الثلاثاء، يونيو 17، 2014

(( لماذا صنعت السعودية داعش ؟ )) حميد الشاكر


لاريب ان معظم ما يطرحه الاعلام السعودي (السياسي والديني)حول تبرّئه من ( تنظيم داعش ) ومناهظته لمخططات هذا التنظيم  الاجرامية الارهابية لا يعدو اكثر من مناورة اعلامية وسياسية مكشوفة للالتفاف على توجهات العالم الغربي والشرقي ضد هذا التيار من جهة ؛ واتقاءا لما يمثله دعم مثل هذه العصابات الفوضوية الاجرامية من ارتدادات خطيرة من قبل العالم ككل ضد كل من يقف خلف هذا التنظيم بالدعم ؛ او المساندة المعنوية او المادية من جانب اخر ولهذا يبدو ان العائلة السعودية المالكة وخاصة تيار الصقور الاستخباراتي الامني داخل هذه العائلة ارتأى ان يكون له موقفين مزدوجين من تنظيم داعش :
الاول: وهو الموقف الاعلامي الموجه بالاساس للعالم الغربي والذي يوحي بقوة (( بان المملكة العربية السعودية  منسجمة تماما مع  توجهات العالم الغربي والشرقي  ضد تنظيم داعش الارهابي ومحاربته  ))  !!.
والثاني : الموقف المخابراتي والامني والاستخباراتي  البعيد عن الواجهات الاعلامية والذي يدعم وبقوة (( تنظيم داعش )) ماليا اقتصاديا ؛ وعسكريا لوجستيا ،  ومعلوماتيا استخباريا .....الخ !!.
والحقيقة ان هذه الرؤية؛ التي توحي بارتباط (( تنظيم داعش )) في العراق وسوريا ؛ وصناعته وادامته ودعمه وتوجيهه ........  سعوديا حتى اللحظة الراهنة لم تنطلق من فراغ ؛ او تاتي من تحليل سياسي  محض ؛ وانما هي رؤية وبغض النظر عن الدلائل ؛ والقرائن المادية الاقتصادية والعسكرية و ....الخ الموجودة على الارض العراقية والسورية ؛ التي تشير بوضوح الى (( ادارة سعودية واضحة لهذا التنظيم )) فهناك الفكرة (فكرة تنظيم داعش)  التي اذا قرأناها بتمعن سنجد انها ((فكرة )) لم توجد الا للتخادم المصلحي مع سياسات وتوجهات العائلة المالكة السعودية في المنطقة لاغير  !!.
والواقع ان فكرة صناعة تنظيم جديد (( ظهر تنظيم داعش للعلن في 2013 م على انقاض فشل تنظيم القاعدة  وجبهة النصرة في اسقاط  نظام الرئيس بشار الاسد في سوريا من جهة ؛وعلى انقاض الدولة الاسلامية في العراق الذي اسسها (ابو عمر البغدادي) في 2006 م ؛ قبل مقتله وتسلم ( ابو بكر البغدادي لهذا التنظيم) يحمل نفس المواصفات الوهابية في المنطقة العربية بالتحديد والاسلامية بصورة عامة ويقوم بوظيفة :
اولا : الانقلاب على تنظيم القاعدة من قلب القاعدة .
وثانيا : ادامة الفوضى والارهاب في المنطقة بشكل عام ؛واضعاف واشغال محور المقاومة في ايران والعراق وسوريا ولبنان بشكل خاص !!.
هو ما أهل هذه الفكرة  لتتحول الى (مشروع سعودي) متكامل بامتياز يمكن الاعتماد عليه في الحرب الخفية التي تقودها المملكة العربية السعودية ضد سوريا والعراق ولبنان (( بشكل علني )) وايران وروسيا والصين (( خدمة للمصالح الامريكية )) بشكل خفي !!.
ان الانقلاب ؛  الذي قاده الراحل (( اسامة ابن لادن )) ؛ مع خليفته الدكتور ((ايمن الظواهري))على المشروع السعودي الذي كان هو المصنع الحقيقي المٌنتج ل(تنظيم القاعدة) في افغانستان عندما كانت القاعدة(مشروع لخدمة المصالح الامريكية ؛ السعودية ) ضد الاتحاد السوفيتي انذاك ؛ هذا الانقلاب الذي حول بوصلة القاعدة من نمط التفكير الوهابي الخالص (( الموجه فقط للمصالح السعودية الامريكية)) الى نمط التفكيرالجهادي((العالمي)) القريب من فكر وتنظيرات (( الاخوان المسلمين القطبية ))  من خلال تاثير الدكتور ايمن الظواهري الجهادي الاخواني على فكر وتوجهات ((اسامة ابن لادن)) الجهادية ؛هوالذي هيئ الاجواء داخل تنظيم القاعدة تماما للانقلاب على كل مشروع العائلة السعودية المالكة في انشاءوصناعة القاعدة بقيادة بن لادن ومن بعده ايمن الظواهري ، كما ان هذا (الانقلاب القاعدي) على المشروع السعودي هو الذي اربك كل المخططات السعودية لاسيما بعد تحول القاعدة من حليف استراتيجي للولايات المتحدة الى عدوالولايات المتحدة وبالاخص بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر !!.
عند هذا ((المفصل )) اصبحت القاعدة عبئا ثقيلا لايطاق على كل مخططات العائلة السعودية للمنطقة ، بل واصبحت احد المهددين الفعليين لنظام الحكم السعودي  مع ان هذا النظام نفسه كان ، ولم يزل مخترقا لكل شبكة القاعدة الامنية ، والاستخبارية الدولية من خلال رجال مخابراته الوهابيين الدينيين  الذين يتحركون بشكل سلس  وتلقائي داخل تنظيم القاعدة الدولي الذي هو اعجز من ان يحدث تغييرا جذريا لنظام الحكم السعودي ،  الا انه يتمكن من هنا وهناك باثارة الازعاج لحكم هذه العائلة الحاكمة !!.
نشأت فكرة (( داعش : مختصر دولة العراق والشام الاسلامية )) في حقبة قيادة الامير (بندر بن سلطان بن عبد العزيز) لجهاز الاستخبارات السعودية وانشغاله بمامورية اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد في سوريا  وهي فكرة بامكانها ان توفرللحكم السعودي اصطياد الكثير من العصافير الاستراتيجية بحجر واحد فهي مشروع :
اولا : سيقوم به مجموعة من منقرضي البعث العراقيين ، والذين هم اساسا لايؤمنون باي دين او مقدس  فضلا عن ايمانهم بفكر القاعدة او غيره ، بل هم اناس فقدو السلطة في العراق ،وهم على استعداد لبيع انفسهم للشيطان في سبيل العودة الى الحكم في العراق ، ومثل هذه النماذج في الحقيقة صيد ثمين للاستخبارات والمخابرات السعودية لضرب التجربة العراقية الجديدة في العراق المقلقة بشكل مفزع للعائلة السعودية الحاكمة من جهة ، وصيد سهل ورخيص لمجموعات تبحث عن قشة لانقاذها من غرق الانقراض في العراق من جانب اخر ومن هنا كان زعماء ((دولة العراق الاسلامية )) ولم يزالوا هم قادة داعش الفعليين حتى الان ، وهم من البعثيين  وقادة اجهزته الامنية القمعية في زمن حكم المقبور صدام حسين وهم المرتبطون مباشرة اليوم ايضا بالاستخبارات والاجهزة الامنية السعودية باعتبار انهم  الادوات القيادية لهذا التنظيم الاجرامي !!.
ثانيا : لاريب ان للسعودية مصلحة عظمى الان في طي ملف القاعدة بقيادة ايمن الظواهري في المنطقة كما انه لاشك ان انقلاب (( ابو بكر البغدادي)) العلني على قيادة الظواهري ، ومن ثم الاطاحة ببيعته ، واعلانه لقيام دولة العراق والشام الاسلامية ، بعيدا عن تنظيم القاعدة ، ومحاربته للقاعدة في سوريا و ...... الخ ، لم ياتي عبثا او بشكل مرتجل من قبل ابو بكر البغدادي الذي كان يستجدي نصرة القاعدة ، عندما كانت القاعدة   توفر له ولتنظيمه الارهابي الدعم اللوجستي والسياسي والاقتصادي خلال فترة 2006م ، الى 2012م ، اما والحال ان الانقلاب جاء من التنظيم ، الذي نما ، وترعرع في احضان القاعدة لعقد كامل من الزمن ، فهذا يعني ان هناك مواردا اقتصادية ولوجستية سياسية وعسكرية انتحارية.... الخ توفرت لتنظيم (دولة العراق الاسلامية)بدلامما كانت توفره القاعدة هوالذي دفعها للانقلاب على القاعدة ومن ثم فتح خط   مع من لهم مصلحة في اضعاف (القاعدة وجبهة النصرة )في سوريا والعراق وصعود تنظيم دولة العراق والشام الاسلامية (داعش) على حسابه !!.
وهذا يعني ، فيما يعنية انقلاب من قلب القاعدة عليها قاده ابو بكر البغدادي خدمة للمصالح السعودية، التي هي بحاجة الى تنظيم يحمل نفس مواصفات القاعدة ( من تكفير وهابي وعداء غير منظم للشيعة في المنطقة ، الى قتل عشوائي ، والى فكر متطرف ......... حتى ارتباط بدون شروط مع الاوامر والمخططات السعودية)   وهذا بالضبط ما وفرته داعش لمخططات المملكة السعودية للانقضاض على القاعدة صنيعتها القديمة !!.
ثالثا : مخطئ من يعتقد ان (( داعش )) نسخة مكررة من القاعدة ، كما انه مجانب للصواب من يعتقد :  ان من ضمن مفردات داعش السعودية (( قيام الخلافة الاسلامية الشاملة )) الذي طرحته (القاعدة)   في ادبياتها العقائدية لتحشيد انصارها ومقاتليها من كل العالم !!.
بل ان ماهو واضح وصريح ، ومعلن من قبل (( تنظيم داعش)) نفسه الذي اشتق اسمه من مشروع القتال في (( العراق والشام ))  فحسب لقيام دولته في هذين القطرين لاغير ، وحتى ما نشر مؤخرا من ((خريطة لدولة داعش المفترضة )) فهي مثلت الفكر الايدلوجي القطري لهذا التنظيم عندما ادخلت العراق ، وسوريا في هذه الخريطة ، طبعا مع الاردن والكويت مستثنية من اراضيها ارض نجد والحجاز ( السعودية ) او باقي الاراضي الاسلامية !!.
وهذا ان دل على شيئ فانه يدل على ابتعاد هذا التنظيم عن فكرة (( الخلافة الاسلامية )) الشاملة ، التي يرفع شعارها تنظيم القاعدة ، او حزب التحري الاسلامي !!.
بل ان في هذه المفردة لتنظيم داعش بالذات ((   خلو مشروعها من مفهوم الخلافة الاسلامية الشاملة العامة ، بالاضافة الى اخراج الخارطة السعودية من دولتها المزعومة )) دلالة واضحة المعالم ،   تشير الى ان هناك تنسيق عالي المستوى بين قادة داعش والسعودية  حتى على  ادق التفاصيل  التي تضمن عدم تمدد داعش  الى الاراضي السعودية في حال نجاح مشروعها السياسي في اقامة دولة داعش في العراق والشام !!.
ختاما لابد من الاعتراف
اولا  بنجاح الاعلام والمال البترولي السعودي في اقناع العالم وغض نظره عن العلاقة المكشوفة بين تنظيم داعش الارهابي والمملكة السعودية بشكل يضمن للسعودية حصانه من المسائلة القانونية والاخلاقية امام العالم .
وثانيا : من ان الحكم السعودي استطاع ان يصنع تيارات اجرامية وادوات ارهابية في المنطقة ، والعالم من خلال استخباراته  ،  وموارده الاقتصادية العملاقة التي نجحت حتى الان في  ابتزاز واقلاق المنطقة الاسلامية برمتها والعربية بشكل خاص كي يكون لاعبا يليق بترشيحه غربيا وامريكيا بتقديم خدمات كبرى للعالم الاستكباري من جهة ،وبان يفرض نفسه كلاعب امني وسياسي رئيسي في المنطقة  والعالم من خلال صناعة التنظيمات الارهابية القادرة على التحشيد والضرب في اي مكان في العالم !!.
______________________
alshakerr@yahoo.com
                                    http://7araa.blogspot.com/


الخميس، أبريل 03، 2014

ماهو المجتمع وتراكيبه الفيزيقية في المدرسة الاجتماعية الكونتيه



عرّف ((اوجست كونت)) المجتمع على انه ((وحدة حيّة ومركب معقد اهم مظاهره التعاون والتضامن / انظر الموجز في النظريات الاجتماعية التقليدية والمعاصرة / ج1/ د . أكرم حجازي )) !.

والحقيقة فان ((كونت)) عندما طرح لنا تعريفا للمجتمع باعتباره ((المادة)) او ((الساحة)) او (( المجال )) ، الذي يعمل عليه ملاحظةً وتجريباً وتحليلا واكتشافا للقوانين من الداخل ... علم الاجتماع الحديث ، فانه من جانب اخر وضع لنا اول لبنة (( لموضوع )) هذا العلم الا وهو (المجتمع) وعرّف لنا هذا الموضوع باعتبار انه (لاعلم بلاموضوع ولا موضوع بلا تعريف ) !!.

ومن هنا لابد من دراسة وبحث البداية ، والتوقف مع هذا التعريف الكونتي للمجتمع لندرك توجهات مدرسة ((كونت)) العلمية الاجتماعية التي التزم بها تلامذته والمنتمين لمدرسته (( دوركايم سبنسر تالكوت ...)) من بعده وكذا رؤيته النظرية والفكرية لماهية المجتمع او شخصيته اذا جاز التعبير الاجتماعي او وجوده حسب التعبيرات والمصطلحات الفلسفية للمجتمع وكينونته ، ولنسأل :

ما الذي قصده (( كونت )) مؤسس علم الاجتماع الغربي الحديث عندما عرّف المجتمع على اساس انه (( وحدة حية )) ؟.

وهل يختلف هذا التعريف الكونتي في منطلقاته وقواعده ورؤاه .... للمجتمع وما يترتب على هذا التعريف من بناءات فكرية وعلمية وقانونية .... عن ملاحظة تعريفات اخرى لنفس هذا المجتمع ولكن من خارج سياقات المدرسة الاجتماعية الكونتية تعتبره (( وحدة اعتبارية مركبة )) او (( وحدة صناعية )) او (( وحدة اقتصادية )) او (( انه مجموعة من البشر الذين يعيشون في وقت وتاريخ معين )) ؟.

ام ان تعريفات المجتمع لاقيمة علمية وفكرية ومنهجية .. لها في مجمل العلم الاجتماعي سواء كانت تعريفات كونتية ام كانت تعريفات هيجلية (( منسوبة لهيجل الفيلسوف الالماني المعروف )) او نفعية جيمسية (( نسبة الى وليم جيمس عالم النفس الامريكي البراغماتي النفعي الشهير )) او غير ذالك ؟؟.

بمعنى اخر : عندما طرح (اوجست كونت) من ضمن تعريفه للمجتمع على اساس ان ((اهم مظاهر هذا المجتمع الحي والمعقد هو التعاون والتضامن)) فهل لهذا المنطلق في تعريف المجتمع ومركباته ومظاهره ، دلالات علمية وانعكاسات منهجية تختلف حتما ، وبطبيعة التأسيس عن منطلق وتعريف ((هيجل / مثلا)) ومن بعده لمركب المجتمع عندما يعرّف المجتمع على اساس انه مركب قائم على قانون الديالكتيك واهم مظهر من مظاهره الاجتماعية هو الصراع الطبقي حسب الفهم الماركسي للمجتمع وقوانينه الداخلية ، او حسب مدرسة الصراع الاجتماعية الامريكية ؟.

أم انه لا قيمة علمية ولا منهجية ولا استنتاجية ومن ثم لا دلالات فكرية ونتائج عملية لهذا الاختلاف في التاسيس وفي التعريف وفي المنطلقات ؟.

اولا : المجتمع وحدة حيّة .

في منطلقاته الفكرية الفلسفية الوضعية وكذا الاجتماعية العلمية يرى (كونت): ان للمجتمع كينونة مستقلة حية عن الفرد وان الفرد داخل المجتمع لا كما يعتقده البعض من المفكرين : ان له الاصالة قبالة اعتبارية المجتمع لاغير ، بل لاوجود لشيئ في الخارج او الداخل الاجتماعي اسمه ( فرد) مقابل المجتمع ، بل فقط ماهو موجود هو المجتمع فحسب ، ولهذا المجتمع حياة ومشاعر وتوجهات وميول وتطلعات وموت وولادة وتاريخ وسنن وقوانين ......الخ كلها تنعكس على الفرد لتهبه وجوده وشخصيته وفكره وميوله .... وغير ذالك !!.

بمعنى اخر اوضح : طُرح قبل ((اوجست كونت )) وبعده في الابحاث الاجتماعية القديمة والحديثة التي تتناول وجود المجتمع وتراكيبه وهيئته وشخصيته .. قبالة الفرد اربع نظريات قيمة في مجال الاصالة والاعتبارية ((بين الفرد والمجتمع)) يذكرها تفصيلا الفيلسوف الاسلامي الكبير محمد حسين الطباطبائي في تفسيره القيم ويختصرها بعمق المفكر الاجتماعي تلميذه الشهيد السعيد مرتضى مطهري في كتابه (( التاريخ والمجتمع )) مفادها :

اولا : النظرية القائلة بالاصالة المطلقة للفرد وان المجتمع او ما يسمى بالمجتمع ماهو الا امر اعتباري حاله حال (( الملكية والدولة ...)) التي ينتزع مفاهيمها العقل الانساني من الوجود الفردي ليصوغ لها وجودا اصطلاحيا ويرتب على هذا الوجود الحقوق والواجبات والالتزامات .... ولكن تبقى حقيقة هذا الامر الاعتباري ليس لها وجود واقعي ولا قانون ولا سنة ولا حياة ولا شعور ولا موضوع ولا دراسة .... انما ماهو موجود فعلا وواقعا هو الفرد ، وهو منفصل ومستقل عن شؤون الاخرين !!.

ثانيا : النظرية التي تقول ايضا باصالة الفرد على المجتمع في الوجود والفعل ، لكنها تعتبر للمجتمع نوعَ مركبٍ ( فيزيائي ) او (غائي) يعتبر ان الغايات التي يتمكن المجموع من الوصول اليها بكافة اجزائه ( الافراد ) لايمكن للفرد الوصول اليها في هذه الحياة بمفرده ولهذا تبقى الاصالة للفرد ولكن للمجتمع مركب ثانوي او غائي او فيزيائي لاغير !!.

ثالثا : النظرية التي تذهب الى اصالة الفرد والمجتمع وتقول ان للمجتمع وجودا مستقلا وكذا سيرا وحياة وسنة وقوانين وشعورا وشخصية مستقلة عن الافراد لكن لا على اساس اعتبارية الفرد قبالة هذه الاصالة للمجتمع بل ايضا للافراد اصالتهم ووجودهم المستقل داخل دائرة المجتمع ، ولكلٍ من المجتمع ، والفرد اصالته ووجوده المختلف عن الاخر ، فبينما يكون جانب (( الافكار والنفسيات والعواطف والميول والارادات والثقافات ... والمصير المشترك )) حيز الاصالة فيه للمجتمع تبقى الجزئيات الفردية مستقلة ايضا ولاعبة دورا اصيلا قبالة تركيبة المجتمع فكل (( مواهب الافراد وميولهم ومناشئهم وابداعهم وثرواتهم..... )) تبقى هي الجزئيات المكونة للكل الاجتماعي وما بين المجتمع وافراده من تفاعلات الا كما بين اي الاجزاء الاصيلة وكلياتها من مركبات وكما ان لا كلية الا بمركباتها الجزئية ،كذا لاجزئيات بدون مركباتها الكلية ، فبينما مواهب وقدرات وفاعليات الافراد متنوعة وهي التي تخلق روح المجتمع وثقافته وشخصيته وحياته ، كذا هو المركب الاجتماعي الذي يصنع الافراد وميولهم وتوجهاتهم ...الخ ، والفرق هنا في هذه النظرية انه ربما يموت الفرد لكن روح المجتمع باقية ،وكذا ربما يموت المجتمع وشخصيته وفعله وتاثيره .... لكن يبقى الافراد بماديتهم وجنسياتهم وتمتعهم بقدراتهم الفردية على حالها !!.

رابعا : وهي النظرية التي تقول بالاصالة المطلقة والكلية للمجتمع ، وما الفرد الا جزء ليس له اي وجود او حيثية او كينونة او حياة او واقع او انسانية ... بدون المركب الاجتماعي ، فالفرد ينحل تماما كالانحلال الكيميائي او التغير الكيفي بعد التراكم الكمي في مركب المجتمع الجديد ليكون هناك المجتمع وحده بحياته بهيئته هو الوجود الواقعي والحقيقي لاغير ، وما الافراد الا جزئيات تختصر ادوارهم في انهم المواد الاولية او الجزئيات الضرورية لصناعة مركب المجتمع ، وحال الافراد في ذالك حال ( مثلا )) ذرات الاوكسجين والهيدروجين التي تكوّن مركب الماء بعد تفاعلهما بعضهما مع البعض الاخر لتنحل هذه الجزئيات وينتهي عملها ووجودها وواقعيتها ، ولتبقى الواقعية لمركب الماء فحسب !!.

فالفرد في هذه النظرية لاوجود حقيقي له اذا لم ينخرط في الكلي الاجتماعي ليهبه شخصيته وكينونته وشعوره بوجوده الانساني كما ان الفرد الانساني في هذه النظرية كله هو مجرد (روح حيوانية محضة) فقط لها (قوة القابلية) لتتلبس بالروح الجماعية المهيمنة على الافراد !!.

اي ان الانسان الفرد قبل الاندراج في سلك المجتمع ليست له هوية انسانية ، بل هو استعداد محض له قابلية التلبس بالروح الاجتماعية فهو (انسان بالقوة) وتبرز انسانيته وشعوره بهذه الانسانية عندما تندرج تحت اطار الروح الاجتماعية ،فالمجتمع هو من يجعل من شخصية الافراد شخصية انسانية ولها ميول ووجود انساني واقعي ، والفرد بغير المجتمع لايمكن قبول اعتباره شيئا وجوديا حقيقيا فضلا عن ان تكون له اصالة وواقعية ووجودا انسانيا معترفا بادميته !!.

والحقيقة ان هذه النظرية الرابعة هي ما اسس لها مؤسس العلم الاجتماعي الحديث (اوجست كونت ) في مدرسته الاجتماعية ومع اننا نميل مع رؤية المدرسة الاسلامية في رؤيتها الاجتماعية التي تتبنى توجهات النظرية الثالثة في ((اصالة الفرد والمجتمع )) ونختلف في كثير من التوجهات الاجتماعية العلمية لرؤية (كونت) هذه، لكن تبقى مدرسة كونت الاجتماعية هي التي استطاعت ان تصوغ النظرية الاجتماعية الحديثة ولها قدم السبق الذي تاتي بعده كل النظريات الاجتماعية اليوم ، وطبعا بعد النظريات القديمة لمؤسس هذا العلم الاجتماعي عالم العمران العربي الاسلامي ابن حلدون !!.

نعم الآن يمكننا فهم وادراك ابعاد تعريف (كونت) للمجتمع ولماذية طرحه على اساس انه (( وحدة حية )) وماهية هذا التعريف ومنطلقاته النظرية واختلافه الجذري عن باقي التعريفات الاخرى في باقي مدارس علم الاجتماع الباقية !!.

فالمجتمع (( وحدة حية )) بهذا المنظور الذي يؤسس لرؤية ليس فيها الا الوجود الاجتماعي لاغير وهو منظور مختلف تماما عن المنظورالفردي والذي يرى في الفرد انه اصيل في الوجود وما المجتمع الا كائن اعتباري انتزاعي ذهني لاغير والاختلاف (في الحقيقة) في هذه الرؤى حول الفرد والمجتمع لاتقف فقط عند الرؤى النظرية للمجتمع والفرد او للعلم الاجتماعي بصورة خاصة ، بل انها اختلافات (( تأسيسية )) في البناء الاجتماعي القائم ، يعتمد عليها فيما بعد البناءات القانونية التشريعية او الاقتصادية او التربوية او السياسية ... كذالك في ادارة وبناء اي مجتمع قائم !!.

اي ان القانون (مثلا) عندما يعتمد على رؤية تؤمن بان الاصالة والوجود الحقيقي هو للمجتمع وحده ، فانه لايمكن ان يشرّع اي مادة قانونية تحاول تنظيم ادارة المجتمع تخالف في توجهاتها وماهياتها مصالح المجتمع العامة ، وهذا بخلاف ما اذا اعتمد القانون ومنظريه والقائمين على تطبيقه على نظرية اجتماعية تؤمن بالاصالة والحياة للفرد على حساب اعتبارية المجتمع ،كما هو حاصل في الرؤى (( الليبرالية الراسمالية الحديثة )) التي تؤمن باصالة الفرد على حساب اعتبارية المجتمع ،فان القانون وهيئاته الشرعية والاقتصاد وبناءاته التخطيطية والتربية وتطبيقاتها التعليمية والسياسات واذرعها التنفيذية .... ستتجه بكل ثقلها لدعم الفرد واصالته على حساب المجتمع ومصالحه ووجوده !!.

ومن هنا ولادراك (( كونت )) تبعات التأسيس في الفكر والعلم الاجتماعي ، ولايمانه المطلق بالمجتمع ك((وحدة حية )) لها وجودها المستقل ، ولها مصيرها ولها كينونتها المستقلة حذر بشدة وقوة في اطروحته الاجتماعية وحتى الفلسفية على : (( ان اكبر جريمة لا اخلاقية يقترفها اي مفكر او مقنن او مشرع او منظر ... هو ان يعتقد بشئ اسمه فرد مقابل المجتمع )) !!.

اي بمعنى اكثرعلمية اجتماعية ينعكس على المنهجية الوظيفية لعلم الاجتماع كما كان يراها (تالكوت) هو: ان النظر للمجتمع ينبغي ان يكون بكلية حتى في مناهج البحث الوظيفية في علم الاجتماع ، فمن الخطأ تفسير ظواهر الكل الاجتماعي من خلال دراسة ظواهر جزئية ، او اسرية بداخله ، بل المفروض هو العكس في اخذ الكل الاجتماعي بظواهره العامة ، لتفسير وتحليل وقراءة الجزئيات بداخله !!.

ثانيا : مركب معقد اهم مظاهره التعاون والتضامن

كما ان (( اوجست كونت )) كان يعرّف المجتمع على اساس انه (( وحدة حية )) فانه كذالك كان يرى هو ومن بعده من الاباء الحقيقيين للعلم الاجتماعي الحديث (دوركايم سبنسر تالكوت ..) على ان هذه الوحدة الاجتماعية الحية تقوم على مبدأ وقانون وقاعدة (( التعاون والتضامن )) والتعاون والتضامن ايضا هما اهم ظاهرة من ظواهر المجتمع بصورة عامة والحديث بصورة خاصة !!.

والتعاون والتضامن للوحدة الاجتماعية في فكرمؤسس علم الاجتماع الحديث ليس هو مفهوماوعظيا ناتجا من ايدلوجيا اخلاقية او سياسية ((لما ينبغي ان يكون )) بل انه مبدأ ومبنى اصيل من مباني الاجتماع الانساني المعقد الحديث والقائم على فكرة :(( تقسيم العمل وتوزيع الوظائف الاجتماعية )) التي تفرضها متطلبات اي (( مجتمع معقد ومركب)) لاسيما المجتمع مابعد الصناعي او المجتمع الحداثي الذي دخلته الماكنة الصناعية والعلوم التكنلوجية الحديثة التي غيرت من نمط الحياة الاقتصادية والتجارية والسياسية والثقافية ... ومن ثم المفاهيمية والقانونية والتخطيطية للمجتمع فالمجتمع بعد الصناعة ليس هو المجتمع الزراعي ماقبل الحداثة والصناعة في فكر (( كونت ودوركايم وسبنسر ...)) كما ان المجتمع ان اريد له ان يأخذ دورته بحالة ديناميكية متطورة فلابد ان ينطلق ويرجع لقاعدة (تقسيم العمل وتوزيع الوظائف) باعتبار انها اهم مظهر من مظاهر المجتمع الحي عند (كونت) او باعتبار ان ((التعاون والتضامن = تقسيم العمل وتوزيع الوظائف )) حسب رؤية كونت او (( التجانس )) حسب مصطلح ((دوركايم)) الاجتماعي هو ((الرابطة المكونة للوجود الاجتماعي والدافعة لتطوره واستمراره في الوجود)) وبغير هذه الرابطة ينفرط عقد المجتمع ، وينزلق الى حالة صراع مدمرة للوجود الاجتماعي !!.

نعم بعدما طرح ((كونت )) تاسيسه للعلم الاجتماعي الحديث وضمنه رؤيته الكاملة نحو المجتمع ككل جاءت من بعده فلسفات ورؤى ، وتوجهات اجتماعية نسجت على غير الرؤى والقواعد (( العلمية الاجتماعية )) التي اسس لها اباء علم الاجتماع الحديث ، فبرزت رؤى وتوجهات (( ايدلوجية سياسية اجتماعية )) تتبنى قاعدة (( الصراع الاجتماعي )) باعتباره اهم ظاهرة من ظواهر المجتمع المركب والحديث !!.

وفي هذا الصدد برزت الفلسفة ((الهيجلية )) في الديالكتيك كممون اصيل لرؤى وتصورات هذه المدارس الايدلوجيه (( لا اتمكن من تسميتها الاجتماعية بسبب فقدان الرؤية العلمية من داخلها )) التي من اهمها طبعا المدرسة المادية الماركسية التي رأت : ان القاعدة الاساسية للبناء الاجتماعي هي العامل الاقتصادي وان الظاهرة الاهم للمجتمع الحديث والقديم هي ظاهرة الصراع الطبقي القائم بين القوى العاملة من جهة والقوى الراسمالية من جانب اخر !!.

بل ورأت او قررت هذه المدرسة المادية الماركسية : ان هذه الظاهرة هي الاساس الفعلي لحركة وتطور وديناميكية المجتمع ، ولا تطور ولا ديناميكية للمجتمع الا من خلال عملية الصراع التي هي انعكاس لمجال تطور وسائل الانتاج الاقتصادية هذه !!.

بعد ذالك كان لعالم الاجتماع الالماني (رالف داهرندوف) وظيفة التنظير لرؤية اجتماعية قائمة على(نظرية الصراع الاجتماعي ) ، وسرعان ما انتقلت هذه الرؤية الاجتماعية لتسيطر نظريا وليس عمليا (( وهذا من غرائب الامور )) على المدرسة الاجتماعية الامريكية من الخمسينات حتى نهاية السبعينيات التي انغمست اكثرفاكثرلدعم هذه التوجهات الاجتماعية ومناهجها الايدلوجية السياسية ومناهضة مناهج علم الاجتماع الكونتية والدوركامية في المنهج الوظيفي للظاهرة الاجتماعية !!.

والحقيقة ان الاختلافات بين النظرية الاجتماعية الكونتية في جميع مدارس علم الاجتماع الحديثة ، وبين نظرية الصراع الايدلوجية الشيوعية الماركسية ليس هو اختلاف في توجهات النظرية الى مركبات الاجتماع وبناه الواقعية فحسب ، بل انه اختلاف (( علمي تاصيلي )) بالاساس ، وهو الفارق (( حسب الرؤية العلمية لعلم الاجتماع الحديث )) بين العلمي الذي يبحث داخل وحدة المجتمع عن ماهو كائن وموجود من قوانين يمكن بناء تحليل واقعي وعلمي لظواهر الاجتماع على اساسها ، وبين ماهو (( ايدلوجي سياسي )) يبتغي ويهدف الى صناعة (( ما ينبغي وجوده )) بغض النظر عن ماهو كائن فعلا وواقعيا داخل هذا الاجتماع !!.

بمعنى : ان الفارق حسب الرؤية الاجتماعية لعلماء الاجتماع المحدثون بين ان يكون (( للمجتمع )) علم ومنهج يختص بدراسة هيئته ، وبين ان يظل المجتمع مادة للبحث (( الفلسفي او الادبي او النقدي او .... )) بدون اليات ومناهج علمية ، هو ان يكون علم الاجتماع ((علما موضوعيا )) يبحث في هيئة ووحدة المجتمع كما يبحث عالم الكيمياء او الفيزياء او البيلوجيا او الفيسلوجيا .... في مواضيعها الوضعية الواقعية ، فهذه العلوم :

اولا : تبحث عن القوانين التي تسيّر مجالاتها الخارجية ، وتضبط من ايقاعات حركاتها الطبيعية او الفيزيائية او الفسلجية او ... غير ذالك .

ثانيا : بعد ان تكتشف هذه العلوم ماهية القوانين الكونية او الطبيعية او الطبية ( مثلا ) داخل الفسلجة الانسانية ، عندئذ تدرك طبيعة حركة وعمل هذه النظم داخل هذه الظواهر العلمية ، مما يؤهلها لتشخيص اي حالة خلل تكسر من هذه القانونية الداخلية للظواهر الطبيعية ، او يؤهلها لادارة هذه القوانين والهيمنه على عملها واستثمار معطياتها القانونية لتطويع هذه القوانين ومن ثم الاتكاء عليها في صناعة المعجزات العلمية التي لولا ادراك وفهم عملها كما هي واقعيا لما امكن استثمارها والاتكاء على معطياتها علميا !!.

وبهذا تميز التفكير العلمي الحديث عن باقي مناهج التفكير اللاعلمية التي تعتمد ليس على الواقع كماهو قائم وبكل ما يحمل من قوانين وظواهر ولتستلهم من ثم من هذه القوانين ما يعينها على فهم الظواهر وكيفية تحليلها حتى الوصول الى النتائج والمعالجات الناجعة لها ، بل تعتمد على الفكر الايدلوجي المسيس او الاخلاقي الذي يهدف الى قراءة الواقع كما ينبغي ان يكون وليس كما هو كائن !!.

بمعنى اوضح : ان علماء الاجتماع ادركوا ان هذا العلم الذي يريد ان يكون موضوعه المجتمع ، لايمكن ان يكون له ((صفة العلم)) اذا لم يتجرد من الرؤى الايدلوجية النظرية المسبقة ، ويتحول الى دراسة وبحث المجتمع بموضوعية على اساس انه مجال كباقي المجالات العلمية الاخرى من فيزيائية وطبيعية وكيميائية ... حتى بيلوجية وذرية وغير ذالك من باقي المجالات العلمية ، التي تحاول بحث مواضيعها من خلال اكتشاف قوانينها الثابت منها والمتغير ، والا بغير هذه الرؤية لايصبح هناك اصلا ((علما للمجتمع)) لان المجتمع الانساني لم يتأهل ليكون ((مادة علمية)) الا بعدما ادرك علماء الاجتماع ان في داخله قوانين تتحكم في سيرورته الفردية والاجتماعية وهناك بنى ثابتة يمكن الاعتماد عليها كقوانين حالها في ذالك حال قوانين الفيزياء والكيمياء والبيلوجي ... في عالم الكون والطبيعة والانسان ، وينبغي تناولها ودراستها والتعامل معها كما هي موجودة لاكما ينبغي ان يتصورها وهما الفكر الانساني من الداخل !!.



في الفكر الايدلوجي الماركسي يدرس المجتمع على اساس ما ينبغي ان يكون عليه هذا المجتمع من صورة وليس يدرسه على ماهو عليه واقعيا موضوعيا ، ولهذا اطلقنا على الرؤية الماركسية انها رؤية لاعلمية في مجالها الاجتماعي ، ليس لانها بعيدة عن تاسيسات علم الاجتماع الحديث فحسب ، بل لانها كذالك تدخل على دراسة المجتمع او الاجتماع الانساني وهي محملة بنظرية مسبقة تحاول خلق صورة فكرية وذهنية لما ينبغي ان يكون عليه هذا الاجتماع وهذا ما دفع هذه الرؤية للايمان ب(( ضرورة ايجاد وخلق حالة الصراع هذه داخل المجتمع قبل ان يكون الصراع قانونا يحكم بنية الاجتماع الانساني تاريخيا واقعيا )) وطبعا ايجاد وخلق حالة الصراع الطبقي الاجتماعي هذه كانت من اجل الوصول الى عملية التغيير السياسية بداخله لرؤية المدرسة الماركسية الشيوعية : (( ان التغيير ثمرة حتمية لحالة الصراع الاجتماعية ، وكلما كان الصراع حادا ودمويا كان التغيير اسرع وتيرة وانضج صورة )) !!.

وهذه الرؤية الايدلوجية السياسية الماركسية بعكس تماما الرؤية العلمية بصورة عامة التي ترى في الظواهر الكونية والظواهر الطبيعية وهكذا الظواهر الاجتماعية انها محتكمة الى قوانين ثابتة وينبغي لاي علم يحاول ادراك واقعها ان يدرس هذا الواقع كما هو موجود بكل بناه وقوانينه وثوابته ومتغيراته لاكما ينبغي ان يكون ذهنيا وفكريا وتصوريا ، لان الظواهر الطبيعية او الكونية على اية حال لاتخضع قوانينها وظواهرها للامزجة النظرية او الاخلاقية او السياسية بل انها تعمل وفق قوانين ومحركات واقعية وضعية لاغير !!.

وهكذا الرؤية العلمية لعلم الاجتماع بصورة خاصة والذي عندما بحثت داخل بنية الاجتماع الانسانية تاريخيا وحتى اليوم ، وجدت انها بنية قائمة على مجال (( التعاون والتكامل والتضامن )) الاجتماعي الذي هيئ للمجتمع الاستمرار والتطور الاجتماعي بل ورات المدرسة الاجتماعية الحديثة : (( ان التعاون والتضامن وتقسيم العمل وتوزيع الوظائف )) داخل اي مجتمع هي الظواهر الطبيعية والقانونية لصناعة اي تطور ديناميكي وتكامل ونماء اجتماعي ، وليس (( الصراع الطبقي )) هو المنتج الطبيعي لخلق حالة من التغيير والتطور الحتمي ، بل ان (( الصراع الاجتماعي )) في عرف المفاهيم الاجتماعية العلمية ماهو الا عملية (( تدمير واستنزاف طاقة انسانية واعاقة )) واقعية لاي تطور اجتماعي طبيعي يعتمد بكليته على تراكم الخبرة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .... وغير ذالك !.

اذا نحن هنا امام رؤيتين (( للمتغير الاجتماعي )) :

الاولى : التي تنتمي للمدرسية العلمية الاجتماعية التي ترى عملية التغيير وقانونها الاشمل تاريخيا وانسانيا ماهي الا تراكم كمي اجتماعي ايجابي ياتي من خلال (( التعاوت والتكامل والتضامن والاستقرار .... الاجتماعي )) وتقسيم العمل وتوزيع الوظائف !!.

والثانية : وهي الرؤية المنتمية للمدرسة الصراعية الاجتماعية الايدلوجية الماركسية ، التي رات ان التغيير والتطور الاجتماعية عملية ايضا تراكمية لكن من خلال عملية تناشز وصراع طبقي داخل المجتمع !!.

وشتان بين رؤية تنظر لقوانين المجتمع الداخلية المحركة للتطور الاجتماعي على اساس انها هي التعاون والتكامل الاجتماعي ، وبين رؤية تنظر لقوانين المجتمع الداخلية المحركة للتطور والتغير الاجتماعي على اساس الصراع وتدمير الاخر كقانون اوحد لكل عمليات التغير والتطور التاريخية والاجتماعية الانسانية تاريخيا وحتى اليوم !!.

وهذا الشتات بين الرؤيتين الاجتماعية العلمية والايدلوجية الصراعية لايختلف في مفاهيم (( تطور المجتمع وحركته )) فكل من المدرسة الاجتماعية العلمية والاخرى الايدلوجية السياسية تؤمن بهذه الحركة كقانون داخل المجتمع ، لكن الاختلاف في فهم وادراك عوامل واسباب هذا المتغير او المتحرك داخل المجتمع وبناه الواقعية !!.



______________________

alshakerr@yahoo,com

مدونتي ( حراء ) تتشرف بزيارتكم للمزيد

http://7araa.blogspot.com/



 

الاثنين، مارس 17، 2014

(( تمهيد في نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 2/2

(( تمهيد في نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 2/2 حميد الشاكر




ثانيا: احتكاك ابن خلدون بعالم السياسة ومتغيراتها وهمومه بدراسة ظاهرة الدولة .

ان من اهم العوامل التي ساهمت بانشاء علم الاجتماع العربي ، بعد عامل اشتغال ابن خلدون بمهنة علم التاريخ هو عامل : (( احتكاك ابن خلدون المباشر بعالم السياسة من جهة، واهتمامه بدراسة ((ظاهرة الدولة)) داخل المجتمعات الحضرية العربية وغير العربية البشرية من جانب اخر)) !!.

ولعلها ليست صدفة ان يكون مؤسس علم الاجتماع العربي الاسلامي (( عبد الرحمن ابن خلدون )) ، وكذا مؤسس علم الاجتماع الغربي الحديث ( اوجست كونت ) هما من المحتكين ، والممارسين بصورة مباشرة لعالم السياسة والدارسين بنفس الوقت وبعمق لظاهرة الدولة !!.

فابن خلدون ، وكما هو المعروف تاريخيا التحق، ومنذ بواكير شبابه بسلك وظائف الدولة في المغرب والاندلس فشغل منصب ( كتابة السر) في بلاط بني مرين في بداية حياته 750هج /في المغرب العربي كما وشغل منصب خطة المظالم ، وبعدها السفارة في الاندلس.... نهاية في تولي سدة قاضي القضاة في مصر !!.

وهكذا (( كونت )) مؤسس علم الاجتماع الغربي الحديث ، الذي بدأ حياته كطالب حركي سياسي مساهم بالمطالبات والاضرابات الطلابية ، وبعدها كسكرتير للسياسي الكونت والفيلسوف (( كلود هنري سان سيمون )) الذي اشترك مع ((كونت)) بوضع ((خطة العمليات العلمية اللازمة لاعادة تنظيم المجتمع)) واستمر مع الحياة السياسية الفرنسية والاوربية التي تشكلت فيها ((مفاهيم الدولة القومية الحديثة)) وما لهذه الدولة من تداخلات مع المجتمع الصناعي الحديث ، حتى ذُكر ان كونت كان يطلق تسمية (( علم الدولة )) على ((علم الاجتماع الحديث)) باعتبارانه لايمكن للدولة الحديثة ان تتطور وتنجح بدون اتكاءها على دراسات وابحاث ونتائج علم الاجتماع من جهة ولا يمكن لعلم الاجتماع الامبيرقي ان يتطور بدون معطيات ووثائق الدولة ومؤسساتها القائمة من جانب اخر !!.

والحق ان اشتغال كل من((ابن خلدون)) في عالم السياسة بعد تاهيله علميا وتاريخيا وفلسفيا ....، وكذا (( كومت )) في نفس هذا المجال ، هيئ لكلا الفيلسوفين المؤرخين ان يطلعا على (( المجتمع وحركته )) بصورة اشمل وادق واكثر بحثا في المفاصل الدقيقة لهذه المجتمعات وكيفية حركتها ومن ثم رصد عوائدها واعرافها واخلاقها وتغيراتها بشكل اشمل !!.

بمعنى اخر: انه لايمكن لاي باحث ، او دارس لنشأة علم الاجتماع العربي الاسلامي او الغربي الحديث ان يدرك الماهية والاسباب الواقعية والعوامل الاجتماعية ، التي ساهمت في ولادة وانشاء هذا العلم (علم الاجتماع) قديما وحديثا ، اذا لم يستطع الربط بين علاقة ( المؤسس) هذا الفيلسوف الفكرية وما للفلسفة من دخل في بناء وولادة العلوم بصورة عامة وبين اشتغال هذا الفيلسوف بعلم التاريخ ، (لاطلاعه على حركة المجتمعات من الخارج) ثم احتكاكه بعالم السياسة وشؤونها (ليلم بحركة ومفاصل المجتمع من الداخل) وبهذا تتم له الصورة ويتم له التصور المتكامل الذي يضطره لصناعة علم يدرس ويهتم ويبحث ويحلل ويعالج و... في هيئة المجتمع وماهية تغيراتها وعوامل حركتها ودعائم ثباتها ومستقراتها !!.

وهذا بالفعل ما وقع لكلا الفيلسوفين ((ابن خلدون وكونت)) وهذا بالفعل ما صادف كلا المفكرين من ظروف وملابسات اجتماعية وتاريخية وسياسية احاطت بحياة كلا المؤسسين لهذا العلم !!.

(ابن خلدون) حيث بشرّ ، ودعى لهذا العلم في مقدمته و ( اوجست كونت) حيث ايضا دعى ، وبشر بولادة علم للاجتماع تفرضه ((ظروف المرحلة التاريخية والصناعية الحديثة )) للعالم الانساني !!.

فابن خلدون الفيلسوف والدارس للتاريخ والمتخصص بكل مفاصله لاسيما منها العربية الاسلامية اطلع بشكل دقيق وتفصيلي على حركة هذا التاريخ وتغيراته وتقلباته السياسية ومن ثم هو امتلك الرؤية النظرية والخارجية لحركة المجتمعات مسطرة امامه من خلال النقل التاريخي لها !!.

لكن هذه الرؤية التاريخية ، ومهما تخصصت بتقلبات الشعوب والامم تبقى خارجية او حضارية وليست محلية ، وبعيدة عن روح المجتمع من الداخل مباشرة ، وهي وان سردت تطورات المجتمعات من الخارج الا انها ( مع ذالك ) تبقى بعيدة عن بواطن المجتمع من الداخل ، او الاحتكاك بصورة مباشرة معه !!.

وهنا ياتي دور (علم السياسة) الذي درسه ايضا ابن خلدون ومارسه بشكل عملي في حياته الاجتماعية ، والذي هو ((نظرية علم ادارة المجتمع)) من الداخل سياسيا واقتصاديا وتربويا وقانونيا اولا وقبل ان تكون علما لادارة الدبلماسية والدفاع والحرب ..... مع الخارج ثانيا ، لتطرح ( هذه النظرية السياسية ) امام ابن خلدون خريطة تشريح كاملة لكل معامل انتاج المجتمع من الداخل ولكل مفاصل المجتمع (( المتحرك والثابت منها )) باعتبار ان السياسة لاسيما في عصر((ابن خلدون)) كانت احد مهامها الرئيسية مراقبة ورصد بنية المجتمع العربي قبليا وحضريا وتحليل جميع الاذرع المتحركة او الفاعلة او المستقرة ، او المضطربة .. داخل المجتمع العربي الاسلامي انذاك وعلاقة (ذالك كله) المباشرة باستقرار السلطان وسلطته او الحكم او الدولة وامنها واستمرارها !!.

وبهذا توفر (لابن خلدون) كل ما يلزم من ادوات تفكيراجتماعية ( تاريخية وسياسية ومجتمعية ) تفرض نفسها عليه كعلم مستقل بنفسه ، منفصلة اولا عن ادوات علم التاريخ الذي امتهنه لكن ليس بعيدة عنه ومنفصلة ثانيا عن ادوات علم الاخلاق او السياسة لكن ايضا ليس بعيدة عنه وهذا الفصل في تفكير ابن خلدون نفسه هو ما يستطيع ان يشرح لنا بوضوح ماهية التداخل والتفاصل العميقة بين التاريخ وظاهرة الدولة في (مقدمة ابن خلدون) من جانب وبين علم العمران العربي من جانب اخر !.

ولا يمكن لباحث ان يدرس علم العمران العربي(عند ابن خلدون)في نشاته وولادته ، اذا لم يلحظ هذه العلاقة العضوية في فكر هذا الرجل بين علم التاريخ ودراسته المهنية له ، وبين ممارسة السياسة وما تتطلبه من رؤية اجتماعية وبين علم العمران في نهاية المطاف !!.

وهذا لايعني (مطلقا) : ان منهج ابن خلدون الاجتماعي كان مقتصرا على (( المنهج التاريخي )) في علم الاجتماع اوعلم العمران البشري فحسب بل ما يميز علم الاجتماع الخلدوني هناهوانه علم استقى من الواقع الاجتماعي الذي كان يعيش بداخله معظم اركان وتصورات واليات .... علم العمران البشري ، وهذا هو ما ذكرناه في العامل :

ثالثا: المتغيرات الاجتماعية التي احاطت بابن خلدون وارغمته على البحث عن قوانينها واسبابها الواقعية !!.

والحقيقة ان ابن خلدون عاش في ظروف اجتماعية ، وسياسية دراماتيكية بكل المقاييس التاريخية، فهو عاصر افول نجم الحضارة الاسلامية العربية في منابتها التقليدية من بغداد الى الاندلس فكريا وفلسفيا ، وعلميا وسياسيا ... وحتى اجتماعيا ، فقد اصاب المجتمع ( العربي بالتحديد وقيادته لركب الحضارة الاسلامية) انتكاسة افقدته حتى القدرة على التماسك السياسي في اقامة الدولة اوالقدرة على القيام بصناعة المدنية الحضرية، بل عاصر ابن خلدون(ارتدادة)عنيفة للمجتمع العربي من بنيته الحضرية المدنية التي شكل واسهم الاسلام ببنائها الى البنية القبلية العصبوية التي ساهمت ((صراعاتها المحلية)) بقتل الدولة، وروحها الحضرية داخل هذا الاجتماع العربي انذاك !!.

لكن ايضا ابن خلدون عاصر ، كذالك صعود نجم اسلامي اعجمي الاصل والمنشا على حساب الاصل العربي سياسيا ، وفكريا واقتصاديا واجتماعيا و... كان يتكون جنينيا في الشرق (عثمانيا) من العنصرالتركي و(صفويا) من العنصرالفارسي اوالايراني !!.

ولعل هذه المتغيرات الاسلامية الجغرافية الاجتماعية والعنصرية التاريخية الكبيرة التي طرأت على عالم ابن خلدون السياسي والجغرافي والاجتماعي ... ، هي ايضا ما ساهمت في تشكيل ( وعي ابن خلدون الاجتماعي ) في موضوعة علم العمران البشري ، ودراسة ظاهرة الدولة بشكل اساس ومن ثم دفعته للتساؤل حول : اسباب ، وعوامل (متغيرات) المجتمعات العربية والاسلامية ، وكيفية صعودها في بادئ اعمارها ، وهبوطها في شيخوختها قبل موتها !!.

وطبيعي ان مثل هذه البحوث ، التي افتض بكارتها تاريخيا ابن خلدون في بحوث المقدمة لم تكن لتستقى تصوراتها ، وافكارها من مضانها التاريخية التقليدية فكانت كتب التاريخ التي درسها ابن خلدون ونقد منهجيتها التقليدية في النقل التاريخي تخلو تماما مما نقرأه اليوم في (( المقدمة )) من بحوث اجتماعية ( سوسيولوجيه ) لم يكن سبيل امام ابن خلدون ، لدراستها سوى نزول ، وبحث ابن خلدون نفسه الى واقع ، واشكاليات المجتمع العربي (( المغربي الاندلسي بالتحديد))ودراسته واستقراءه ليتخذ منه مادة حية لمعظم بحوثه الاجتماعية فيما بعد !!.

اي وبمعنى اخر : انه عندما نبحث، بماطرحه ابن خلدون في علم العمران العربي (( علم الاجتماع العربي )) من بحوث وابواب وافكار وتصورات .... في ((مقدمته)) نجد ان معظم هذه الافكار كان منتميا بشكل مباشرالى واقع حياة المجتمعية العربية انذاك فبحث(( بنية الاجتماع القبلي العربي )) وكذا بحث اختلافها عن (( بنية الاجتماع الحضري )) ، وبحث (( ماهية الاجتماع الحضري ؟)) و(( لماذية نشأة العلوم داخل هذه البنية ؟)) وغياب العلوم داخل بنية الاجتماع القبلي القائم على العصبة واختلاف اخلاق الفرد المنتمي للبنية القبلية عنه من المنتمي للمجتمع الحضري ....الخ ، كل هذه بحوث (وحتى اليوم) من صلب الدراسات السوسيولوجية الحديثة التي تتخذ من ((المنهج الامبيريقي )) اداة لدراساتها الاجتماعية المنبنية على المجتمع كما هو قائم الان ، وليس المجتمع تاريخيا او كما ينبغي ان يكون ايدلوجيا ؟.

فابن خلدون كان ناقلا وواصفا اجتماعيا امينا عندما تحدث في مقدمته عن بنى مجتمعه القبلية والحضرية القائمة التي كان يعيش بداخلها وكان عالما اجتماعيا نافذ البصيرة عندما حلل بنية الاجتماع القبلي واختلافها الجذري عن بنية الاجتماع الحضرية ، وهكذا كان سوسيولوجيا بامتيازعندما طرح ماهية العلاقات التي تبتنيها المدنية التجارية وماتنتجه من صناعات وعلوم ومن ثم ما تنشئه من دول وحكومات واختلاف كل ذالك عن ما تهدف اليه بنية القبيلة وما تنفر منه من عالم ومعالم المدنية الحضرية !!.

وطبعا كل ما طرحه (ابن خلدون) في علمه العمراني الاجتماعي لم يخرج عن دراسة (سياقات المجتمع العربي والاسلامي) ، ومن واقع هذا المجتمع المعاش ومن عمق صراعاته وازماته وبكل مركباته ثوابته ومتغيراته !!.

ونعم في الجانب الاخر طرح ابن خلدون رؤيته الحضارية التاريخية التي تناولت سنن التاريخ وقوانينه البشرية وكيفية ان(( قوانين العمران البشري )) التاريخية، كما انها تنطبق في دراساتها على المجتمع العربي الاسلامي هي كذالك قوانين تنطبق على باقي الشعوب والامم حتى وان اختلفت نتائج هذه القوانين والسنن بين مجتمع واخر وهذا ما رشّح ((في الحقيقة)) الفكر الخلدوني الاجتماعي ، ليكون مؤسسا لعلم اجتماع قائم على قانون وسنن لايختلف عملها بين مجتمع واخر !!.

وبهذا استطاع ان يعكس (ابن خلدون) كل ما كان قائما في مجتمعه العربي والاسلامي من تناقضات ومتغيرات وصراعات وثوابت و .... (( استاتيك وديناميك)) ليصوغ من نفس هذا الواقع المضطرب علمايجيب عن الاسئلة السوسيولوجية (( القائمة حتى اليوم ))حول اسباب وعوامل هذه المتغيرات الاجتماعية واسباب وعوامل الاصطكاكات والثوابت داخل هذه المجتمعات ايضا ؟.

نعم غير ابن خلدون لم يكن مهيئا ،او لم تهيئ له جميع الادوات والظروف القادرة على دفعه ليبتكرلنا علما يسميه كما اسماه ابن خلدون بعلم العمران البشري ولم تكن العبقرية الفكرية الفردية وحدهاتتمكن من دفع ابن خلدون نفسه لابتكار علم للاجتماع لو لم تكن هذه المتغيرات الاجتماعية التاريخية التي ذكرناها انفا مصاحبة لحياة ابن خلدون ، ودافعة له بقوة للتفكير الجاد بماهية المتغير الاجتماعي ومن ثم اضطراره لصناعة علم يبحث المجتمع كمادة وموضوع ، ومن هذا المنطلق ندرك : ان الاسباب ، والعوامل التي ساهمت بالفعل بنشأة علم الاجتماع العربي(علم العمران البشري)هي كانت اسباب وعوامل اجتماعية ((سياسية وفكرية واقتصادية وجغرافية وتاريخية واخلاقية ..)) اولا ، قبل ان تكون اسبابا فكرية نظرية ، او عبقرية فردية لاغير !!.

وربما لم يكن بمقدور(( ابن سينا اوالفارابي )) مثلا ان يصنعا ، او يكتشفا او يبتكرا علما للاجتماع العربي والاسلامي ، لان كلاهما فيلسوفان لكن لم يكونا عالمي تاريخ واطلاع على سير الامم والشعوب وتقلباتها الاجتماعية التي هي صفة اساسية ينبغي ان تتوفرلعالم الاجتماع قديما وحديثا كما كان مهيئا لابن خلدون وهكذا ربما لم يكن((الطبري او المسعودي)) بمقدورهما ان يلتقطا (( فكرة علم الاجتماع )) وهما يدرسان التاريخ ويكتبان فيه كما التقطها ابن خلدون، لان ابن خلدون كان ( فيلسوفا ايضا ) بالاضافة لكونه مؤرخا ووممارسا سياسيا كذالك، مطلعا بشكل مختلف على حركة المجتمع ومتغيراته من الداخل ، ولا يمكن لعالم يحاول ( صناعة منتج علمي جديد) وهو خاليا من الفكر الفلسفي الذي يؤهله لصناعة العلم ، وانشاءه من جهة كمالايمكن لعالم بالاجتماع يريدان يبحث بعلم للعمران والاجتماع ان يكتفي بالدراسة التاريخية النظرية فقط، ليصل الى قلب علم الاجتماع وادواته من جانب اخر !.

وفي النهاية يمكننا القول:ان ابن خلدون بفلسفته وعلمه التاريخي وممارسته السياسية ....، لم يكن باستطاعته صناعة علم للمجتمع لولا تلك المتغيرات المتسارعة ، التي ضربت حياة العالم العربي والاسلامي السياسية والفكرية والجغرافية والاقتصادية .. وحتى الاخلاقية في عصره والتي هي صنعت ابن خلدون وعلمه قبل ان يصنع ابن خلدون علما للمجتمع ومتغيراته !!.



راسلنا على :

alshakerr@yahoo.com

مدونتي فيها المزيد على :

http://7araa.blogspot.com/