك فرقا بين رؤية الحسين ع نفسه لدوافع ثورته ومبررات نهضته هي مختلفة عن ما توصلنا نحن اليه عندما بحثنا هذه المبررات والدوافع اليوم ؟.
أم ان ماتوصلنا اليه فكريامن حقائق الدوافع والمبررات للثورة الحسينية لاتعدو ان تكون قشورا لما لمسه الحسين من حقائق كارثية قائمة في زمنه دفعته لتنظيم ثورته والعجلة في وقوعها في كربلاء الشهادة ؟.
يُقال في دوافع ومبررات الثورة الحسينية انها كانت تعني الاتي :
اولا : تعني ان الحسين ع كشف مؤامرة اغتيال الاسلام فضحى بروحه من اجل حياة الاسلام !.
ثانيا : تعني ان الحسين وشهادته وثورته هي امتداد للاسلام واستمرارا لحياته التي تقريبا كانت على وشك الموت !.
ثالثا : تعني ان الحسين رأى موت الاسلام داخل نفوس الامة فاراد بثورته احياء روح الاسلام داخل الامة !.
رابعا : تعني ثورة الحسين ثورة اصلاح رممت مافسد من الاسلام والدين والمجتمع والحكم !.
خامسا : تعني ان الحسين وثورته خطّت اسلاما محمديا على السيرة الاولى ولولا اسلام الحسين الثوري لما بقي من اسلام محمد اي شئ ، ولوصل الينا اما اسلاما شبيها بالجاهلية او جاهلية متسمية بالاسلام !.
سادسا : تعني ان هناك كان عملا على تشويه ماتبقى من احكام وافكار الاسلام الاصيلة ،وجاءت ثورة الحسين لتقلب الطاولة على اساطين الجريمة والتحريف !......الخ .

ربما كانت هذه هي معظم التحليلات التي ارادت ايصال فكرتها لنا نحن الذين نقرأ او نسمع فكرة:لولا الحسين وثورته لما بقي للاسلام في هذه الحياة باقية ،وهي كما ترى تصورات تريد ان تصل الى المبررات والدوافع الحقيقية التي كانت داخل الحسين ع نفسه ودفعته لاعلان ثورته الاستشهادية الاسلامية المباركة ، فهي مبررات ودوافع تتحرك داخل دوائرلاتتعدى الاتي :
اولا : مصلحة الاسلام
ثانيا :الخوف عليه .
ثالثا :الدفاع عنه .
رابعا :طلب الاصلاح في امة محمد ص .
خامسا : الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .
سادسا : دفع الاذلال وطلب الكرامة والحرية .
سابعا : رفع الشرعية الاسلامية عن النظام الاموي .
ثامنا : تأسيس شرعية اسلامية للثورة على النظام السياسي المنحرف .
تاسعا : صحوة الامة ونهضتها من غفوة الخنوع للظلم .
وكل هذه المحاور مهمة وعظيمة وخطيرة ايضا في فهمنا وادراكنا للثورة الحسينية ومبرراتها واهدافها وعواملها الحقيقية التي هي في سعتها كالبحر الذي لاينفد في وعيها وعلمها والوصول الى عمقها حتى لو كتبت حولها جميع اقلام البشر من بني الانسان بمداد حبر لاينتهي !!.

نعم لكنّ هناك في الحقيقة زاوية ربما لم يلتفت اليها احدٌ بعدّ في المبررات والاهداف والعوامل والرؤى الحسينية نفسها التي كانت تتحرك في داخل الحسين ع كرؤية واضحة توجب عليه التفكير بالثورة والانتفاض والاستشهاد ومغادرة هذا العالم من اجلها ، وهي كما يبدو لاتقلّ خطرا حقيقيا من خطر الاسلام نفسه عندما يتعرض لمكروه او لعبث من قبل العابثين او لتزييف لجوهره من قبل المزيفيين ، الا وهي فكرة (( لولا الحسين لما ذكر محمد رسول الله ص )) ايضا !!.
الحقيقة عادة مايركّز المفكرون في القضية الحسينية على ثنائية:((الحسين والاسلام او الحسين والدين او الحسين والمجتمع او الحسين والحرية او الحسين والاصلاح ، او الحسين والعدالة ، او الحسين والسلطة .........الخ )) لكنّ ليس هناك حسب اطلاعي من اشار بوضوح الى ثنائية :(الحسين ومحمد ) باعتبارها ثنائية أسست للثورة الحسينية بكل ابعادها الاستشهادية التي خلقت من الحسين شهيدا من اجل محمد الرسول ص ، قبل ان يكون الحسين شهيدا من اجل الاسلام ، والدين والمجتمع والامة والعدالة والمعروف ..... كذالك !!.

وهذه الثنائية (الحسين ومحمد) كمبرر ودافع للثورة الحسينية لاتبرز بوضوح الا اذا حاولنا الولوج الى داخل التفكير الحسيني واستخلصنا رؤيته لمعنى استمرار حكم الامويين في السلطة ،مع رجوعنا الى تاريخ ماقبل النهضة الحسينية في بدايات ولادة الدعوة الاسلامية المحمدية وكيف انها جوبهت من قبل اعدائها وماهي نظرة اعداء الاسلام ومحمد ص قبل ان يسلموا لهذا الرسول وهذا الوحي وهذا الدين والاسلام ؟....الخ.
وكل هذا لندرك فقط الخلفية التاريخية التي كانت حاضرة في الحدث الحسيني وهي تفكر بالثورة والاستشهاد من اجل محمد الرسول كمنقذ للبشرية ورسول الله وخاتم النبيين ص ؟!!!.

إن التاريخ يذكر لنا ان العائلة الاموية من العوائل التي قادت الكفروالشرك في الجاهلية ضد الاسلام باعتبار واحد لاغير وهو : (( انه في الواقع لادين نازل من السماء اسمه الاسلام ، ولايوجد شئ اسمه نبوة ووحي نزل على محمد بن عبدالله ، وانما محمد يريد السلطان فادعى النبوة كذبا وبهتانا وافتراءا على الله ، وما هو الا متعلم وكذّاب وساحر وكاهن .....الخ))كما ذكر القرءان الكريم بالضبط احاديث عتاة المشركين الكفرة من قريش وعلى رأسهم بني امية ، عندما كانوا يحاولون تقييم قضية الاسلام ومحمد والوحي والنبوة والقرآن وغير ذالك !!.

وحتى ان احد قادة الكفر الجاهلي كان يوصي بعدم مناهضة الدعوة المحمدية ( كما ذكر التاريخ كلمة الوليد ابن المغيرة عندما سمع القرآن من محمد / انظر السيرة لابن هشام ) من منطلق ان هذه الدعوة التي اسماها محمد بالاسلام ، هي دعوة حلوة خضرة ولايمكن التصدي لها ومناهضتها والانتصار عليها بالسيف والقوّة ،ولكن يمكن الانتصار عليها بالحيلة والمكر عندما يؤمن عتاة الكفر من قريش نفاقا بالاسلام ليقيموا سلطانهم ومصالحهم ومنافعهم باسم الاسلام نفسه ومن داخله ،وبهذا يكون القرشيون قد وفرّوا دمائهم بحرب لاتوصل الى هدف من جهة وفازوا بملك محمد من داخله وباسم الاسلام من جانب اخر !!!.

لكنّ شخصية قيادية اموية اخرى كان بيدها الحلّ والعقد كله بدولة الشرك والكفر والجاهلية المناهضة للاسلام ولمحمد رسول الله ص وهو ابو سفيان ابن حرب الاموي ابو معاوية وجدّ يزيد ابن معاوية كان رايه الحسم والحرب مع الاسلام ومحمد من منطلق رفض حتى فكرة الحيلة والمكر تلك للانتصار على الاسلام ومحمد ، بل كان هذا القائد الاموي يرى وجوب استئصال شأفة هذه الفكرة المسماة اسلام وهذا الرجل الذي يفتري على الله بالرسالة ( محمد ) الى الابد ووجوب فضحه على اساس انه كذّاب ومحتال ومدعي صلة بالسماء !!.

وهكذا استمرت الحرب بين الكفر والشرك بقيادة ابو سفيان ابن حرب الاموي ومحمد رسول الله ص والاسلام والتوحيد حتى انتصار الاسلام اخيرا وارتفاع دولة محمد رسول الله ص ، وعندئذ وفي اخر ايام الكفر والشرك وعندما لم يكن هناك مخرج للمشركين تحت معادلة اما الاسلام او النفي خضع قائد الكفر والشرك العتيد للاسلام عنوة ليعلن ابو سفيان ابن حرب الاموي اسلامه في اخر لحظة وهو دائم التذكير بحقيقة :(( والله ما من جنة ولانار ولكنه ملك ودنيا )) اشارة الى اصالة فكرة عدم ايمانه بوجود وحي او نبي او رسول او اتصال بسماء وغير ذالك !!.

انتقل محمد الرسول ص الى الرفيق الاعلى ، لتلعب الدنيا وحبها ، والمصالح القبلية لعبتها ، بالانقلاب الكبير في سقيفة بني ساعدة لتؤسس لشرخ في التاسيس الاسلامي الذي لم يكتمل بنيانه بعد وليظهر قادة الكفر القدماء ثباتهم على الفكرة (بانها لعبة ملك وسلطان وليس هناك نبوة ولارسالة ولاوحي.. اصلا ) بان اعلن ابو سفيان استعداده للمشاركة بحرب الفتنة داخل الاسلام ، وبالفعل قدم لاحد اطراف النزاع ( علي بن ابي طالب ) نصيحة دخوله للحرب ، والمعركة وانه مستعد ليملئن على المدينة سيوفا وخيلا مناصرة لعلي بن ابي طالب ضد خصومه وارجاع السلطان والخلافة اليه !!.

لكنّ وبما ان عليّا بن ابي طالب ع كان يدرك نوايا امثال ابي سفيان الاموي واضرابه فما كان ، الا ردع هذا المتصيّد بالمياه العكرة الذي نذر حياته فقط للانتصار لفكرته الجاهلية التي تقول :(( والله ما من جنة ولانار ولارسالة ولاوحي ولانبوة ولكن دنيا وسلطان لاغير !!)).

وبعد ذالك بقي هذا القائد الاموي (ابو سفيان ابن حرب ) وفيّا لافكاره ومعتقداته في الشرك والكفر والجاهلية الاولى حتى اخر يوم في حياته الى ان تغيرت موازين اللعبة السياسية في الاسلام ليُقدم عثمان ابن عفّان الاموي الى سدّة الخلافة والملك على الاسلام ،ليقول شيخ الامويين القديم مقولته الشهيرة في خلافة عثمان الاموي هذا عندما رأى ان الملك اصبح قريبا منه ومن عائلته جدا :( تلقفوها يابني امية تلقف الكرة فوالله مامن جنة ولانار ) ليموت على هذه الكلمة بعد ان اودعها ابنائه واحفاده الى يوم الدين !!.

في سنة واحد وستين للهجرة جاء يزيد ابن معاوية بن ابي سفيان ابن حرب الاموي الى السلطة والخلافة بعد ابيه وهو يحمل كل هذه الثقافة الاموية الجاهلية التي ورثها كابرا عن كابر تجاه الاسلام والرسالة والنبوة والوحي ومحمد ص من جهة وجاء الحسين سيد شباب اهل الجنة باسلامه وتراثه وثقافته تجاه الرسالة والوحي والنبوة والايمان ...وكل مايحمله عن جده محمد رسول الله وابيه علي بن ابي طالب ونظرتهم للرسالة والاسلام !!.

نعم جاء الحسين في العقد السادس للهجرة ليرى امامه يزيد بن معاوية يطالبه بالبيعة !!.
يمتنع الحسين عن البيعة ويعلن الثورة وينال الشهادة في العراق !!.

ياترى ماذا كان يرى الحسين في بيعة يزيد وتنصيبه زعيما وقائدا للمسلمين ؟.
هل رأى الذلّة في البيعة ليزيد فحسب فابى البيعة ؟.
هل راى المجون والدعارة والاستهتار ليزيد فامتنع عن البيعة ؟.
هل وجب على الحسين الامر بالمعروف والنهي عن يزيد بن معاوية فامتنع عن البيعة ؟.
هل طلب الاصلاح والصحوة للامة الاسلامية فامتنع عن البيعة ؟.
هل اراد نزع الشرعية عن يزيد فامتنع عن البيعة ؟.
أم ان الحسين رأى ان بيعة يزيد تعني الكفر برسالة محمد ص ووحيه وصدق نبوته فامتنع عن البيعة ؟.

بني امية حسب معرفة اهل البيت ع بصورة عامة والحسين بصورة خاصة لم تكن لهم مشكلة مع النظام الاسلامي او الاسلام او الدين كقانون يضمن السلطة ويدير المجتمع ويضبط حركة الناس ويسوسهم بالاحكام ،لكنّ مشكلتهم الاولى والاخيرة كانت مع محمد رسول الله ص وصدق نبوته ودعوته ووحي السماء النازل اليه واعتبار الاسلام شريعة الاهية !!!!.

نعم ال امية ومنذ ان جاء الاسلام ودخلوا بحرب معه لينتصر عليهم اخيرا ويدخلوا فيه رهبا ...كل هذا جعل من الاسلام ثروة على اي حال لبني امية فيما بعد وليس مشكلة على الاطلاق ليجتهدوا بتدميره على الجملة ، ولهذا وبعد ان استقرّ الاسلام في قلوب الناس عاد الامويون الى فكرة ذاك الشيخ القديم في الجاهلية :(الوليد ابن المغيرة /ابو خالد ابن الوليد ) ليدركوا حكمته الجاهلية البليغة ،عندما اشار عليهم بالاحتيال على الاسلام بدلا من حربه ليؤمّن لهم الاسلام مصالحهم فيما بعد وهكذا اجتهد الامويون بما فيهم جميع مشايخ العهد الجاهلي المباد وحتى الجديد الاسلامي ان يظهروا الولاء للحكم الاسلامي مادام الاسلام حكما يسوس الناس ومادام الدين هو البوابة الكبرى للوصول الى السلطة والمال والسلطان ومادام ان سرقة المنجز الاسلامي ممكنة وبسيطة ولاتحتاج لعناء كبير من البيت المحمدي الهاشمي النبوي الكريم !!.

انا ادرك ان هناك الكثير ممن يمتلك رؤية احادية الزوايا في قضية الثورة الحسينية وانها ثورة فقط جاءت من اجل الدفاع عن الاسلام ، وان بني امية كانوا اعداء الاسلام وارادوا تزييفه وقتله وتدميره على اي وجه ، ولهذا دافع الحسين وضحى بحياته من اجل الاسلام الذي ناضل البيت الاموي لتدميره ......الخ !!.

وعندما تأتي رؤية اخرى لتقول : يجب اعادة القراءة في عوامل ومبررات ووجهات النظرفي الثورة الحسينية وان هناك سوء ادراك للمخطط الاموي الخبيث ضد رسالة محمد وان الامويين لم يكونوا في الحقيقة من المتضررين من الاسلام كحكم وسلطة وسلطان ونفوذ وقوانين ، وانما الضرر الواقع عليهم ، هو كون نسبة هذا الاسلام لمحمد ص ، واهل بيته ورسالته والاعتقاد بالوحي النازل من السماء فحسب ولهذا كان العمل الاموي ناهضا في الاحتفاظ بهيكل الاسلام السياسي باعتباره اطروحة حكم بل انهم كانوا من المخلصين ( لخدمة الاسلام) بقدر مايخدم هذا الاسلام حكمهم وسيطرتهم ومنافعهم وطاعة الناس لسلطانهم وتمتعهم بالملذات الدنيوية باسمه وعلى هذا الاساس اننا نكون مخطئين فعلا في الرؤية عندما نقول ان الاموييين كانت لهم مشكلة مع الاسلام السياسي بينما الكثير من الاعمال الاموية التاريخيةتؤكد على حفاظ هذه العائلة المالكة عليه تاريخيا وهذه الرؤية بالفعل ستضعنا كباحثين عن الحقيقة مع تناقض ، اولا مع التاريخ وثانيا مع القارئ المتلقي الاخر الذي يريد ان يقرأ لنا بحثا عن حقيقة وليس بحثا عن كل ماهو مناقض لما ذكره التاريخ في الواقع وهذا كله بسبب ان فكرتنا عن الاستراتيجية الاموية العاملة ضد الاسلام كانت قراءة سطحية وغير مدركة لفهم الامويين للاسلام واين تكمن مشكلتهم : اهي مع الاسلام فعلا الذي اوصلهم للحكم والسلطة وهيئ لهم الامر وضبط افواه الناس عنهم ؟.
ام ان مشكلة البيت الاموي مع صاحب الرسالة النبوية الالهية محمد رسول الله ص واهل بيته باعتبار انهم الخلفاء على اسلامه من بعده ؟!!.

ان التاريخ يذكر لنا ان الامويين فتحوا بلاد العالم بالاسلام واسمه وعربوا دواوين الدولة ورفعوا راية الاسلام واقاموا صلاتهم وصاموا رمضانهم ، وحجوا الى بيت ربهم ....الخ ، وهذا كله صحيح مادام للاسلام قدرة على توسعة السلطان وفتح البلدان وملئ خزائن ال امية بالغنائم وكل ماتشتهيه الانفس ، فلماذا يعادي بني امية هذا الاسلام ؟.
وبالفعل كان معاوية بن ابي سفيان الاموي (وفيّا ) للاسلام ، مادام معاوية لم يزل يحكم باسمه اي انه وفيّا لحكمه اولا الذي جاء من خلال الاسلام واسمه ، ولاداعي بعد ذالك لمعاداة الاسلام ، واجتثاثه من الوجود اذا كان الاسلام اكبر ضمانه لشرعية الحكم وطاعة الناس ، او حتى ابادتهم باسمه ان اراد احد منهم ان يعلن العصيان على الحكم الظالم !!.

لماذا يعادي بني امية اسلام يدعوا لطاعة اولي الامر؟. ، ويحث الرعية على تقديس السلطان وحرمة الخروج على سلطانه ؟
ماهو الداعي العقلي ان يدمر بني امية اسلام يوفر لهم كل ماكانوا يطمحون له في الجاهلية وفقدوه على يد الاسلام عندما قدم على يدي محمد رسول الله ص ؟.

هنا سوف تكون الرؤية مختلفة والاولويات يجب ان يعاد ترتيبها في قراءة الحدث والثورة الحسينية ، وهل ان نضال الحسين وثورته كانت كلها منصبة للدفاع عن الاسلام السياسي فحسب ؟.
أم ان الحسين يدرك الاستراتيجية الاموية المعادية لاسلام محمد رسول الله ص بالذات ،وان الامويين يريدون اسلاما بلا محمد واهل بيته لاغير ، وانهم ساعون هذه المرّة لالضرب الاسلام كمنظومة حكم بل لضرب محمد ص كمشرّع ومبين لحكم الاسلام وصورته ووحيه وروحه وقيمومته على المجتمع وكيف ينبغي ان يقرأ ؟.

ومن هذا المنطلق جاء كل التراث المزيف الاموي باسم الاسلام ، الذي يدعوا الى حرمة الخروج على الحاكم الظالم ، ووجوب طاعته باسم الاسلام والرضا بالقضاء والقدر والاعتراف للخليفة بالملك باعتباره خليفة لله ومالك تحت رعايته ..وهكذا !!!!. اي بمعنى مختصر ان العائلة الاموية ( حسب الرؤية الحسينية الثورية ) ،قد انتقلت في استراتيجيتها الحربية ضد الاسلام في الجاهلية الى استراتيجية استيعاب الاسلام ، واستغلاله على شرط العمل على تفريغه من غطائه المحمدي الرسالي الذي يدعّي الوحي والنبوة والاتصال بالسماء والقداسةليكون الاسلام اسما للسماء لكن مضمونا وروحا وحكما وسياسة وادارة فهو لاولي الامر والسلطان من ال امية فحسب ، وليكون في النهاية الاسلام الاموي ((حسب التصورات والافكار والاحكام الاموية)) هو الحاكم بالحقيقة بعد ان تفرّغ تماما من مضمونه المحمدي الرسالي الايحائي الالهي الصحيح !!.

نعم الحسين ع شعر ان مرحلة حكم يزيد بن معاوية ، حسب الاستراتيجية الاموية المناهضة لمحمد ورسالته ،ووحيه وصدق نبوته هي مرحلة الانقلاب الشامل على رسالة العظيم محمد ص ليس باعتبارها حكما ظاهريا للدول بل باعتباره اسلاما يتصل بوحي محمد ورسالته اي يتصل بصدق دعوة النبوة وانها اتصال بسماء وانه لاينبغي تجاوز اي مفردة من مفرداتها في الحكم والشرع والحقوق والواجبات (( ما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا / قرآن كريم )) ولهذا فمن يقرأ استهتار يزيد بن معاوية على اساس انه فقط سوء خلق ، وتربية اسرية لهذا الشاب ،الذي يُجلس قردا على منبر رسول الله ص فهو واهم وغير عميق في فهم ، واستيعاب دلالات هذا العمل الاموي ، بل علينا ان نقرأ كل استهتار يزيد الاموي واخلاقه المنحرفة عن روح الاسلام وشريعة محمد رسول الله ص و....على اساس انها ثقافة تنتمي للعصر الجاهلي وانها سلوكيات مقننة ومرتبة ومنبنية على استراتيجية في الرؤية للاسلام بصورته الدينية المحمدية التي كان ينظر لها يزيد ابن معاوية على اساس انها اكذوبة خلقت في عصر محمد ص ويجب ان تنتهي هذا اليوم !!.

وهذا هو ربما المبرر الاعظم الذي دفع بالحسين ليعلن ثورته الكربلائية العظيمة واعتبارها ثورة اولا واخيرا من اجل الرسالة والنبوة ومحمد ص اكثر من كونها ثورة من اجل الاسلام اسما وحكما لاغير وهذه الحقيقة هي التي ربما تكشف مدلول مقولة الحسين ايضا ( هيهات منا الذلة ) التي تشير الى ان العائلة الاموية بقيادة يزيد لاتريد فقط بيعة الحسين ع لاغير ان تحققت على فرض ذالك ، بل ان العائلة الاموية تريد اذلال ال محمد ومحمد رسول الله ص حتى في حال ان الحسين بايع يزيد ونزل عند حكمه !!.

ان الحسين عليه السلام كان يدرك كل التاريخ الاموي الاسود ضد محمد ص ودينه وشريعته ، ويدرك ان الامويين لم ينسوا يوما من الايام ان دين محمد ص قد اذلهم وذهب بعزتهم الجاهلية الجهلاء وانه صلوات الله عليه استشعر ان استراتيجية بني امية وصلت الى مرحلت اظهار محمد ص على اساس انه مدّعي وكاهن وكاذب ومفتري على السماء ...وجاء بدين ادعى انه متصل بالسماء امام العالمين ، كما كان يحاول الجاهليون وصف محمد ص قبل انتصار دينه ، ولهذا دُفع الحسين الى الثورة وعلى عجل دفعا ليعيد لوحي الرسالة والنبوة والاسلام قدسيته ولاهوتيته ومحمديته قبل ان يصل بني امية بالنجاح بمخططهم الذي استهدف شريعة محمد ورسالته واسلامه وتفريغ هذا الاسلام من محمديته !!.

وبالفعل قال الحسين كل اهداف ثورته بصراحة وامام الناس بالاصلاح وبالامر بالمعروف والنهي عن المنكر وان مثله لايبايع مثل يزيد ..الخ ، الا هدف الدفاع عن محمد ص وعن موقعه من الاسلام ، وان حرب يزيد القادمة هي حرب اقصاء محمد عن اسلامه الذي استولى عليه بني امية ،بعد الفاسدين ليخوضوا فيه خوض السلاطين ، المتفرعنين ، الظلمة الذين نهبوا الاسلام تراثا ليحولوه الى مجرد سلطان وسيف وظلم وظلام لاغير ، بعد ان كان في زمن محمد رسول الله نورا وهداية وعدل وحرية للعالمين .... فان الحسين ع ترك هذا الهدف من اهداف ثورته العظيمة للتاريخ كي يدرك المسلمون ان ثورته كانت من اجل ان يبقى محمدا رسولا لله سبحانه وتعالى وليس هو كذّاب او مفتري او ساحر او كاهن .....كما كانت بني امية تريد الوصول اليه ايام يزيد الذي لو قدر له النجاح بسلطانه والاستمرار به لوصل لنا الاسلام اليوم فقط بنسخته اليزيدية التي تدعوا للكفر بها صراحا ، بدلا من الايمان ، وانه دين جاء به شخص اسمه محمد كذب على قومه وافترى على الله ليدعي صلته بالسماء بينما كل احكامه الجائرة وافكاره اللاخلاقية وتصوراته المعوجة تدلل على عدم علاقته بالله سبحانه وتعالى !!.
هذا باختصار معنى فكرة :(( لولا الحسين لما كان او ذكر ان محمدا رسول الله ص ))!.

الخميس، ديسمبر 24، 2009

(( الحسين بين الطريقة الديمقراطية والاخرى السوكاوية ... سيف الثورة !)) حميد الشاكر


في مدينة سوق الشيوخ الصغيرة والمهملة والمنسية ،وهي قضاء تابع لمحافظة ذي قار في العراق ، تكون للشعائر الحسينية رائحة مختلفة وطعم يمتاز بالعتاقة الممزوجة مع طين بقايا سومر على ضفاف انهر الاهوار المنقرضة اليوم ، وفي كل سنة من عودة هذه المناسبة الاليمة على المسلمين جميعا بصورة عامة ، وعلى اهل العراق بصورة خاصة كان يقيم اهالي مدينة السوق تلك الشعائر بروح فيها لمسات لم ارى مثلها في باقي مدن العراق الاخرى ، وعلى ما اتذكره من بقايا ماعلق بالذاكرة لاقامة هذه الشعائر عندما كنت في الخامسة من عمري او شئ قريب من ذالك ، كانت ليلة العاشر من محرم تتحول كلها الى شئ اسطوري وسحري وغريب عجيب !!!
محامل ، وطبول عملاقة تقرع ،...زنجيل يجلد بكل عنف وقوة تلك الجلود ، وماتحتها من عظام بشرية ،..لطم على الصدور يسمع من بعيد هو ونبضات قلوب الصارخين حيدر حيدر ،......فوانيس مضيئة تُحمل تخترق ظلمة الازقة الضيقة والاسواق المغلقة في سوق الشيوخ ، .... مسيرات جماهيرية عملاقة وجماهير تقف بين ضفتي الطرق نساء واطفال وشيوخ وشباب وحتى الرضع كانوا من ضمن المشاركين في المهرجان العاشورائي في الشوارع وفوق سطوح المنازل ،...رائحة طعام موائد الحسين ع الذي تطبخ على كرب النخيل السوكاوية ، ودخانها المرتفع للسماء والذي يرفع معه رائحة الجنة ، ......مشاركين حسينيين يلبسون السواد حالقي الرؤوس ومنهم من يلبس البياض والاخر الخضرة ،.... الخ !!!!.
كل هذا يظهر في ليلة واحدة في مدينة سوق الشيوخ ، صاحبت المباني الطابوقية المنتفخة من عوامل الرطوبة ،وقدم المدينة ورائحة مياه الاهوار الخانقة المترشحة من تحت اقدام البشر في الارض لتختفي عندنهاريوم العاشر فجأة ليعمّ الصمت ويخيم الهدوء ولاتنطق الالسنةوتوجم الوجوه وتهمس الكلمات ،وتتململ المدينة من نومتها التي لم تنمها من ليلة العاشر من محرم الفائتة !!.
عندما كنت طفلا اتذكر انني كنتُ اجرر عباءة امرأةوامسكها بقوّة وهي تقف على احد شوارع خروج التعزيات في ليلة العاشر من محرم واتذكر ان كل هذه المظاهر كانت مظاهر تتحرك في الشوارع الخارجية للمدينة الا انها تختم بصدري الصغير كنقش خاتم لايمكن ازالة اثاره من الوجود ابدا ، واتذكر ....!!!.
نعم اتذكر ميزة مدينة سوق الشيوخ التي تنفرد بها عن باقي المدن ، انها عندما تريد ان تّعبر عن احياء المشاعر الحسينية كانت تخلق حياة مختلفة واجواء مختلفة ،... كانت تخلق هوية ثورة ، ... كان الحسيني في سوق الشيوخ يحمل سيفا رهيبا ، سيفا عندما كنت اراه افقد الشعور بالحياة اليوم لاعود الى حياة علي بن ابي طالب والحسين بن علي ومعركة الطفّ وكيف انه كان يوما من ايام الله التي لاتنسى مطلقا من بين الايام !!.
قبل يومين شاهدت تعزية عاشورائية لمدينة سوق الشيوخ ،ورايت فيها نفس سيف الثورة ذاك الذي لم يجعل للنوم سبيلا الى عيني في ليلة من الليالي عندما كنت طفلا ،لم يزل بيد الحسيني السوكاوي الذي ايضا لم يزل ينتظر يوم الثورة للاخذ بثآرات الحسين من قتلته وقتلت الاسلام والدين والشريعة ،وكأنما كل شئ استطاع الزمن ان ينتصر عليه في داخلي الا سيف الثورة ذاك لم يزل مشهورا بيد صاحبه المنقب بالسواد والراكض في ازقة سوق الشيوخ وهو يصرخ حي على الجهاد !!!.
بهذه الطريقة بقت شعائر الحسين تنتقل من جيل الى اخر ، وبهذا المعنى وكلما تغيرت معالم الحياة من حولنا ، بقيت سيوف الحسينيين في سوق الشيوخ في قرابها تنتظر اليوم الموعود ، وكأنما هي الامانة التي ورثها جيل بعد جيل من ثورة الحسين نفسه عندما تساقطت يدي العباس بترا ليسقط السيف امانة بيد انصار الحسين ليحملونه في بيوتهم زمنا بعد زمن ، ويورثوه لاطفالهم جيلا وراء اخر !!!.
انها الطريقة التي لايريد مفكروا العصر الحديث ، وكتابهم والمتنطعين بالحداثة والتحضّر ، والعقلنة من العراقيين بالخصوص ادراك اسرارها او فهم تجلياتها الحضارية الحقيقية ،او قراءة باطنها وليس الاكتفاء بقراءة ظواهر الشعائر الحسينية الشعبية التي يرونها بغرائزهم فقط وليس بابعد من ذالك بكثير !!!.
مع الاسف في يومنا الحاضر هناك من يريد ان يخضع كل شيئ لمزاجه المُحدث الجديد ، ليقيسه بمقاييسه المادية او العلمية كما يدعي فحسب ، وحتى شعائر الاسلام الاصولية هناك من يريد اخضاعها للمنطق والعقل لاغير ليرى مايناسب العلم الذي هو يعتقد انه العلم ، فيقبله وما لايناسب روحه المادية الحيوانية فلا يستسيغه على الاطلاق ، ونسي او تناسى مثل هؤلاء الممسوخين ماديا ان في الحياة ماله مقاييسه الاخرى التي لاتخضع بمفهومها وماهيتها وهويتها ..لا للعقلنة ...ولا للعلم ولا للمادة والتقوقع ، وذالك ليس لانها غير علمية ولاعقلية ولافلسفية ..، ولكن لانها من النوع الذي مقاييسه مختلفة وموازينه ليست من جنس موازين القوانين العلمية والعقلية او المنطقية والفلسفية .... وهكذا !!.
نعم الفن ايضا ظاهرة حياة انسانية ، الا ان للفن مقاييسه وقوانينه وموازينه ورؤاه الجمالية والاخرى الروحية المختلفة عن موازين العقلنة والعلم والفلسفة والمنطق ، ولايمكن بحال من الاحوال ان نحكم على اي ظاهرة او عمل فني بموازين وقوانين العلم والعقل والعقلنة ومختبرات المادية والانحدار الظاهري لمزاجيات البشر الحيوانية لاغير !!!.
لا ... لايمكن لنا ان نخضع الفن لقانون الجاذبية ، ولانخضعه لقوانين الجزء الذي لايمكن ان يكون اكبر من الكلّ في الفلسفة والمنطق ، ولهذا نقول للفن قانون الجمال وللفن قانون الخيال وللفن قانون الذوق وللفن قانون الاسطرة ....الخ الذي نفسها لايمكن اخضاع العلم والفلسفة والمنطق لمداميكها ومقاييسها وقوانينها الواقعية !!.
وهكذا الدين فهو من عالم الفن والخيال والجمال والبهاء والاخلاق والروح والرمز والغموض والبحث والتأمل .....اقرب منه من روح العلم وقوانينة والعقلنة وفلسفتها والمادية وانحداراتها الغريزية الظاهرية فقط وهذا لايعني مطلقا ان الدين ضد العقل او الفن ضدّ العلم او ضد الفلسفة او ضد الحياة الظاهرية المادية المتغيرةوانما معناه ان للدين كالفن معاييره وموازينه وقيمه وقوانينه الخاصة به ، التي تمزج بين قوانين العلم ، والمنطق والعقل والفلسفة من جهة ،وقوانين الفن والجمال والاسطورية والخيال والروح والانفلات ..... من جانب اخر !!.
ان الشعائر الحسينية التي لايريد ادراكها او ادراك معانيها وفحواها الرمزية بعض المتمدرقين (الديمقراطيين) الجدد لاتختلف في واقع وجودها كثيرا عن واقع وجود ومظاهر الدين والفن ، وما يحمله هذان الوجودون من موازين ومقاييس خاصة بهما فحسب وان مقاييس الجمال الفنية مختلفة بطبيعة المنهج عن مقاييس القوانين والسنن العلمية ،وكذا مقاييس وموازين الدين الروحية والنفسية والعقلية ، هي مختلفة بالمرّة عن مقاييس وموازين التمنطق والفلسفة واذا اردنا او شئنا ان نخضع ظاهرة فن او علم لموازين ظاهرة وعلم اخرى مختلفة عنها ، فسنجني بذالك رؤى وموازين واضطرابات فكرية واخرى ذهنية تخلط حابلا بنابل ، لتحاكم الفن حسب قوانين الانشطار الذري ، وتحاكم الدين حسب مقاييس الاشتراكية المادية ، وتحاسب العلم حسب مقاييس اساطير اجدادنا السومريون القدماء !!!.
وبهذا نعلم : ان مقاييس وموازين وقوانين الشعائر الحسينية هي ايضا مقاييس ، وموازين ، وقيم مختلفة تماما عن اختلاف مقاييس وموازين العلم والفلسفة والتمنطق والديمقراطية وغير ذالك ، بل ان للشعائر الحسينية قوانينها الابداعية ، والفنية والدينية والفلسفية والعلمية التي تجمع كل هذا الخليط الجميل لتصيغه بقصة واحدة اسمها شعائر الحسين العاشورائية !!.
وايضا ينبغي عندما ننظر للشعائرالحسينية العاشورائية الثورية ان لانغفل عن موضوعة المقاييس والمعايير والقوانين التي تختلف من ظاهرة الى اخرى ، وندرك ان لهذه الشعائر موازينها وقوانينها الجمالية والفنية الخاصة بها والتي لايمكن اخضاع غير هذه الشعائر لموازينها وقوانينها وقيمها الفنية ، فلايمكن مثلا ان نخضع العلم وقوانينه لمقاييس الشعائر الحسينية وكذا لايمكن ان نخضع الفن ولا الدين ولا الفلسفة .... لمقاييس وقوانين ورؤى هذه الشعائر الحسينية ايضا كي لايكون لدينا خلط في الرؤية وتشويش في القراءة لكل ظاهرة في حياتنا هذه ؟.
الان من حق اي انسان وقارئ ظاهرة وباحث عن تأمل في الشعائر الحسينية الكربلائية ان يسأل حول ماطرحناه انفا ب : انه ماهي تلك الموازين والمقاييس الحسينية العاشورائية التي فصلتها فكريا عن باقي الظواهر والعلوم الانسانية الاخرى ؟.
ثم من اين تبلورت هذه المقاييس والعلوم للظاهرة العاشورائية الكربلائية الحسينية حتى وضعتها في قبالة الدين والفلسفة والعلم ايضا ؟.
بمعنى اخر : نحن ندرك ، ان قوانين العلم نواميس موجودة في الكون ، وقوانين الدين وحي نازل من الله سبحانه ، وقوانين الفلسفة مبادئ عقلية توافقت عليها الانسانية لتصبح مقاييس وقوانين وموازين فكرية ، لكن من اين تلك القوانين والموازين والمقاييس العاشورائية الحسينية التي شقت طريقها بفردانية حتى تدعوا الى عدم خلطها بباقي العلوم والاتجاهات الاخرى ؟. وبعد لماذا تريد فصل الظاهرة العاشورائية عن الظاهرة الدينية مع ان الحسين والدين شئ واحد ؟!.
ويمكن ليّ ان اجيب من النهاية لاقول : نعم هناك الكثير ممن اراد البحث في الشعيرة العاشورائية الحسينية الثورية ليفهمها وليدرك مضامينها الفنية ، ومن ثم ليبحث بقوانين الدين عن مقاييس وقوانين الشعائر الحسينية الثورية الكربلائية بين ايدينا اليوم ، والحقيقة ان البحث بهذا الطريق ((من وجهة نظري الخاصة )) لاتفضي الى نتائج واقعية في فهم الشعائر الحسينية ، وهذا طبعا ليس من منطلق القول ان الحسين وثورته منفصل عن الدين وشرائعه وقوانينه ، بل من منطلق ان من اراد ادراك الشعائر الحسينية وفهمها من خلال المنظور والقانون الديني الاسلامي فحسب ، كان توجهه بحثيا في طريقين خاطئين تماما في تناول الظاهرة العاشورائية الحسينية وهما :
اولا : طريق البحث في القوانين الدينية عن شرعية الظواهر العاشورائية الحسينية .
وثانيا : دمج البحث بين قضية الحسين وثورته كجوهر اقتبس شرعيته من الدين والاسلام ، وبين الشعائر الحسينية التي هي تعبير بشري شعبي وظاهرة انسانية اجتماعية انبنت على شرعية الثورة الحسينية الاسلامية لتكون لها انعكاسا بشريا وليس منعكسا ايحائيا دينيا نصيا فحسب ؟!.
بمعنى اوضح : انه بالفعل لطريق بحثي خاطئ عندما يبتدأ احدنا ببحث الظواهر العاشورائية الحسينية من خلال : هل ان لها مصدرا نصيا اسلاميا من قرآن وسنة نبوية وامامية معتبرة ؟.
أم انها من البدع التي لااشارة او اساس ديني اسلامي لها في الواقع ؟.
وهذا من واقع ان صاحب ذهنية البحث الخاطئة هذه اراد ارجاع الظاهرة العاشورائية والشعيرة الحسينية التي هي بالاساس منتج بشري انساني انبنى بعد ثورة الحسين ع ومن بركات نهضته الاسلامية ،ليبحث عن مصدرها وشرعيتها ليس في جانبه الاجتماعي الانساني الطبيعي الذي هو الشرعية الحقيقية للشعائر الحسينية ، وانما في جانبه النصي الاسلامي الايحائي الذي هو اسس لثورة الحسين بالاساس وترك للناس وللمجتمع وللامة ان تقوم بواجبها ومسؤولياتها تجاه الحسين وثورته !!.
وبهذا المعنى كان ينبغي على صاحب البحث في الشعائر الحسينية وبكافة تلاوينها واطيافها وتعبيراتها ومفاهيمهاان لا يسلك طريق النص والوحي والسنة فقط ليدرك هل ان للشعائر الحسينية رصيد شرعي او غير شرعي ( باعتبار ان الشرعية واردة بصورة طبيعية في احياء الامر الحسيني اسلاميا وادامة الحياة فيها ) ، وانما كان عليه ان يدرك اولا ان الكيفية العاشورائية تركت شرعيا واسلاميا ودينيا للمجتمع كي يقيم من صلبها كما يرتأيه هو فنيا وعاطفيا ووجدانيا وروحيا وفكريا وعلميا ...، وحسب متغيرات حياته الانية على شرط ان تبقى روح الثورة الحسينية متحركة داخل هذه الشعائر الكربلائية العظيمة !!.
نعم ان شرعية الظواهر العاشورائية الحسينية وعظمتها ايضا في انها مكوّن اجتماعي شعبي جماهيري انساني فطري مباشر وليس هو مئة بالمئة قانون لاهوتي او مرسوم ونظام سياسي يفرض على البشر هنا وهناك ليقيموا من الشعائر الحسينية الثورية الكربلائية رغما عن انفهم وخضوعا للنظام الاجتماعي العام الذي من واجب الدولة ان تقيمه على الجميع !!.
لا ...،ليس الشعائر الحسينية قوانين دينية صارمة كالصلاة والصوم والدفاع عن الامة ... في الدين ، ولاهي قوانين سياسية يراقبها ولاة الامر ويفرضها اهل الحسبة ورجال الشرطة على المواطنين كي يقيموا من قوانينها ،وهي ايضا ليست ترف فني وخيال درامي كي تصنع بماكنة السينما والميلودراما فحسب ،بل هي شعائر تنطلق من فطرة المجتمع الشعبية لتعبر بما يلهما عشق الحسين واحياء نهضته بمشاعر الحب الحرّة التي تفسح له المجال في تصوير الثورة الحسينية طبيعيا وليس آليا او مقننا بقانون لايتغير من هنا وهناك ، وانما هي جماهيريا لاهل الحرف البسيطة وطبقات المجتمع الفطرية والمارين بالطرقات والساكنين في بيوتهم ولايخرجهم لانشاء هذه الشعائرالحسينيةغير حب الحسين وحب الاسلام وحب الثورة بحرية وبعيدا عن اي ضغوط تمارس ، او سوط سلطان يلاحقهم لاقامة الشعيرة الحسينية ، او قانون دين يبشرهم او يحذرهم من العقاب الاليم او مهندس يخطط لهم افعالهم ، هنا الطم ، وهنا ابكي وهنا ارفع السيف واصرخ حيدر.... ، او قائد يشرح لهم كيفية التعبير بديمقراطية او بعدم ديمقراطية عن ولائهم وحبهم لثورة الحسين !!.
بل الشعائر الحسينية هكذا بدأت ،بحرية منبثقة من الناس البسطاء الذين لايملكون اي شئ غير الحسين وثورته والذين ايضا لايمتلكون عبقرية الفلاسفة ، ولاحدة ذكاء العلماء ، ولا مرواغة الساسة ،ولاخلاعة اهل الفن والمجون ولذالك ترى الفلاسفة ينظرون لشعائرهم بلا عقلانية ، واهل العلم ينظرون لهم بلا حضاريةواهل السياسة ينظرون لهم على اساس الغوغائية واهل الفن يحسدونهم على كيفية بدائيتهم في التعبير واقتحامهم فنيا قلوب جميع الناس اجمعين باسم الحسين !!.
ومن حق الفلاسفة فعلا ان يروا الحسينيين بهذه الصفات وكذا من حق العلماء ان يرتفعوا عن ممارسة مايمارسه الحسيني البسيط ، وكذا السياسي من حقه وهكذا خريج الفنون الجميلة الذي يبدع في كل فن الا بفن يتصل بالشعائر الحسينية الفطرية فانه اعجز من ان يفهم فنية سيف الحسيني في سوق الشيوخ عندما يُرفع في ليلة العاشر من المحرم ، وكيف انه استطاع اختصار العالم كله وثورة الحسين بدمائها الفوّارة بلمعة سيفه وهي تبرق على ضوء القمر في ليلة العاشر من محرم !!.
الخلاصة :(( ينبغي علينا ان ندرك ان صاحب الشعيرة الحسينية الخالدة ، والتي استطاعت ، هي وحدها ان تحافظ على تراث الحسين ع وثورته ونهضته ودمه .....وكل تضحياته هو ذاك الحسيني الملثم بالسواد والحالق راسه بالموسى في ازقة سوق الشيوخ الذي لم يزل ينتظر يوم الثورة الموعود منذ الف واربعمائه عام اسلامية ،وهو يوّرث سيفه من جيل الى جيل ،وليس صاحب الشعائر الحسينية والاحق بها من غيره هوانا وانت اوصاحب النظرية العلمية اوكاتب الاطروحة الفلسفية ، او الناقد الفني في صالونات قناة التلفاز الفضائي الذي ربما يغمى عليه ان راى الدماء تسيل من صلعة ثوري يناضل على طريقة الحسين وثورته بل هو هو ذاك الذي خلق الشعائر الحسينية اليوم ولم ينتظر تنظيرات الديمقراطيين الحضارية التي تريد ان تصنع ثورة حسينية حول كيكة عيد ميلاد وشمعة ليالي حمراء شعرية !!).
________________________________
alshakerr@yahoo.com