الخميس، ديسمبر 30، 2010

((من وعيّ القرآن .... أقرأ )) -6- حميد الشاكر

الكلمة كمعجزة :- اقرأ .




لول ديورانت في (قصة الحضارة) لفتة عميقة وهو يربط بين الكلمة واثر وجودها على تطوروتكامل الحياة الانسانية من جهة وبين الكلمة والفكر الانساني ، وكيفية ان الفكر البشري لايستطيع العمل بدون كلمة تكون هي الالة التي تساعد الانسان على اعمال فكره وعقله وتصوراته لهذا العالم من جانب اخرفالانسان بهذا المعنى وبلا كلمة لايصلح ان يكون انسانا باعتبار ميزته الفكرية المعتمدة اساسا على ميزته اللغوية والكلامية ، فبلا كلمة لافكر وبلا فكر لاانسان !!.

وعلى هذا عُرفت المقالة :(( في البداية كانت الكلمة )) !!.



أما ما يتعلق باطروحة الرسالة الاسلامية وما انتهجته من طريق ليكون النافذة المفتوحة دائما بين الله سبحانه وبين الانسان الى ان يرث الله الارض ومن عليها ، فقد كان للكلمة النصيب الاعظم فيها لتكون كما كانت في السابق بداية ستكون وستبقى هي النهاية كذالك ، فتقرر ختم النبوة والوحي بالكلمة (( اقرأ )) كما كان بداية الوحي والنبوة فيها !!.

بل ان الرسالة الاسلامية الخاتمة لم تكتف بان جعلت من الكلمة خاتمة الاديان ، والنبوات والرسالات فحسب ولم تنتهي عند الاعلان ان الكلمة هي البداية وهي النهاية وهي صلة الانسان بربه فقط لكن اكثر من ذالك جعلت الكلمة معجزة رسالة السماء الكاملة وبرهان ودليل صدق رسالة العظيم محمد رسول الله صلى الله عليه واله !.



والحقيقة كون الكلمة كانت البداية لمسيرة الانسانية وكونهاهي قاعدة الفكر البشري على التمام وكونها هي البرزخ الذي عبر منه الانسان من الهمجية الى التحضر والانسانية .... كل هذا لم يثر الكثير من الاستغراب والتعجب لدى الباحثين والمفكرين في عصورنا القديمة وحتى الحديثة ، ولكن ماكان مدار بحث وتسائل واستغراب وعلامة استفهام كبيره هو الكيفية التي تكون بها الكلمة صالحة لاخذ دور الاعجاز الالهي مع انها لم تولد في هذه الحياة الانسانية ، الا لتقوم بوظيفة الاتصال بين الانسان واخيه الانسان ، ولتكون من ثم مخزن للتراث الحضاري الانساني ، الذي يحتفظ بالتجربة الانسانية لينقلها من جيل الى جيل لاحق !.

فكيف ومامعنى كون اللغة الانسانية تنتقل من وظيفتهاالفكرية والاجتماعية لتصبح معجزة قرآنية في الاسلام يتحدى بها جميع البشرية بالاتيان بمثلها ان كانوا يستطيعون ذالك ؟؟.

بمعنى اخر كل البشرتستطيع ان تتكلم الكلمة العربية وكلها كذالك تستطيع ان تكتب الكلمة وتقرأهابصورة فنية وراقية وجميلة جدا فما معنى بعد ذالك (اقرأ) القرآنية لتكون معجزة ويتحدى بها الله سبحانه وتعالى سمان خلقه بان يستطيعوا الاتيان بمثل هذا القرآن او بسورة من سوره واخيرا ليكون هذا المقروء نفسه دليل صدق دعوى رسالة الرسول العظيم محمد ونبوته صلى الله عليه واله ؟.



طبعابالنسبة ليّ تصديق ان الانسان بامكانه ان يخترع اللغة والكلمة وماخلقته من انعكاس عظيم على حياة الانسان وتحضره وانتقاله من الهمجية الى البشرية بدون وحي السماء وتدخله بمساعدة الانسان ليخلق اول كلمة على لسانه ...،هذا التصديق بحد ذاته بحاجة الى معجزة لتقنع الضميرالفكري للانسان لكن مع ذالك يبقى التصديق بذالك اصعب كثيرا مما لو صدقنا اليوم ان بامكان اللغة ان تتحول من وظائفها الطبيعيةوالانسانية الى كونها معجزة الاهية تصبح اعظم آية الاهية على صدق رسالة العظيم محمد ص واتصاله بذبالة الوحي السماوية العجيبة والمتقدة دائما !!.



نعم صحيح ان اللغةالانسانية بمفرداتها الساذجة وكلماتهاالمتناثرة هي لاتمثل اكثرمن اسماء لمسميات حياة الانسان والطبيعة والكون من حوله ، واذا ارتقت اللغة الانسانية بمفرداتها ، وكلماتها لتعبرعن تحضرانساني ارقى للانسان تتناول اللغة عندئذ بكلماتها ومفرداتها تأملات الانسان الفكرية والروحية والجمالية التي يشعر الانسان بها من داخله وليس لها انعكاسات مادية خارجية تفرض على الانسان ان يخترع لها مسميات وكلمات ومفردات مادية وهذا صحيح !!.



فكل هذا من شأن الكلمة ووظائفها الطبيعية التي تدخل في اطاروحيزكون اللغة والكلمة والمفردة ماهي الا ادوات تعبيرطبيعية وفطرية وساذجة لمتداول الانسان اليومي الذي يعيش اللغة في كل وجوده من التفكير حتى المشاعر ، والى الاتصال بالعالم الخارجي للانسان !!.

لكن مايميز الاستخدام القرآني الكريم ورسالة الاسلام العظيمة للكلمة وللغة والمفردة الانسانية انها صاغت من اللغة معادلتين دخلت في تحويل اللغة من كونها آدات طبيعية للاستخدام البشري الى كونها اداة تخاطب بين الله والانسان مضافا على كونها انها معجزة من الصعب الاتيان بمصلها ، وهاتان المعادلتان هما :



اولا : معادلة المضمون بحيث ان مضمون الكلمة في القرآن تحولت الى رؤية وفكرة وعلم لايمكن الاتيان بمثله !.

ثانيا : معادلة الصياغة بحيث ان لغة القرآن ومفرداته وكلماته على مافي مضمونها من عمق واعجاز وفكر وقوانين الا انها مع كل ذالك صياغة من اسهل الصيغ على العقل البشري في الحفظ والتمكن من الاحاطة بها وسهولة الامساك بشواردها !.



بمعنى اخرانه من الواضح وحسب الطبيعي من تركيب اللغة الانسانية مضافاالى ماقرره القرآن الكريم نفسه ان عملية التحدي في الكلام القرآني الالهي لاتعتمدعلى المتفرقات والمفردات من الكلمات سواء كانت قرآنية اوانسانية بل ان آية الجمال اللغوي الانساني والكلامي القرآني الاسلامي تتبلور في البناء والتركيب التام المفيد للخطاب الانساني لتظهر الجمالية والتمام والابداع والبيان في كلام البشر من جهة وحتى في الكلام الالهي من جانب اخر ، وهذا ما يصنع المضمون لكل كلام مفيد في قاموس البشرية كلها ، فجمال القصيدة سواء كانت نثرية او شعرية اذا لم تحتوي على مضمون وصور يقدمها هذا المضمون للسامع فلايمكن القول او الحكم بايجابية على مثل هذه القصيدة لافتقارها الى تماسك المضمون وجماله !!.

وهكذا يقال في وظيفة الكلام العليا انه ايصال مضمون فكرة تاريخية او قانونية او فلسفية او فنية او علمية ... او غير ذالك فكل هذا اذا اُخذ على اساس انه مفردات وكلمات بلا مضمون فلايمكن الحكم عليه الا بالعبث واما العكس فهو ما يجعل للكلمة معنى وللمفردة مكان وجمال وللغة وظيفة وقيمةوبهذا المعنى دخلت الكلمةالقرآنية في ميدان التحدي للبشرية بمضمون كلمتها القرآنية ليس على اساس انها كلمة تحمل الجمال الفني او الوزن الموسيقي او تراصف الكلمات بمهارة فحسب بل لانها كلمة جمعت في مضمونها مالم تستطيع البشرية بادراكها المحدود الاتيان بمثله !!.



انه من الممكن ان تجد شاعرا وصل مع اللغة والمفردة الانسانية الى مدياتها الفنية القصوى في الجمال ، وفي حياكة الصور وفي بلاغة استخدام المفردة في مكانها الذي لو رفعت منه تشعر بالحيرة بالاتيان بمفردة اخرى تنوب عنها في اداء الوظيفة وشغل المكان وايصال نفس المعنى !!.

لكن مع الاسف قد عُرف عن الشعر ان اعذبه اكذبه ، كما عُرف عن النثر الفني ان اجمله هو ما بالغ به صائغه حتى يخرجه من مألوف مايصدقه الواقع الى مألوف مايعجب به الانسان لخروجه وتمرده على الواقع والممكن !!.



كذالك في قولنا في امكانية وجود مؤرخ يصل في تتبعه للاحداث التاريخية الى اوج الاجتهاد والتتبع بحيث ان هذا المؤرخ لم يترك شاردة ولا وارد في تواريخ الامم واحوالها الا تتبعها بدقة ووعي ومهارة وتسجيل في تاريخه الفلتة ، لكن ومن الجانب الاخر حتما سيكون هذا التاريخ وكتابته غير مطالب ان يكون قمة في رصف جمال الكلمات الفنية ثم انه لايتوقع منه ان يكون ناقلا للتاريخ ومؤكدا على مصداقية حدوثه وحصوله فيما مضى من ازمان !!.

بل يكفي المؤرخ التتبع وهذا ما هو المطلوب منه اما صدق الاحداث وجمالية اللغة التي يكتب فيها التاريخ فحتما يتعذر على انسان مهما بلغ من سعة ادراك تاريخية ان يكون عبقريا باكثر من مجال علم لاسيما اذا كان مجال العلم هو التاريخ وبطبيعة الحال هو مختلف عن مجالات العلم الاخرى ، وهذا فضلا عن انه من الصعب ايجاد مؤرخ لايميل مع الهوى في كتابته للتاريخ او لاتعتقله عصبية لمذهب او عقيدة وهو يكتب تاريخه اولايتأثر بمصلحة وهويحاول بناء تاريخ فيه الكثير مما يزعج السلطة او الدولة او الدين او العقيدة او المجتمع في ذالك التاريخ !!.



ولايختلف القياس طبعا اذاتحدثنا عن القانون ورجاله فنفس مايؤخذعلى اصحاب الفن والجمال في خيالهم المتمرد على الواقع وغير المعترف بوجوده وما يؤخذ على اصحاب التاريخ في اتقانهم لشيئ وتخلفهم عن اشياء كثيرة يؤخذ على رجال القانون وقانونهم في انهم ربما كانوا القمة في الادراك القانوني المعالج لادارة المجتمع والفصل بينه في المنازعات ، وما اشبه ذالك لكنه ايضا اهل القانون وقانونهم غيرمطالبين لابجمال صياغة مفردات قانونهم لانه يتحتم على كاتب القانون ان يكون متعاملا مع الواقع الانساني مئة بالمئة ومبتعدا عن خيال الفن وشطحاته مئة بالمئة ، كذالك في مشرّع القانون ولاعلاقته الجذرية في مفردات اهل التاريخ ومناهج بحثهم ، او اهل العلم وتعقيد مصطلحاتهم المخبرية وتجاربهم المادية وانما لاهل القانون حيزهم ولغتهم وصياغتهم ورؤيتهم ، التي تبدع في صياغة القانون الا انها تعجز في الميادين الاخرى والمجالات المتعددة من الحياة والعلوم والمناهج ، وهذا فضلا عن ان ادراك رجال القانون لمشاكل المجتمع ومعالجتها وتقنينها دائما ماتكون قاصرة الرؤية والنظرة مما يتطلب على المشرعين القانونيين بين الفينة والاخرى اعادة صياغة القوانين والغاء بعضها الذي لم يعد يتجارى مع الحياة وتبديلها بصيغ جديدة كانت غائبة عن عقول القانونيين المحدودة الرؤية في الزمان والمكان البشريين !!.



كل هذا هو مايقيد قدرات الانسان ومداركه في مجارات الاشياء المتعددة في العلوم والحياة وجمعها في انسان واحد !!.



اما في كلمة الله العليا ، وماهية اعجاز مضمونها الذي لاينفد ، وصدق تحديها للبشرية قاطبة بان يأتوا بسورة من مثله فقد اعلنت كلمة القرآن العظيمة انها الكلمة التي جمعت الاتي : صدق الحديث مع جمالية الفن الذي لايرقى اليه راق وابداع النثر مع عدم الخروج والتمرد على واقع الانسان وسير حياته الطبيعية ،ونقل التاريخ مع ضمان جمال الكلمة وابداع الخيال مضافا لنقل التاريخ كما حصل وبامانة لايمكن تطرق الشك والشبهة في حصول حوادث التاريخ ومفاصله ،وصياغة القانون واحكامه بضمان انها قوانين لايمكن لزمن تجاوزها لمحدودية ادراك واضع القانون ومشرع فقراته التنظيمية ، ولالمكان رفضها لانها قوانين الفطرة البشرية التي لاتتبدل في سنة الخلق والوجود البشرية ، وهكذا في كلمة القرآن العلمية التي نقلت مفردات العلم وجفافها مع تعقيدها وغيابها عن ادراك الانسان بلاادوات علم تساعده على الوصول الى قوانين الكون والطبيعة والانسان مع احتفاظ الكلمة القرانية وهي تنقل كلمتها العلمية على جمالها الفني وصدق حديثها التاريخي وادراك وسعة مفردتها القانونية وصياغة وتعقيد افكارها العقدية والفلسفية وحتى الجغرافية وغير ذالك !!.



هذا هو مضمون الاعجاو للكلمة القرآنية التي تحدى البشرية على ان ياتوا بسورة من مثله سورة مركبة من كلمات ومفردات تجمع بين جنبتيها كلٌّ من الجمال والصدق والمنهج والعلم والقانون والفلسفة والعقيدة والتربية وعلم النفس الانساني ، كلمة هي في ظاهرها انها كباقي كلمات البشر ، الا انها تتميز ان لها روحا وقوانينا وتأويلا وعلما محيطا مضافا لجمالها وصدقها وبساطتها وفطريتها جمعت كل ذالك في اطار واحد اسمه كلمة الله القرآن الكريم ودعت ليس فقط الظاهر من الانسان ان يأتوا بمثله بل دعت الجن والانس ان ياتوا بمثله ان استطاعوا الى ذالك سبيلا :((قل لان اجتمعت الانس والجنّ على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا / 88 / الاسراء )) !!.

اما لماذا لايستطيعون ؟.



فلان كلمة القرآن لاينفد مضمونها :(( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي )) .

ولانها لايمكن لها ان تتضارب فيما بينها :(( افلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ))

ولانها محيطة بكل العلوم والمناهج ولها تأؤيل لايحيط بعلمه الا من كان لله عبدا ووليا : (( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ياتهم تأويله )) !!.

وكل هذا كان اساسه ومدخله وبابه للقرآن العظيم هو كلمة (( اقرأ )) هذه الكلمة التي جاءت بصيغة آمر هو الله سبحانه وتعالى ، ومأمورا هو الانسان ، ومتوسط هو المقروء بينهما باعتبار ان القراءء وحدها هي التي تطلع الانسان على كيفية محو اميته الفكرية والعقدية والقانونية والتاريخية والفنية ....، قبل محوها لامية الانسان الحرفية والكتابية كآدواة والات لولا لما اصبح الانسان انسانا مفكرا ومميزا عن باقي الموجودات التي بقت على الصوت والاشارة بدلا من انتقالها للكلمة والقراءة لتميزها عن باقي المخلوفات !!.

________________________________



alshakerr@yahoo.com

الاثنين، ديسمبر 27، 2010

((من وعيّ القرآن .... أقرأ )) -5- حميد الشاكر

الدين بين المجهول والمعلوم :- اقرأ .




لاريب ان الرسالة الاسلامية الخاتمة عندمااتت للبشرية جمعاء كخطاب الاهي وبرنامج حياة سماوي انزل على قلب العظيم محمد الرسول صلى الله عليه واله قد غيرت تماما المعادلة الدينية التي كانت موجودة وقائمة انذاك لدى البشرية قاطبة ، وهذا التغيير اخذ ابعادا ومناحي كثيرة وكثيرة جدا ومن اهمها :

اولا : ان التغيير الذي احدثته الرسالة الاسلامية في فجر بزوغها انها اتت مستجيبة للتطور والتكامل البشري الفكري والعلمي والروحي الذي بدأ مسيرته بالفعل من ذالك التاريخ ولم تعد الاديان القديمة قادرة على مجارات متطلباته المستحدثة والجديدة وهذا ما اشرنا اليه في الفصول السابقة من هذا السلسلة من وعيّ القرآن !.

ثانيا : ختم الرسالات السماوية ، بحيث ان الرسالة الاسلامية اعلنت غلق باب الوحي ، والرسالات السماوية التي كانت تتدفق بغزارة من السماء ليصبح اليوم الاسلام هو اخر دين ناسخ لما تقدم ومتحرك لما هو اتٍ .

ثالثا : المناحي الدينية نفسها التي كانت تتعامل مع الانسان على سذاجته الفطرية والفكرية بحيث ان جلّ عمل تلك الاديان كان هوكيفية ربط الانسان بالغيب او بالله سبحانه وتعالى او بالمجهول من حياته الاخروية .... الخ !!.



وبالفعل كانت الاديان التي سبقت الاسلام ينظر الانسان القديم اليها على اساس انها الرابط او الوسيلة التي تتوسط بين الانسان المادي الطبيعي الموجود على هذه الارض وفيها ، وبين الله سبحانه وتعالى المحتجب بالغيب المجهول والبعيدعن واقع الانسان واحساسه والذي هو بحاجة لأن يدرك وجوده سبحانه لمعاجز تاتي على يد رسل وانبياء ومن ثم يحتاج الانسان ليبحث عن الله سبحانه في مجهولاته اما معلومات الانسان فلم يكن الانسان ليدرك كيفية ان يكون الله سبحانه فيها او انه كان يسمح لنفسه او له القدرة ان يلتفت لله سبحانه عندما يمارس الانسان وجوده في هذه الحياة ومعلومه وحياته المشاهدة !!.



اما في الاسلام فقد تغيرت معادلة الدين تماما بين الله سبحانه والانسان ليكون الله في الاسلام من ضمن ادوات الانسان المعلومة في كل وجوده وحياته ولتكون براهين ودلالات الانسان نفسه على ربه مختلفة النوعية كذالك ،ولهذا اصبح انسان الاسلام عندما يريدالبحث عن معبوده فلا يرى الموضوعة على اساس انها قطع مسافة طويلة تبدأ من معلوم الانسان وماديته الى مجهول الاله وغيوبه من خلال معجزة كونية تخضعه لهذه المعرفة اومن خلال رسول ياخذ بيده ليريه ربه على جبل الطوروانما اكتفى انسان الاسلام بالوصول والتعرّف الى ربه من خلال تجليّ الله سبحانه وتعالى له في كل شيئ موجود حول الانسان وفي حياته ليصبح رب الاسلام وخالق الكون وبارئ الوجود حاضرا ، وشاهدا وقريبا ومشاركا للانسان في حياته ومع خطواته وملازما لكيانه كل لحظة بلحظة لايغيب عن الواقع ليحتاج الانسان المسلم البحث عنه في الغيوب وفي المجهول وفي معجزات الامور !!.



في فصل للشهيد السعيد الاستاذ مرتضى المطهري في كتابه الذي جمع فيه محاضراته الفكرية الاسلامية (( محاضرات في الدين والاجتماع )) يتطرق الاستاذ الشهيد الى الكيقية الاسلامية التي نقل فيها الاسلام الاستدلال على التوحيد من المجهول الى الحياة ليصل الى نتيجة مفادها :(( بعض الناس اعتاد على البحث عن الله في مجهولاته اي انه كلما صادف لغزا لم يستطع حله ارجعه الى ماوراء الطبيعة وعالم الغيب . اذا سألت احدهم - مثلا - كيف حصل هذا الخبز الذي تأكله ؟. لقال : كان دقيقا عجنه الخباز وخبزه في التنور. كيف اصبح دقيقا ؟. كان حنطة .... ، وكيف وجدت الحنطة ؟، زرعها الفلاح ...، وكيف نبتت ؟. نزل المطر واشرقت الشمس فاخضرت . وكيف نزل المطر ؟. هذا ماجاء به الله ))!!.

فكأن الله لم يكن له حضور قبل هذه المرحلة ، وان تدخله اقتصر على هذه المرحلة من مجهولات الانسان فقط / ص 107 )) انتهى !!.



والحقيقة ان هذا النوع من التصورات لله سبحانه وتعالى وصلته بواقع الانسان ، وحياته ومع الاسف يرتدّ بجذوره الى جاهلية ماقبل الاسلام ومدرستهالتي بنت منظومة فكرية كاملة لكيفية العلاقة بين الله والانسان من جهة والى كارثة ان عالمنا الاسلامي يعيش في العصر الحديث لاكثر من قرن تحت هيمنة استعمارية غربية شاملة في العسكرة وفي الفكر والفلسفات التي بترت فكر الانسان المسلم عن منبع تصوراته الحقيقية الا وهو الاسلام فقد قُطع نهائيا هذا المجتمع الاسلامي حتى عن كيفية تنظيم رؤيته وتصوره لله سبحانه حسب ماقرره الاسلام ليعتمد اساليب تفكير فلسفية استعمارية ، كانت ترى وتناقش الدين وفكره على اسس مختلفة ومتخلفة تماما ولاتمت بالصلة لفكرنا الاسلامي الاصيل !!.



نعم حتى اليوم يعيش مجتمعنا المسلم بنمط تفكير غربي استعماري ، ينظر للدين ولتصوراته ولكيفية انماط وسلوكيات رؤاه في كل شيئ على المنتوج المستورداستعماريا لهذه الامة حتى اصبح الدين افيون الشعوب حسب الرؤيةالفلسفية الشيوعية الاوربية التي كانت تناقش الديانة اليهودية في فكر ماركس وكيفية تجييرهذه الديانة للدين ليكون في خدمة المنتفعين وهكذا عندما اصبح الدين ضد العلم في نقاش ورؤية نيتشة الفيلسوف الالماني للديانة المسيحية وهي تناهض ، اي محاولة للبشرية للاعتماد على العلم في هذه الحياة ،ولكن السؤال الان ماعلاقة الاسلام الذي ادان الدين اذا تحوّل الى افيون في الاديان السابقة عليه وماعلاقته في الاديان التي ناهضت العلم والفكر البشري من التقدم ؟؟.



اليس الاسلام قبل ماركس ونيتشة هو اول من اعلن ان تلك الاديان القديمة هي اغلال وإصروانه جاء ليحرر الانسان من الاغلال الدينية وماتحمله من اثقال على كاهل البشرية في قوله سبحانه :(الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر ، ويحلّ لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم.../ 157/ الاعراف ) .

فاذن علامَ يعامل الاسلام العظيم ، الرسالة الالهية الخاتمة ، والمعترف بها الاهيا في السماء لاغير ، والتي تناهض الظلم وتدعم الطبقات الفقيرة وترسي العدل بين المجتمع وتدعوللعلم والمعرفة واحترام العقلية الانسانية ومنتجاتها المختلفة في رؤيتها وفي انماط سلوك تفكيرهاوتصوراتها لكل شيئ على اساس ان الاسلام في كل ماجاء به من اضافة وجديد ماهو الا دين كباقي الاديان المنتهية الصلاحية في الاستعمال البشري الحديث وهو لايختلف في رؤيته عن الديانة اليهودية او المسيحية ؟.



بمعنى اخر : انا افهم مبررات مقالة نيتشة عندما يهاجم طريقة تفكير الديانة المسيحية بالقول :(( عندما نستمع في صباح الاحد الى دقات النواقيس القديمة نتساءل : أهذا معقول ؟. ان كل ذالك من اجل يهودي صلب منذ الفي عام كان يقول انه ابن الله وهو زعم يفتقر الى البرهان !!...... فلنتصور الها ينجب اطفالا من زوجة فانية وخطايا ترجع الى الاه ويحاسب عليها نفس الاله ؟!. أيصدق احدا ان شيئا كهذا لايزال يصدق / نيتشة / امور انسانية )).

اقول انني اتفهم مقولة نيتشة التي ترفض فلسفيا وعقليا مقولات الديانة المسيحية في التثليث وفي الجبرية وفي عدم معقولية كل هذا للفكر البشري الطبيعي ، لكنّ ما لم افهمه حتى اليوم كيفية سحب هذه الرؤية استعماريا لتطبق على الاسلام على نفس القياس ، والمضمون الذي يهاجم الاسلام وكأنه دين ايضا يدعو للجبرية والتثليث والجهل ؟!!.

والغريب العجيب ان الاستعمار الغربي عندما دخل بلادنا الاسلامية ودمر كل اسس ثقافتنا ومبادئنا الفلسفية حول الاسلام وحلّ محلها منتجه الفلسفي الغربي الالحادي الذي له مشكلة مع اديانه المناقضة للعدل والعقل الانساني ، ذهب معه لفيف عظيم ممن يدعوّن العلم والثقافة من المسلمين ، وتحت وطأة الشعور بالنقص ، لتبني كل اطروحات الاستعمار الغربي الفلسفية و الفكرية ليروج لها هو نفسه ضد الاسلام باعتبار ان الاسلام بما هو دين ، فانه لايختلف ابدا في فكره وانماط تصوراته عن باقي الاديان الاخرى ، وعلى هذا الاساس بنى العظيم من المسلمين فكرهم ،وتصوراتهم حول الله والدين والاسلام ، والشريعة والاخلاق على بُني فلسفية مستوردة غربيا وعلى افكار ليس لها اي علاقة بالاسلام وتصوراته ولم ينتجها واقع المسلمين واسلامهم ابدا !!.



ولهذا نجد ان هناك من لم يزل يبحث من المسلمين ، وحتى من علماء المسلمين في ترويجهم ، للطريق الى الله سبحانه عن الله تقدست اسمائه ، على اساس انه سبحانه وتعالى كامن في مجهولات الاشياء من الانسان ، وليس في واقعه ومعلوماته ولكنه لايلتفت ابدا الى تصورات الاسلام الفكرية التي نقلت كل منظومة التصورات الدينية نقلة نوعية لتجعل الانسان المسلم يرى الله سبحانه حاضرا وليس غائبا في معلوماته وغير مختفيا او مختبئا تحت طيّ المجهول والغيوب واللامدرك ابدا !!.



إن من مميزات الاسلام الفكرية انه نقل رؤية الانسان بالبحث عن الله من حيزها الغيبي لحيزهاالواقعي ليجعل من الكون المحيط بالانسان من سماءه ونجومه ةهوائه وقوانينه وكواكبه .... كلها على اساس انها ايات كونية من خلال النظر والتدبر فيها حتما سنصل الى الله سبحانه ونتعرف اليه فالله في الرؤية القرآنية يكمن في المعلوم الكوني للانسان وليس في المجهول مابعد الكون والطبيعة ،ولهذا جاء خطاب القرآن مكثفا في قضية الالتفات الى وجه الكون وقوانينه الكونية والطبيعية على اساس انها الوجه الجميل والعظيم لله سبحانه وفي كل خطوة من خطوات الكون وملامح سماته المتعددة فقال :(( ان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما انزل الله من السماء من ماء فاحيا به به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لايات لقوم يعقلون / 164/ البقرة )) .



اي ان الانسان لايحتاج بعد الاسلام ليبحث عن الله ويتعرف عليه من خلال المعاجز والاشياء الغريبة العجيبة والغير مألوفة في حياة البشر ، بل يكفيه الاعتماد على عقله وفكره لينظر الى ماحوله بتأمل لتكون الايات الكونية هي الدليل اليه لله القريب جدا من فكره وعقله ووجوده ، فالله سبحانه في الاسلام ليس هو ذالك الاله الوثني الذي يقبع بعيدا خلف الكون وخلق السماء والانسان بحاجة الى معجزة ليصل له او يتعرف على ذاته !!.

لا بل يكفي انسان القرآن والاسلام ان ينظر للكون من حوله ويستوعب قانون مسيرته ليدرك تماما ماهو الله وكيف هو جميل وواحد وعظيم بنفس الوقت واللحظة !!.



كذالك اذا انتقل الانسان لاساليب الاسلام الفكرية ونمطياته التصورية في التعرف على الله باقرب من الكون والسماء والنجوم باعتبار انها ايات لقوم يعقلون فسنجد ان الله ظاهرا ومتجليا ايضا في الافاق الانفسية والروحية للانسان ليصبح الله سبحانه وتعالى في الاسلام اقرب اليه من جبل الوريد واقرب اليه حتى من نفسه :(( سنريهم اياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق أولم يكف بربك انه على كل سئٍ شهيد / فصلت / 53 !!)).

بل ان الله لاينبغي اسلاميا ان يبحث عنه مابعد الاسباب الطبيعية والكونية ، حتى اذا عجز الانسان عن ادراك ما محيط به كونيا وطبيعيا من اسباب القى الامر على الغيب والمجهول والله سبحانه وتعالى ، كلاّ وانما الله سبحانه في الاسلام مع كل سبب وكل سبب هو اية وجوده وتجلي عظمته ووحدته في هذا الكون وما على الانسان اذا ماوقع بصره على اي شئ اصيل وجميل ومحكم في هذا الكون الا ان يتأمل فيه ليجد الله حاضرا عنده !!.



هذه هي الرؤية الاسلامية التي نقلت المشروع الديني كله وبكل تصوراته ونمطيات اساليب تفكيره وبطرق استدلالاته وبراهينه من كونه دين يتحدث حول المجهول في حياة الانسان واخرته ، الى الحديث عن حياة الانسان وحاضره ومايمارسه يوميا وما يتحرك من خلاله كل لحظة !!.

وطبعا كل هذا لايمكن تحققه بين الاسلام والانسان اذا لم يكن هناك برنامج الاهي يقود الانسان في خطواته ومن خلال عقله وبكامل ارادته وحريته للوصول الى مايبحث عنه في هذا الوجود من الله سبحانه وحتى السعادة والعدل والتقدم والنماء وهذا البرنامج او تلك الرؤية صاغها الاسلام بقرآنه الكريم وجعل الطريق اليه من خلال مشروع (( اقرأ )) !!.

ان (( اقرأ )) في القرآن الكريم ليست هي مفردة في اية قرانية واحده فحسب ، وانما هي منحى معرفي اسلامي بُني كل الاسلام ومعرفته عليها ، فهي بهذا المعنى السبيل الوحيدة التي ينتهجها الانسان للتعرف على الاسلام ومافيه !!.



وصحيح فيما قبل الاسلام كان الانسان تائه مابين عجزه الفكري والعلمي والعقلي من جهة ، وما بين حاجته الى من يرشده الى الله والحقيقة والسعادة ، اما مابعد الاسلام فالانسان مكتف بذاته وعقله وفكره اذا التقى مع القرآن كمقروء رفع معادلة الوحي وختم عملية الرسل وفتح باب الاجتهاد والوعي للانسان وحده !!.



ان الاسلام دين الوعي حقا لان وسيلة الاتصال بينه وبين الانسان هي (( اقرأ )) ومن النادر ماتجد انسانا واعيا ومثقفا وقارئا بعيدا عن الاسلام وروحه وتصوراته وفكره ، لان كل هذا المنتوج الاسلامي هو موجها بالاساس الى الانسان القارئ ، وطبيعي ان يكون القارئ مثقفا وعالما ومجتهدا ومتنورا ، بعكس مالو وجدت اميا ، أُميا على مستوى قراءة الحرف وكتابته ، او اميا على اساس عدم الوعي والثقافة والادراك الواسع ، ان يكون متصلا بالاسلام او متفاعلا مع اطروحته القرآنية بوعي وانفتاح ونقد او ايمان فلا حظ حقيقة للجهّال في ادراك الاسلام واطروحته التي اعتمدت على نور العلم ومشكاته العظيمة ( اقرأ ) وبون شاسع بين فكرة تقوم على القراءة التي هي منتج متطور من وعي الانسان وتطوره وادراكه في هذا العالم ، وبين فكرة لاترتبط بالانسان الا من خلال طلب الطاعة والبقاء على الظلام وعدم السؤال او الاعتماد على النفس لقطع الطريق حتى النهاية !!.



بهذه الصورة تغايرت تصورات المدرسة الاسلامية عن باقي التصورات الدينية الظلامية بكل شيئ ، فمبدأ الاطروحة الاسلامية هو ان تكون قارئا اولا وواعيا ومثقفا ومتنورا لتدخل في رحاب الفكر الاسلامي لتؤمن به من خلال وعيك انت يايها الانسان ومن خلال اجتهادك ورؤيتك للافاق وللانفس التي هي ايات جلال الله وتوحيده وعظمته المعلوم والغير مجهول ولا الذي منزو خلف الغيوب الكثيفة ،ولا تكن كالذي يعيش البدائية في فكره وعقله وعلمه لينظر لله سبحانه وللدين على اساس انه شئ خارج نطاق الزمان والمكان ويسبح ويعيش في المجهول وما وظيفته تبدأ بالحركة الا بعد ان ينتقل الانسان من هذا العالم الى العالم الاخر الغير معلوم !!.



لا ليس هذه رؤية الاسلام لوظيفة الدين ولاهي الرؤية الفلسفية التي ترى في الله شيئا غريبا عن واقع الانسان وحياته ومعلومه وحركته وتكوين اسرته ونضاله السياسي او بناء ثقافته ووعيه بل الدين نزل لوضع برنامج وعي لادراك الانسان طريق تكامله وطريق خلاصه وسعادته في هذه الدنيا قبل الاخرة حسب المفهوم الاسلامي الذي يرى انه هو الدين المتبقي لله كبرنامح بين الانسان والله سبحانه وتعالى لاغير في قوله:(ان الدين عند الله الاسلام) اما اذا تحدث الفلاسفة ونقد المفكرون وتمرد المتمردون على اديانهم القديمة التي يعتبرونها اديانا في حياتهم الدنيا فيجب عليك ايها المسلم ان تدرك ان دينك مختلف جدا عن باقي بقايا اديان تاريخية اصبحت عبئا ووزرا وثقلا واغلالا على المؤمنين بها لعدم قدرتها على مواكبة متطلباتهم وعدم صلاحيتها لحياة الانسان بعد الاسلام !!.

اما الاسلام ففي فكره الكفاية ، وفي مشروعه الوعي والتطور مع الحياة ، وفي حكمه العدل وضمان النزاهة ، وفي فلسفته دعما للعقل والاصاله ، وفي مشروعه اقرأ قاعدة كل واعي ومثقف ومجتهد ومتنور !!.



ان الاسلام دين لايخشى من الثقافة والعلم ، وان الاسلام دين ليس فقط انه دين العقل والثقافة والوعي الذي قام على مشروع اقرأ فحسب ، بل انه الدين الذي قلب المعادلة تماما بين اديان لايمكن الايمان بها الا للجهلة والبسطاء والاميين من البشر الذين يروا الخرافة انها معجز بشرية تؤكد صلة السحر بالسماء والغيب الى دين لايؤمن به الا الفلاسفة واهل النقد والوعي والقراءة والعلم والفكر .... الذين لايرون حجة على وجود الله وصحة الدين الا من خلال الحجة والبرهان والدليل والعقل والقرائة !!.

____________________________



alshakerr@yahoo.com

http://7araa.blogspot.com/



















الجمعة، ديسمبر 24، 2010

(( من وعيّ القرآن .... اقرأ )) - 4 - حميد الشاكر

حاجة المعجزة : - اقرأ


***************



اذا اراد اي مفكراو باحث ان يدرك لماذا وكيف وعلى اي اساس وباي مبررتحول الاعجازالسماوي من افاقه الكونية والطبيعية الى افاقه اللغوية والكلامية في القرآن الكريم فعليه ان يضع بحسابه الالتفات الى ثلاث محاور رئيسية في الفكر الاسلامي كلها تصب في النهاية في بحر وسر وعمق واعجاز كلمة ((اقرأ )) القرانية !!.

وهذه المحاور البحثية والفكرية الثلاثة وبغض النظر عن تراتبيتها هي :

اولا: محور اللغة الانسانية وكيف وجدت او خلقت او صُنعت ؟ ولماذا اُبتكرت؟ وما هي وظيفتها الانسانية التي ادتّها للبشرية قبل وجودها لتكون هي الاخطر في الصناعات او الابتكارات او الاكتشافات الخلقية البشرية ؟.

ثانيا : محور فلسفة الخلقة البشرية ؟ ، ولماذا خلق الله سبحانه العالم والانسان ؟ ، وماهي الغاية من وجود الانسان في هذا العالم ؟، وكيف ينبغي لنا فهم الوسائل التي توصل الانسان فكريا وعلميا لغاياته واهدافه في هذا العالم ؟.

ثالثا : محور التطور والتكامل والنمو الانساني ، ولماذا وكيف تطور هذا الانسان فكريا وماديا ونفسيا وروحيا ؟، ومادور هذا التطور وانعكاساته الجذرية على تطور الاديان ، ومعاجزها والافكار ومعالجاتها لظواهر التطور البشري ؟، وفي النهاية كيفية ان يكون التطور الانساني والتكامل البشري هوالذي يفرض معادلة انتفاء الاعجاز الكوني والطبيعي في الاديان وبقاء الاعجاز الكلامي والاقراءي فحسب ، كمعجزة تصوغ من وجود الانسان وفكره نفسه معجزة هي اعظم في تألقها من كل معاجز الكون والطبيعة والعالم ؟!!.

طبعا أُدرك ان من ليس له اطلاع كافي على مضامين وبحوث هذه المحاور الثلاثة فانه لايمكن له ان يدرك نتيجة هذه المحاور الثلاثة وكيفية اتصالها ببحرالكلمة القرآنية (اقرأ) ولكن من جانب اخر لايستطيع احدٌ ابدا ان يعي عمق واعجازية هذه الكلمة اذا لم يضع في فكره ان (اقرأ) القرانية ماهي الا ثمرة تطور بشري ، ولايمكن فهم محاورها المعرفية والفكرية الانسانية التي جعلت منها كلمة القران الاولى والخالدة بغير معرفة وادراك مسبق لطول الشوط التاريخي البشري وتنوعه الذي سبق انتاج اقرأ القرانية هذه !!.

نعم بالامكان البداية من فلسفة الوجود الانساني في الرؤية الاسلامية ، لنجيب على دفعات مركزة ومختصرة جدا على كل هذه المحاور الثلاثة لنقول وبشكل مباشر تماما :

إن غاية وهدف الوجود البشري في هذا العالم الكوني الكبير ، وحسب رؤية المدرسة القرانية هي غاية وهدف العبادة للخالق سبحانه وتعالى لقوله سبحانه :(( ماخلقت الجنّ والانس الا ليعبدون / 56 / الذاريات ))

أما ماهي حكمة هذه العبادة وفلسفتها ؟.

ولماذا جعلها الاسلام غاية وهدف الوجود الانساني ؟.

وهل عملية خلق الله للعالم والانسان كانت تحت دوافع الحاجة لله سبحانه ام تحت مبررات فيض الخير الالهي للمخلوقات ؟.

فكل هذا بالامكان الاجابة عليه : بان العبادة من وجهة النظرالاسلامية هي الوسيلة المثلى والطريق الواضحة لوصول الانسان نفسه الى رقيه وكماله وتطوره من خلال هذه الوسيلة ، وما هدف العبادة باعتبارها وسيلة وليس غاية الا الوصول بالانسان وهو يطوي طريق تكامله وتطوره في هذه الحياة الى بارئه الله سبحانه وتعالى !!.

ومن هنا تكون العبادة وطلبها من قبل الله سبحانه وجعلها في القران الكريم على اساس انها غاية خلق الكون والبشرية ليس باعتبار حاجة الخالق سبحانه لها وانما لحاجة المخلوق الذي هو الانسان لها كوسيلة وطريق وخريطة توضح له المسار الى كماله الاعظم الذي خلق الله الانسان لغاية الوصول اليه ، فخير الانسان وتكامله هو الغرض من عبادة الله سبحانه ، وليس الغرض من العبادة منفعة ما تعود للغني الغير محتاج ابدا الله سبحانه وتعالى !!.

اذا ادركنا هذا المعنى الفلسفي لموضوعة الخلقة للانسان في الرؤية الاسلامية ، نسأل بعد ذالك : وما هي الوسائل التي يتصل من خلالها الله سبحانه وتعالى بالانسان ليوصل له برامج عبادته للبشر اجمعين ؟.

فنجيب ان الوسائل المعتادة التي يذكرها القرآن الكريم كلام الله سبحانه العظيم في ايصال رسالة الله الى خلقه هي وسيلتان : الاولى : هي انزال كتب من السماء تحمل افكارا وتصورات وفلسفات ورؤى واعمال ، للانسان ووجوده وكيفية عبادته لخالقه وطاعته له سبحانه !.

ثانيا:انتخاب واصطفاء رسل من قبل الناس ومن بينهم ليكونوا الصلة بين الله سبحانه من جهة وبين الناس جميعا من جانب اخر من خلال وحي الله لرسالته لهؤلاء الرسل وتبليغ الرسل رسالة الله سبحانه الى خلقه !!.

بعد ذالك نُشكل على هذه الرؤية بسؤال : وما الدليل الذي يثبت لنا كبشر ان موسى كان نبيا متصلا بالله سبحانه وكذا عيسى مثلا وابراهيم كذالك عليهم السلام جميعا ؟.

نجيب : لوجود معجزات كانت بين ايديهم مع رسالات الله سبحانه وتعالى تؤكد لنا انهم من الصادقين ، فضلا عن اننا كبشر تضطرنا عقولنا التي في رؤوسنا لتؤكد لنا اننا مخلوقون من قبل خالق وهذا الخالق لابد انه اراد حكمة من خلقنا ولانستطيع ادراك هذه الحكمة الا من خلال اما خطاب الله لنا جميعا كبشر ، وهذا متعذر لعدة اسباب قانونية ، واما ان يصطفي واحدا منا كبشر ليبلغنا فيما بعد مايريده هذا الحكيم الخالق منّا لخيرنا نحن ابنائه وعياله وخلقه وليس لحاجة هو يبتغيها !!.



يعود المُستشكل فيسأل : اذا كانت المعاجز الكونية والطبيعية هي لتثبيت مصداقية صلة الرسول بالله سبحانه فما تقولون بمن لايملك اي اعجاز كوني او طبيعي او مادي ليدعي ان معجزته كلامية لغوية فقط لاغير ؟.

فكيف لنا ان نؤمن بمصداقية رسول كالرسول محمد صلى الله عليه واله وهو لايملك غيرالكلمة القرآنية التي اصبحت المعجزة في نفس الوقت التي هي الرسالة الالهية كذالك !؟.

بمعنى اخر:فهمنا ان تكون الرسالة الالهية كظاهرة تاريخية انسانية تكررت على يد انبياء ورسل كثربانهاخارطة العمل الالهية المرسلة للانسان كي يطبقها في حياته لتصنع له طريق الرقي والتكامل في دنياه بالاضافة الى وجود معجزة كونية او طبيعية خارقة للعادة والمألوف البشري الى جانب الرسول ، لتكون مصداقا لرسالة هذا الرسول وصلته بقوة مطلقة وقادرة وعظيمة هي الله سبحانه وتعالى لكن مالم نفهمه حتى هذه اللحظة هو كيفية دمج الرسالة والمعجزة لتكون الرسالة نفسها هي المعجزة فهل يعقل ان تكون الكلمة معجزة من ضمن المعاجز الالهية العظيمة مع ادراكنا ان الكلمة كلغة ما هي الا فعل اختراع وابتكار انساني لاغير ؟.

ثم كيف ولماذا انتهى عصر المعاجز الكونية ، ليبدأ عصر الكلمة المقروءة لتصبح معجزة بل اعظم من معاجز الكون والطبيعة والمادة بالنسبة للبشرية كافة وليصبح فعل القراءة حصرا هي الوسيلة الموصلة لله سبحانه فقط ؟!.



والى هنا ربما وضعنا العناوين الرئيسية للمحور الاول الذي هو المحورالعبادي لننتقل الى المحور الثاني وهو المحور اللغوي للكلمة القرانية لنجيب على من يتسائل حول الكيفية التي من خلالها اصبحت اللغة والكلمة الانسانية المقروءة والمكتوبة هي المعجزة السماوية الخالدة للبشرية جمعاء ، ولنقول : هناك نظريتان في مجال اللغة الانسانية :

الاولى : وهي القائلة ان الانسان ولد في هذه الحياة وهو مزودا باللغة وناطقا للحرف ومتصلا مع غيره من البشر من خلال لغته التي خلقت معه لحظة بلحظة في وجوده في هذا العالم ، وهذه النظرية تذهب اليها الكثير من المدارس الفكرية والدينية واللسانية العالمية وجزءا من المدرسة الاسلامية كذالك !!.

الثانية : وهي النظرية التي تذهب الى ان الانسان احتاج لدورات كبيرة ، ليتدرج من خلال وجوده في هذا العالم قبل ان يتمكن من الوصول الى اكتشاف قدرته على النطق وكان جلّ اتصالاته في العالم ومع الانسان الاخر تكون من خلال الرسم والاشارة الى ان وصل في يوم من الايام الى ابتكار النطق وصناعة حروف الكتابة لتتطورحياته وصِلاته بالعالم والناس بصورة عجيبة غريبة ، وبعد ذالك اصبح الانسان ناطقا ثم كاتبا ثم قارئا ، وهذه النظرية يؤمن الكثير من الاصوليين في المدرسة الاسلامية بها ( ولكل من الفريقين ادلته على رؤيته ليس هنا مورد السرد ) والتي ترى ان اللغة فعل تطور انساني وليست فطرة خلقية ولدت مع الانسان منذ وجوده وحتى اليوم في هذه الحياة !!.

وهنا يدخل محور التطور الانساني والبشري ، ليندمج مع محور التاريخ اللغوي على خط تاريخ المسيرة الانسانية ، ليؤكد لنا فكريا وتاريخياوانسانيا وكذا اسلاميا : ان البشرية مرت بمراحل نمو وتطور وتدرج طويلة وعظيمة في تكاملها ورقيها وعلى جميع المستويات الفكرية العقدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والاسرية والفردية النفسية ....وحتى منها الخلقية في الانسان عندما ولد طفلا لايستطيع النطق قبل ان يبلغ الرشد ويكتشف في داخله موهبة النطق والكلام !!.

السيد الفيلسوف الصدر محمد باقر يذهب الى تقسيم مراحل التطور الانسانية الى ثلاث مراحل حيوية في تاريخ البشرية حسب الرؤية او النظرية الاسلامية وهي ( دور الحضانة ، ودور الاختلاف ، ودور الوحدة ) ، مايعني اننا ملزمون امام هذه الرؤية التي ترى تاريخ البشرية على انه معمل لصناعة التغييرات الدائمية ان نسأل : وكيف تطورت ايضا الحياة اللغوية من كونها حياة لم يكن لها وجود في حياة الانسان الى كون اللغة هي من اعظم المميزات البشرية والانسانية اليوم !؟.

والحقيقة اذا ما اخذنا بالنظرية الاسلامية التي تذهب الى ان اللغة مبتكر ومكتشف انساني متخلف تاريخيا عن وجود الانسان الفعلي في هذه الحياة ،كان لزاما علينا ان ننظر للغة على اساس انها حاجة بشرية فرضتها بعض عوامل التطور في الكينونة الانسانية باعتبار انها اهم وسيلة استطاع اكتشافها الانسان في مواهبه الكثيرة المدفونة داخل خلقته ليحولها الى صلة تفاهم بينه وبين الانسان الاخر ووسيلة اتصال لايمكن تصور حركة للحياة البشرية بدونها بشكل طبيعي !!.

فبون شاسع بين انسان كان يتصل باخيه الانسان من خلال الاشارة مثلا، والرسم على الحجر فقط ليوصل له مراده ومايختلج بداخله من مطالب ومشاعر ، وبين انسان يستطيع بطرفة عين ان يجمع بين حرفين ليوصل صورة ومعنى الى اخيه الانسان الاخر الذي يجيبه بنفس السرعة والامكانية !!.

كذالك عندما تطورت الحياة البشرية لتصل الى مرحلة اكتشاف الحروف ، وصناعة المكتوب منها وترجمت الافكار والخطابات الانسانية الى شيئ مقروء ومفهوم وغير مختلف حوله فان هذه الخطوة من التطور الانساني لايمكن اعتبارها خطوة هامشية في تطور الحياة الانسانية وعلى ايضاجميع الصعد البشرية ففي هذه المرحلة الكتابية والاقرائية للانسان تغيرت معادلات حياة الانسان ككل ليدوّن افكاره وتاريخه ومعتقداته واملاكه ...... وليحتفظ بها كصكوك رسمية ومعترف بها بشريا له ولمستقبله وللتاريخ ايضا !!.

أما اليوم فقد اصبحت الكلمة المقروءة وبعد طي كل هذا التاريخ من التطور للبشريةوبعد ان جاء الاسلام ونزل القرآن كرسالة الاهية اخيرة للبشرية كلها قبل الف واربعمائة عام هجرية مضت هي معجزة الرسالات السماوية الخالدة !!.

فياترى كيف اصبحت (اقرأ) ككلمة لغوية معجزة سماوية مع انها ابتكار وصناعة بشرية حسب تاريخها المدوّن والمكتوب ؟.

وماهو مضمون كل هذا التطور التاريخي العميق ، الذي بدأ بانسان ابكم حتى وصوله الى انسان رسم وكتب معادلات انشطار الذرة النووية في عصرنا الحديث ؟.

في حديثنا حول محورالعبادة الاول اشرنا الى ان غاية خلق الانسان ووضع برنامج عبادي له هوفي كونه انسانا خُلق ليتكامل ويتطورمن خلال برنامج التعبد حتى يصل الى قمة رقيه البشري والانساني ((يايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه )) الذي اراده الله سبحانه وتعالى لهذا المخلوق ، وبهذا فهمنا منذ البداية ان الله سبحانه خلق خلقا لاليقف عند حد معين ليتجمد ويموت في نقطة سكون معينة ولا ليتخذ له صورة وشكل واحد في مسيرته نحو الله سبحانه وتعالى ،بل خُلق ليتحرك ليتطور ولينمو وليتكامل ابدا ، وعلى هذا الاساس نزلت كتب السماء وافكارها وعلى هذا المبنى ايضا كان اصطفاء الانبياء وانتخاب الرسل قائما ، ومتغيرا بين الفينة والاخرى من تاريخ الدورات البشرية وكلما تغيرت مرحلة من مراحل تطور الانسان في كل حياته تطورت معها رسالة السماء وخطابها ، وتجدد فيها اصطفاء نبي او رسول ، ليعيد صياغة تشكيل برنامج العبادة لحياة الانسان !!.

وهكذا الى ان وصلت البشرية الى محطة من محطاتها التاريخية قبل الف واربعمائة عام لنفاجئ بختم الرسالة والنبوة ولنجد بين ايدينا كلمة ((اقرأ)) وهي تعلن انها نهاية الرسالات من جهة ومعجزة المعجزات من جانب اخر وديمومة البرنامج العبادي للانسان على هذه الارض الى ان يرث الله الارض ومن عليها من زاوية ثالثة !!.

مامعنى ان تختم الرسالة والنبوة ليصبح القرآن بمشروع اقرأ هو اخر البرامج التي نزلت للبشرية من قبل الله سبحانه وتعالى بحيث انه ليس هناك امكانية لانتظار رسالة اخرى من السماء نازلة بعد القرآن ربما هناك من يسأل ؟.

وهل يعني هذا توقف حركة التطوروالتكامل الانسانية التي تفرض سنة تجدد الرسالات والانبياء فيما مضى من تاريخ على حد معين ولتاريخ محدد بحيث ان البشرية لاتحتاج بعد القرآن وبرنامجه الى اي شيئ جديد ؟.

أم يعني ان البرنامج الذي انزله الله سبحانه وتعالى ، متسمياً بالرسالة الاسلامية والتي بلغها العظيم محمد الرسول صلى الله عليه واله فيها الكفاية من طرق الاتصال بالله من جهة ، وطرق وبرامج عدم اعاقة التطور الانساني من جانب اخر وعلى هذا الاساس ختمت الرسالة ورفعت معادلة الاصطفاء والنبوة من الوجود الانساني بعد الاسلام ؟.

الواقع ان السؤال الثاني بما يختزله من جواب هو ماتذهب اليه المدرسة الاسلامية من ان الانسانية وفي زمن رسالة الاسلام الخالدة ونزول القرآن الكريم على قلب العظيم محمد ص لجميع البشرية قد وصلت الى مرحلة الفطام النهائية من الرعاية او الحضانة السماوية المباشرة ليقوم ويمارس الانسان دوره الراشد كعالم وفقيه ومفكر في المسير الى الله بدون رسل وانبياء ومعتمدا على نفسه في الاتكاء على برامج القرآن وماتركه من قواعد رسول الاسلام محمد ص واهل بيته الطاهرين في نهج هذا السبيل !!.

اي : ان الرؤية الاسلامية التي هي مختلفة كثيرا عن جميع الرؤى الدينية التي سبقته ترى ان التقدير الالهي لهذا الانسان في هذه الحياة قائما على ان الانسان كتب عليه في نهاية شوطه التكاملي ان يسير وحده الى الله سبحانه ، ومعتمدا على بلوغه الفكري ورشده العقلي الذي يستطيع هو وحده ان يسترشد الرسالة ويستضيئ بما تركه محمد الرسول واهل بيته من مفاهيم وبرامج ان يصل من خلالهما الى الله سبحانه وطاعته وعبادته في هذه الدنيا وهو في قمة تطوره وتكامله الانساني !!.



وصحيح ربما في مرحلة من مراحل البشرية الغابرة كانت غير مهيئة لمعرفة صدق الرسالة الا من خلال معاجز كونية مادية كبيرة تدفع بالانسان البدائي وبماديته وبقصور نضوجه الفكري والعقلي ان لايقبل شاهدا على صدق رسالات الرسل السابقين بدون ان يرى ماهواكبر ،واعظم مما في القدرة البشرية من معاجز كونية وطبيعية ومادية ليصدق الرسل ورسالاتهم لكن وفي مرحلة النضج الفكري والعقلي الانساني ، وفي مرحلة التطور والتكامل الذهني ، والعلمي البشري التراكمي الكمي والكيفي هل سيبقى الانسان جامدا في مخزونه الفكري والعقلي بحيث انه لايستطيع التمييز بين ماهو صادق من الرسالات وبين ماهو غير ذالك الا بحدوث انفلاق للبحر مثلا ؟!.

او انه ودليل على تطوره وتكامله ونموه العقلي والفكري والنفسي والصناعي والاجتماعي التاريخي سيصل الى مرحلة الفطام والاعتماد على فكره وفلسفته وتجربته وعلمه الذاتي ليحكم على الاشياء من خلال اجتهاده وقراءته !!.



نعم من خلال الرؤية الاسلامية نجد ان الله سبحانه وتعالى عندما قرر خلق الانسان فانه اراد بذالك ان يخلق صورة غاية في الجمال والعظمة التي تعكس قدرة الحكيم وعظمته وجلاله وعطائه اللامتناهي للوجودفخلق الانسان ليكون (حرّا) في خياراته وفي مسيرته وفي اجتهاده وفي ايمانه فسأل من سأل :((اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.....)) ولكن في مراحل الطفولة والحضانة البشرية لايمكن ترك السماء لهذا الانسان وهو قاصرالادراك والتجربة ان يقطع الطريق لوحده ولهذا كانت يد السماء تدعم ضعفه بالايمان والتصديق والتصورات بمايلائم ضعفه من معاجز كونية او طبيعية تؤكد له صدق النبوات والرسل باعتبارعدم قدرته للوصول وللاستنتاج بين ماهوصادق ممن هو كاذب وفي التاريخ نجد الكثير من البشرية قدخدعوا لسذاجتهم بالاعيب الطغاة والفراعنة وباسم حتى الدين والمقدس بحيث ان البشرية كثيرا ما كانت تتوهم انذاك بين الرسول الذي يتصل بالسماء حقا وبين المتفرعن الذي يستخدم السحر والشعبذات لتعبده الناس بدلا من الله الخالق العظيم فكان حتما والحال هذه ان يكون لله سبحانه لطفا بعباده ان ينزل عليهم معاجز وخوارق كونية وطبيعية لتدعم الصادق من الرسل وتفضح الساحر وسحره وكيده وطاغوته لسد ثغرة البساطة والسذاجة الفكرية والعقلية التي كانت تعيشها البشرية في بداية الطريق ومنتصفه !!.

لكن وكمايرى القارئ اللبيب ان فعل الاعجاز الكوني والطبيعي الذي كان يلطف به الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين مع انه كان يشكل وثيقة الآهية لدعم السماء للرسول ورسالته ، لكنها من الجانب الاخر تتعارض مع حرية الانسان واستعمال عقله وطاقته الفكرية في الوصول الى الايمان بدون مؤثرات خارجية طبيعية تضغط او ترغم الانسان على الايمان وتصديق الرسالة والرسول ،وهذا الارغام او الضغط الخارجي على ايمان الانسان يعتبر في وجهة النظر الاسلامية المتكاملة انه نوع من اعاقة حرية الانسان بتفعيل طاقاتها الغير متعرضة لضغط العوامل الخارجية الاعجازية الكونية او اعاقة الانسان الحرّ للوصول الى قمة تكامله الانساني الذي خلقه الله من اجله بنفسه وفكره وعقله وتجربته ، من غير اي عوامل مؤثرة على قراراته الايمانية سواء كانت معجزة ليؤمن بصدق رسالة الرسول او اي ضغوطات اخرى ليصل اخيرا الى ساحة :(( لا اكراه في الدين ..)) و(( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )) و (( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا / 3/ الانسان )).

بهذا المعنى شاء الله سبحانه للمعاجز الكونية والطبيعية بسبب احتكاكها وضغطها على حرية عقيدة الانسان ان تتوقف وبدء مرحلة معاجز (( اقرأ )) القرانية ان تتحرك بدلا عنها ، لتكون هي معجزة الرسالة الخاتمة وخاتمة لصدق نبوة العظيم محمد الرسول صلى الله عليه واله ايضا !!!.



إن اقرأ القرأنية وباعتبار انها لغة ابتكرها الانسان في مرحلة من مراحل تطوره الانسانية ستكون اعظم اعجازيا اذا شاء الله سبحانه ان تكون معجزة الاسلام الخالدة ، هي من ادوات مبتكرات الانسانية ، بدلا من فرض اي نموذج اعجازي خارجي على الانسان سواء كان كونيا او طبيعيا ليؤمن بصدق رسالة السماء الخالدة !!.

فهنا ( التحدي ) :(( .. فاتوا بسورة من مثله ان كنتم صادقين ..)) سيكون اكثر تاثيرا للانسان مما اذا كانت المعجزة خارجة عن اطار القدرة البشرية على العموم ، كأن يفلق البحر الرسول العظيم محمد ص للدليل على انه متصل بالسماء وحاملا منها خطابا ، فربما في قابل الايان نكتشف سر قوانين المعاجز الكونية والطبيعية في خلية من خلايا القوانين الكونية والطبيعية المعقدة ليتسائل العالم هل كانت معاجز الانبياء فعلا معاجز الاهية ام انها اكتشافات قانونية استطاع احد البشرية ان يستغلها ليدعي انه متصل بالسماء ؟؟!.

لكن عندما تكون معجزة السماء ومنذ البداية صريحة بانها من مبتكرات البشرية انفسهم وان اعجازها ليس في خرق العادة والمألوف الانساني وانما معجزتها باطروحة الرؤية والنظام والقانون والتصورات والافكار التي لايمكن للبشرية مجتمعة على الاتيان بمثلها !!.

عندئذ يكون التحدي للبشرية مهينا جدا بسبب ان الاعجاز جاء من خلال ابسط ادواتهم المستخدمة يوميا وهي اللغة ومع ذالك تقف جميع البشرية عاجزة عن الانيان بمثل هذا القرآن او بمثل مفردة من مفرداته التي هي اقرأ !!.

كذالك من الجانب الاخر فان معجزة السماء عندما تكون بفعل (( اقرأ )) التي هي من مميزات الانسان وخصائصه عن باقي الموجودات ومن داخل طاقته البشرية وحيزه الانساني ، فلايمكن تصور انسان تضغط عليه المعجزات الكونية ليؤمن بالرسالة الخاتمة الخالدة من خلال الارهاب النفسي او الروحي له بخارق خارجي كوني او طبيعي ، كرفع جبل فوق راسه ليطلب منه اما الايمان او الموت ، او كمثل ابراء مشارف على الموت بمرض ثم بلمسة من يدك يُشفى فطبيعي انه يؤمن !!.

بل الانسان امام الكلمة القرآنية ( اقرأ ) يتمتع بكامل حريته امام الرسالة والمقدس والله سبحانه والرسول ص ليؤمن ان شاء باختياره وارادته ، ويكفر ان شاء بارادته وباختياره وبدون اي ضغوط خارجية تدفعه للايمان اصلا ، وهنا تتجلى ارقى معاني الايمان البشري الحرّ ، الذي اراده الله سبحانه وتعالى من عباده الكاملين والذي على اساسه شك من شك بالسؤال : هل فعلا الانسان الكامل في نهاية المطاف والمسيرة يتمكن من الايمان بالله وتسبيحه وتقديسه بكامل حريته واختياره وارادته وبدون تدخل اي عوامل ضغط خارجية او لاهوتية ؟.

أم انه سيفشل ليكفر بالحرية الممنوحة له ويفسد ويسفك الدماء لاسيما انه يعيش في حياة مزاحمة ستدفعه للاختيار الصعب بين الله سبحانه وطريقه من خلال عقله وايمان فكره الحرّ ، وبين الشيطان ونفسه المنحدرة صاحبة الشهوات وظلم الاخرين والاعتداء عليهم ؟؟!.

إن القراءة وكما هو المعروف بشريا ابُتكرت في عالم الانسان بعد الكتابة ،لتكون اساسا او لتقوم بعدة وظائف جوهرية للحياة البشرية ومن اهمها :

اولا : باعتبارها اداة لتواصل انساني فكري وحضاري عام بين الانسان واخيه الانسان .

ثانيا : باعتبارها وسيلة حفظ ووثيقة تصلح لكونها غير مقيدة بزمان تاريخي او بمكان جغرافي !!.

وعلى هذا الاساس فان القراءة وكما هو المعروف من شأنها الانساني وليس اللاهوتي فقط ، انها اداة ووسيلة وصله ، ومن عمق هذه الوظائف العظيمة لفعلي القراءة والكتابة باعتبار انهما وجهان لعملة واحدة اختارت يد القدرة السماوية ان تكون آخر رسائلها للبشرية بصيغة الكتابة والقراءة البشرية لتضمن :

اولا:الحفظ لوثيقتها الرسالية الخاتمة واستمراريتها الدائمية مع استمرار الحياة البشرية وبالاداة التي صنعتها البشرية نفسها لنفسها ، وهذا طبعا بحد ذاته فعلا اعجازيا من جهة (انا نحن نزلنا الذكر وانا له حافظون ) ومن جهة اخرى دليلا على بلوغ الفكر الانساني الى مرحلة هيئته لاستقبال الرسالة الالهية بشكل مقروء ويمكن الاحتفاظ والحفاظ عليه !!.

ثانيا :لاتصال السماء الدائم مع الانسانية من خلال برنامجها المكتوب الذي لايحتكر لجهة دون جهة اي لجهة كهنوتية فحسب دون جهة الجمهوروالشعب الانساني كما كان يحصل في السابق من الاديان والرسالات التي يحتكركهنتهاوقساوستها الاشراف على الرسالة الدينية وتبليغها كلاّ بل رسالة السماء الاسلامية الخاتمة هي ملك لجمهورالانسانية القارئة واينما وجدت وكيفما وجدت وحيثما قبعت !!.

وفي الاول والثاني من الضمانات استطاعت الرسالة الاسلامية الخاتمة ومن خلال مشروع (( اقرأ )) ان تنقل كل فكرة النبوة والوحي والرسالة والاتصال بالسماء من حيزها التاريخي الضيق والشبه منغلق وبدائي وفطري وساذج انذاك الى حيز التطور والتكامل الانساني والنمو العقلي والتجريبي لهذا الانسان ليصبح كل انسان في هذا الوجود وبفضل مشروع (( اقرأ )) القرآني رسولا ونبيالنفسه ومُخاطبا من قبل الله سبحانه وتعالى مباشرة وبدون صلة رسل وانبياء ووسائل ووسائط ينقلون له رسالة الله وخطابه ووحيه وبرامجه الى ارضه البشرية !!.

وكل هذا لم يكن ليحصل بين الله والانسان اذا لم تتوسط اقرأ بين الله والانسان لتكون هي الرسول الجديد الذي لايسري عليه قانون الموت والحياة في (( انك ميت وانهم ميتون )) ولتكون اقرأ الاسلامية هي المعجزة الخالدة التي تحافظ على الانسان حرّا بلا معاجز كونية رهيبة لاخضاع الانسان للايمان بالقوة من جهة ، وتكون اقرأ مواكبة لعصر التطور والتكامل البشري الذي انيط على عاتقه اليوم البحث عن الحقيقة ليتحمل مسؤولياته بدلا من احضار الحقيقة اليه بشكل معجزة !!.

_____________________________

alshakerr@yahoo.com

http://www.blogger.com/profile/06210792549531027877