الاثنين، مارس 17، 2014

(( تمهيد في نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 2/2

(( تمهيد في نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 2/2 حميد الشاكر




ثانيا: احتكاك ابن خلدون بعالم السياسة ومتغيراتها وهمومه بدراسة ظاهرة الدولة .

ان من اهم العوامل التي ساهمت بانشاء علم الاجتماع العربي ، بعد عامل اشتغال ابن خلدون بمهنة علم التاريخ هو عامل : (( احتكاك ابن خلدون المباشر بعالم السياسة من جهة، واهتمامه بدراسة ((ظاهرة الدولة)) داخل المجتمعات الحضرية العربية وغير العربية البشرية من جانب اخر)) !!.

ولعلها ليست صدفة ان يكون مؤسس علم الاجتماع العربي الاسلامي (( عبد الرحمن ابن خلدون )) ، وكذا مؤسس علم الاجتماع الغربي الحديث ( اوجست كونت ) هما من المحتكين ، والممارسين بصورة مباشرة لعالم السياسة والدارسين بنفس الوقت وبعمق لظاهرة الدولة !!.

فابن خلدون ، وكما هو المعروف تاريخيا التحق، ومنذ بواكير شبابه بسلك وظائف الدولة في المغرب والاندلس فشغل منصب ( كتابة السر) في بلاط بني مرين في بداية حياته 750هج /في المغرب العربي كما وشغل منصب خطة المظالم ، وبعدها السفارة في الاندلس.... نهاية في تولي سدة قاضي القضاة في مصر !!.

وهكذا (( كونت )) مؤسس علم الاجتماع الغربي الحديث ، الذي بدأ حياته كطالب حركي سياسي مساهم بالمطالبات والاضرابات الطلابية ، وبعدها كسكرتير للسياسي الكونت والفيلسوف (( كلود هنري سان سيمون )) الذي اشترك مع ((كونت)) بوضع ((خطة العمليات العلمية اللازمة لاعادة تنظيم المجتمع)) واستمر مع الحياة السياسية الفرنسية والاوربية التي تشكلت فيها ((مفاهيم الدولة القومية الحديثة)) وما لهذه الدولة من تداخلات مع المجتمع الصناعي الحديث ، حتى ذُكر ان كونت كان يطلق تسمية (( علم الدولة )) على ((علم الاجتماع الحديث)) باعتبارانه لايمكن للدولة الحديثة ان تتطور وتنجح بدون اتكاءها على دراسات وابحاث ونتائج علم الاجتماع من جهة ولا يمكن لعلم الاجتماع الامبيرقي ان يتطور بدون معطيات ووثائق الدولة ومؤسساتها القائمة من جانب اخر !!.

والحق ان اشتغال كل من((ابن خلدون)) في عالم السياسة بعد تاهيله علميا وتاريخيا وفلسفيا ....، وكذا (( كومت )) في نفس هذا المجال ، هيئ لكلا الفيلسوفين المؤرخين ان يطلعا على (( المجتمع وحركته )) بصورة اشمل وادق واكثر بحثا في المفاصل الدقيقة لهذه المجتمعات وكيفية حركتها ومن ثم رصد عوائدها واعرافها واخلاقها وتغيراتها بشكل اشمل !!.

بمعنى اخر: انه لايمكن لاي باحث ، او دارس لنشأة علم الاجتماع العربي الاسلامي او الغربي الحديث ان يدرك الماهية والاسباب الواقعية والعوامل الاجتماعية ، التي ساهمت في ولادة وانشاء هذا العلم (علم الاجتماع) قديما وحديثا ، اذا لم يستطع الربط بين علاقة ( المؤسس) هذا الفيلسوف الفكرية وما للفلسفة من دخل في بناء وولادة العلوم بصورة عامة وبين اشتغال هذا الفيلسوف بعلم التاريخ ، (لاطلاعه على حركة المجتمعات من الخارج) ثم احتكاكه بعالم السياسة وشؤونها (ليلم بحركة ومفاصل المجتمع من الداخل) وبهذا تتم له الصورة ويتم له التصور المتكامل الذي يضطره لصناعة علم يدرس ويهتم ويبحث ويحلل ويعالج و... في هيئة المجتمع وماهية تغيراتها وعوامل حركتها ودعائم ثباتها ومستقراتها !!.

وهذا بالفعل ما وقع لكلا الفيلسوفين ((ابن خلدون وكونت)) وهذا بالفعل ما صادف كلا المفكرين من ظروف وملابسات اجتماعية وتاريخية وسياسية احاطت بحياة كلا المؤسسين لهذا العلم !!.

(ابن خلدون) حيث بشرّ ، ودعى لهذا العلم في مقدمته و ( اوجست كونت) حيث ايضا دعى ، وبشر بولادة علم للاجتماع تفرضه ((ظروف المرحلة التاريخية والصناعية الحديثة )) للعالم الانساني !!.

فابن خلدون الفيلسوف والدارس للتاريخ والمتخصص بكل مفاصله لاسيما منها العربية الاسلامية اطلع بشكل دقيق وتفصيلي على حركة هذا التاريخ وتغيراته وتقلباته السياسية ومن ثم هو امتلك الرؤية النظرية والخارجية لحركة المجتمعات مسطرة امامه من خلال النقل التاريخي لها !!.

لكن هذه الرؤية التاريخية ، ومهما تخصصت بتقلبات الشعوب والامم تبقى خارجية او حضارية وليست محلية ، وبعيدة عن روح المجتمع من الداخل مباشرة ، وهي وان سردت تطورات المجتمعات من الخارج الا انها ( مع ذالك ) تبقى بعيدة عن بواطن المجتمع من الداخل ، او الاحتكاك بصورة مباشرة معه !!.

وهنا ياتي دور (علم السياسة) الذي درسه ايضا ابن خلدون ومارسه بشكل عملي في حياته الاجتماعية ، والذي هو ((نظرية علم ادارة المجتمع)) من الداخل سياسيا واقتصاديا وتربويا وقانونيا اولا وقبل ان تكون علما لادارة الدبلماسية والدفاع والحرب ..... مع الخارج ثانيا ، لتطرح ( هذه النظرية السياسية ) امام ابن خلدون خريطة تشريح كاملة لكل معامل انتاج المجتمع من الداخل ولكل مفاصل المجتمع (( المتحرك والثابت منها )) باعتبار ان السياسة لاسيما في عصر((ابن خلدون)) كانت احد مهامها الرئيسية مراقبة ورصد بنية المجتمع العربي قبليا وحضريا وتحليل جميع الاذرع المتحركة او الفاعلة او المستقرة ، او المضطربة .. داخل المجتمع العربي الاسلامي انذاك وعلاقة (ذالك كله) المباشرة باستقرار السلطان وسلطته او الحكم او الدولة وامنها واستمرارها !!.

وبهذا توفر (لابن خلدون) كل ما يلزم من ادوات تفكيراجتماعية ( تاريخية وسياسية ومجتمعية ) تفرض نفسها عليه كعلم مستقل بنفسه ، منفصلة اولا عن ادوات علم التاريخ الذي امتهنه لكن ليس بعيدة عنه ومنفصلة ثانيا عن ادوات علم الاخلاق او السياسة لكن ايضا ليس بعيدة عنه وهذا الفصل في تفكير ابن خلدون نفسه هو ما يستطيع ان يشرح لنا بوضوح ماهية التداخل والتفاصل العميقة بين التاريخ وظاهرة الدولة في (مقدمة ابن خلدون) من جانب وبين علم العمران العربي من جانب اخر !.

ولا يمكن لباحث ان يدرس علم العمران العربي(عند ابن خلدون)في نشاته وولادته ، اذا لم يلحظ هذه العلاقة العضوية في فكر هذا الرجل بين علم التاريخ ودراسته المهنية له ، وبين ممارسة السياسة وما تتطلبه من رؤية اجتماعية وبين علم العمران في نهاية المطاف !!.

وهذا لايعني (مطلقا) : ان منهج ابن خلدون الاجتماعي كان مقتصرا على (( المنهج التاريخي )) في علم الاجتماع اوعلم العمران البشري فحسب بل ما يميز علم الاجتماع الخلدوني هناهوانه علم استقى من الواقع الاجتماعي الذي كان يعيش بداخله معظم اركان وتصورات واليات .... علم العمران البشري ، وهذا هو ما ذكرناه في العامل :

ثالثا: المتغيرات الاجتماعية التي احاطت بابن خلدون وارغمته على البحث عن قوانينها واسبابها الواقعية !!.

والحقيقة ان ابن خلدون عاش في ظروف اجتماعية ، وسياسية دراماتيكية بكل المقاييس التاريخية، فهو عاصر افول نجم الحضارة الاسلامية العربية في منابتها التقليدية من بغداد الى الاندلس فكريا وفلسفيا ، وعلميا وسياسيا ... وحتى اجتماعيا ، فقد اصاب المجتمع ( العربي بالتحديد وقيادته لركب الحضارة الاسلامية) انتكاسة افقدته حتى القدرة على التماسك السياسي في اقامة الدولة اوالقدرة على القيام بصناعة المدنية الحضرية، بل عاصر ابن خلدون(ارتدادة)عنيفة للمجتمع العربي من بنيته الحضرية المدنية التي شكل واسهم الاسلام ببنائها الى البنية القبلية العصبوية التي ساهمت ((صراعاتها المحلية)) بقتل الدولة، وروحها الحضرية داخل هذا الاجتماع العربي انذاك !!.

لكن ايضا ابن خلدون عاصر ، كذالك صعود نجم اسلامي اعجمي الاصل والمنشا على حساب الاصل العربي سياسيا ، وفكريا واقتصاديا واجتماعيا و... كان يتكون جنينيا في الشرق (عثمانيا) من العنصرالتركي و(صفويا) من العنصرالفارسي اوالايراني !!.

ولعل هذه المتغيرات الاسلامية الجغرافية الاجتماعية والعنصرية التاريخية الكبيرة التي طرأت على عالم ابن خلدون السياسي والجغرافي والاجتماعي ... ، هي ايضا ما ساهمت في تشكيل ( وعي ابن خلدون الاجتماعي ) في موضوعة علم العمران البشري ، ودراسة ظاهرة الدولة بشكل اساس ومن ثم دفعته للتساؤل حول : اسباب ، وعوامل (متغيرات) المجتمعات العربية والاسلامية ، وكيفية صعودها في بادئ اعمارها ، وهبوطها في شيخوختها قبل موتها !!.

وطبيعي ان مثل هذه البحوث ، التي افتض بكارتها تاريخيا ابن خلدون في بحوث المقدمة لم تكن لتستقى تصوراتها ، وافكارها من مضانها التاريخية التقليدية فكانت كتب التاريخ التي درسها ابن خلدون ونقد منهجيتها التقليدية في النقل التاريخي تخلو تماما مما نقرأه اليوم في (( المقدمة )) من بحوث اجتماعية ( سوسيولوجيه ) لم يكن سبيل امام ابن خلدون ، لدراستها سوى نزول ، وبحث ابن خلدون نفسه الى واقع ، واشكاليات المجتمع العربي (( المغربي الاندلسي بالتحديد))ودراسته واستقراءه ليتخذ منه مادة حية لمعظم بحوثه الاجتماعية فيما بعد !!.

اي وبمعنى اخر : انه عندما نبحث، بماطرحه ابن خلدون في علم العمران العربي (( علم الاجتماع العربي )) من بحوث وابواب وافكار وتصورات .... في ((مقدمته)) نجد ان معظم هذه الافكار كان منتميا بشكل مباشرالى واقع حياة المجتمعية العربية انذاك فبحث(( بنية الاجتماع القبلي العربي )) وكذا بحث اختلافها عن (( بنية الاجتماع الحضري )) ، وبحث (( ماهية الاجتماع الحضري ؟)) و(( لماذية نشأة العلوم داخل هذه البنية ؟)) وغياب العلوم داخل بنية الاجتماع القبلي القائم على العصبة واختلاف اخلاق الفرد المنتمي للبنية القبلية عنه من المنتمي للمجتمع الحضري ....الخ ، كل هذه بحوث (وحتى اليوم) من صلب الدراسات السوسيولوجية الحديثة التي تتخذ من ((المنهج الامبيريقي )) اداة لدراساتها الاجتماعية المنبنية على المجتمع كما هو قائم الان ، وليس المجتمع تاريخيا او كما ينبغي ان يكون ايدلوجيا ؟.

فابن خلدون كان ناقلا وواصفا اجتماعيا امينا عندما تحدث في مقدمته عن بنى مجتمعه القبلية والحضرية القائمة التي كان يعيش بداخلها وكان عالما اجتماعيا نافذ البصيرة عندما حلل بنية الاجتماع القبلي واختلافها الجذري عن بنية الاجتماع الحضرية ، وهكذا كان سوسيولوجيا بامتيازعندما طرح ماهية العلاقات التي تبتنيها المدنية التجارية وماتنتجه من صناعات وعلوم ومن ثم ما تنشئه من دول وحكومات واختلاف كل ذالك عن ما تهدف اليه بنية القبيلة وما تنفر منه من عالم ومعالم المدنية الحضرية !!.

وطبعا كل ما طرحه (ابن خلدون) في علمه العمراني الاجتماعي لم يخرج عن دراسة (سياقات المجتمع العربي والاسلامي) ، ومن واقع هذا المجتمع المعاش ومن عمق صراعاته وازماته وبكل مركباته ثوابته ومتغيراته !!.

ونعم في الجانب الاخر طرح ابن خلدون رؤيته الحضارية التاريخية التي تناولت سنن التاريخ وقوانينه البشرية وكيفية ان(( قوانين العمران البشري )) التاريخية، كما انها تنطبق في دراساتها على المجتمع العربي الاسلامي هي كذالك قوانين تنطبق على باقي الشعوب والامم حتى وان اختلفت نتائج هذه القوانين والسنن بين مجتمع واخر وهذا ما رشّح ((في الحقيقة)) الفكر الخلدوني الاجتماعي ، ليكون مؤسسا لعلم اجتماع قائم على قانون وسنن لايختلف عملها بين مجتمع واخر !!.

وبهذا استطاع ان يعكس (ابن خلدون) كل ما كان قائما في مجتمعه العربي والاسلامي من تناقضات ومتغيرات وصراعات وثوابت و .... (( استاتيك وديناميك)) ليصوغ من نفس هذا الواقع المضطرب علمايجيب عن الاسئلة السوسيولوجية (( القائمة حتى اليوم ))حول اسباب وعوامل هذه المتغيرات الاجتماعية واسباب وعوامل الاصطكاكات والثوابت داخل هذه المجتمعات ايضا ؟.

نعم غير ابن خلدون لم يكن مهيئا ،او لم تهيئ له جميع الادوات والظروف القادرة على دفعه ليبتكرلنا علما يسميه كما اسماه ابن خلدون بعلم العمران البشري ولم تكن العبقرية الفكرية الفردية وحدهاتتمكن من دفع ابن خلدون نفسه لابتكار علم للاجتماع لو لم تكن هذه المتغيرات الاجتماعية التاريخية التي ذكرناها انفا مصاحبة لحياة ابن خلدون ، ودافعة له بقوة للتفكير الجاد بماهية المتغير الاجتماعي ومن ثم اضطراره لصناعة علم يبحث المجتمع كمادة وموضوع ، ومن هذا المنطلق ندرك : ان الاسباب ، والعوامل التي ساهمت بالفعل بنشأة علم الاجتماع العربي(علم العمران البشري)هي كانت اسباب وعوامل اجتماعية ((سياسية وفكرية واقتصادية وجغرافية وتاريخية واخلاقية ..)) اولا ، قبل ان تكون اسبابا فكرية نظرية ، او عبقرية فردية لاغير !!.

وربما لم يكن بمقدور(( ابن سينا اوالفارابي )) مثلا ان يصنعا ، او يكتشفا او يبتكرا علما للاجتماع العربي والاسلامي ، لان كلاهما فيلسوفان لكن لم يكونا عالمي تاريخ واطلاع على سير الامم والشعوب وتقلباتها الاجتماعية التي هي صفة اساسية ينبغي ان تتوفرلعالم الاجتماع قديما وحديثا كما كان مهيئا لابن خلدون وهكذا ربما لم يكن((الطبري او المسعودي)) بمقدورهما ان يلتقطا (( فكرة علم الاجتماع )) وهما يدرسان التاريخ ويكتبان فيه كما التقطها ابن خلدون، لان ابن خلدون كان ( فيلسوفا ايضا ) بالاضافة لكونه مؤرخا ووممارسا سياسيا كذالك، مطلعا بشكل مختلف على حركة المجتمع ومتغيراته من الداخل ، ولا يمكن لعالم يحاول ( صناعة منتج علمي جديد) وهو خاليا من الفكر الفلسفي الذي يؤهله لصناعة العلم ، وانشاءه من جهة كمالايمكن لعالم بالاجتماع يريدان يبحث بعلم للعمران والاجتماع ان يكتفي بالدراسة التاريخية النظرية فقط، ليصل الى قلب علم الاجتماع وادواته من جانب اخر !.

وفي النهاية يمكننا القول:ان ابن خلدون بفلسفته وعلمه التاريخي وممارسته السياسية ....، لم يكن باستطاعته صناعة علم للمجتمع لولا تلك المتغيرات المتسارعة ، التي ضربت حياة العالم العربي والاسلامي السياسية والفكرية والجغرافية والاقتصادية .. وحتى الاخلاقية في عصره والتي هي صنعت ابن خلدون وعلمه قبل ان يصنع ابن خلدون علما للمجتمع ومتغيراته !!.



راسلنا على :

alshakerr@yahoo.com

مدونتي فيها المزيد على :

http://7araa.blogspot.com/





الاثنين، مارس 10، 2014

(( تمهيد حول نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 1/ 2 حميد الشاكر

(( تمهيد حول نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 1/ 2 حميد الشاكر


عند البحث في موضوعة ( نشأة علم الاجتماع العربي ) بالتحديد تصادفنا عادة أشكاليتان  بحثيتان ،  يبدو ان من كتب في موضوع  ( علم الاجتماع العربي الحديث) لم يلتفتوا الى مغزاهما بشكل واضح وصريح وهي :
اولا : ان معظم الكتابات الحديثة ، التي تناولت بالبحث ، والدراسة  ( علم الاجتماع بصورعامة وعلم الاجتماع العربي بصورة خاصة ) تخلوا تماما من مقدمة او مدخل معنون تحت مسمى (( نشأة علم الاجتماع العربي )) .
ثانيا: ان اكثر ، اذا لم نقل كل كتّاب المداخيل والمقدمات الدراسية والبحثية التي تناولت علم الاجتماع الحديث ، عندما حاولت التورخة لمشروع علم الاجتماع العربي اختصرت كل (نشأة هذا العلم ) بالحديث عن مؤسس هذا العلم الفيلسوف ، والمؤرخ العربي (( عبد الرحمن ابن خلدون )) من جهة والحديث عن الظروف والملابسات التاريخية والسياسية والاجتماعية ..... التي احاطت بهذا العَلم المؤسس وهي منقطعة الصلة تماماعن اسباب نشأة علم الاجتماع العربي انذاك ، والذي اسماه ابن خلدون في ((مقدمة)) العبر ب(( علم العمران البشري )) من جانب اخر !!.
وهذا بعكس تماما البحوث العربية والغربية الحديثة التي عُقدت لبحث(نشأة علم  الاجتماع الغربي) ، حيث انها بحثت الملابسات الاجتماعية التاريخية والتغيرات الفكرية والاقتصادية والسياسية و.... التي احاطت بمؤسس علم الاجتماع الغربي (اوجست كونت) على انها العوامل الرئيسية التي فرضت نشأة علمٍ للاجتماع اسماه فيما بعد(( كونت)) ومن بعده من علماء هذا الفن  ب (السوسيولجي) !!.
فياترى : لماذا ( اولا )خلت معظم بحوث علماء الاجتماع العرب من بحث او مدخل معنون ب ((نشأة علم الاجتماع العربي الخلدوني)) القديم  ؟.
وثانيا : لماذا ، عندما يبحث (هؤلاء الاعلام ) في علم الاجتماع العربي لم يرجعوا نشأة هذا العلم الى اسبابه، وعوامله التاريخية الاجتماعية الوضعية كما فعلوا عند بحث (( نشأة علم الاجتماع الغربي الحديث ))، وانما اكتفوا بالقول الجازم بان  (العبقرية الخلدونية) الفردية وحدها منفصلة عن الواقع هي ، التي انشأت هذا العلم الاجتماعي المهم  ، وان لاعوامل اجتماعية او سياسية او اقتصادية .. هي التي فرضت على ابن خلدون التفكير بصناعة علم يختص بدراسة المجتمع وبنيته وهيئته وحركته وتغيراته ؟؟.
بمعنى آخر اكثر وضوحا : عندما نتسائل حول نشأة علم الاجتماع الغربي الحديث وماهية الاسباب والعوامل التي ساهمت بهذه النشأة ؟.
فان علماء الشرق والغرب  من امثال (( انتوني غدنز )) في كتابه (( علم الاجتماع)) متوافق تماما على ان من اهم الاسباب الموضوعية الاجتماعية والفكرية ،والسياسية والاقتصادية التي فرضت هذا العلم على (( كونت )) ومن جاء بعده هي عوامل واسباب ثورات موضوعية ثلاث رئيسية :
اولا   : الثورة الفرنسية  1789 م ، التي اسست لنظام سياسي جديد اطاح بالنظام السياسي الاقطاعي التقليدي القديم .
ثانيا: تحرك الثورة الصناعية في بريطانيا واشتمالها على مجموعة واسعة من التحولات الاقتصادية التي صاحبتها ابتكارات تقنية غيرت من خارطة المجتمع الغربي وحركته انذاك ، وفرضت متغيرا اجتماعيا جديدا تماما  .
ثالثا: الثورة الفكرية التي برزت بنزعة مقارنة علمية وتفكير نقدي عقلاني غير جذريا من النظرة الكلية لمفاهيم البشر ./ انظر غدنز / علم الاجتماع / ترجمة الصباغ / ط اولى / ص 54.
وهكذا (فيليب كابان ، وجان فرانسوا دورتيه) في كتابيهما :(علم الاجتماع من النظريات الكبرى  الى الشؤون اليومية ) ، فيرجعان ايضا سبب ولادة علم الاجتماع الحديث ( السوسيولوجي) الى نفس العوامل  والاسباب في :
اولا : الثورة السياسية الفرنسية الكبرى .
ثانيا : الثورة الاقتصادية الصناعية البريطانية .
ثالثا : الثورة الفكرية وانتصار العقلانية والعلم والفلسفة الوضعية . / انظر علم الاجتماع / كابان / ترجمة اياس حسن /  دار الفرقد / ط اولى / ص 6 .
وهذا (مع الاسف) بعكس تماما البحوث التي تناولت (( نشأة علم الاجتماع العربي )) او التورخة التي احاطت بهذه الولادة حيث انها ركزت بصورة مباشرة على السبب الفردي لاغير ، لتطرحه كسبب اصيل لا علاقة له او منفصل تماما عن واقعه التاريخي المعاش الاوهو((العبقرية الشخصية لابن خلدون في صناعة وتاسيس هذا العلم )) !!.
والحقيقة ان من بين اهم من طرحوا هذه النظرية في ولادة (علم الاجتماع العربي) هو الاستاذ ((ساطع الحصري)) في كتابه: (( دراسات عن مقدمة ابن خلدون )) حيث ذكر بالنص :
((فانني عندما اتأمل فيما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد أجزم بان توصله الى مجموعة الاراء المبتكرة الكثيرة المسطورة في المقدمة انما كان حدث من جراء (تدفق مفاجئ ) بعد ( حدس باطني ) و ( اختمار شعوري ) ... / الحصري /  دراسات عن مقدمة ابن خلدون  / دار الكتاب / ط الثانية / 1969م/ ص 118 .
والغريب بعد ذالك ان معظم علماء الاجتماع العرب ، الذين تناولوا (( ابن خلدون ومقدمته )) على اساس انه ( المؤسس ) الفعلي لعلم الاجتماع القديم والحديث ذهبو نفس المذهب في تعليل  وتفسير ظاهرة ولادة علم الاجتماع العربي على يد ابن خلدون ناسين ، او متجاهلين اي دور واقعي للظروف السياسية او الاجتماعية او..التي ساهمت في هذه النشأة  مع ان المفروض ان علم الاجتماع ، وعالم الاجتماع ينتمي هو قبل غيره لمدرسة تؤمن بان العوامل الاجتماعية الموضوعية (هي) المساهم الاصيل ، ومهما كان واقع هذا المجتمع في انتاج وولادة اي ظاهرة اجتماعية او علمية او ... بما في ذالك انتاج الفرد الفكري وغير الفكري لكن ما طرح علميا اجتماعيا عربيا هو العكس تماماعند معظم من بحثوا في نشأة وولادة علم الاجتماع العربي !!.
ولعل ما دفع معظم علماء الاجتماع العرب(وغير العرب ايضا) من اقصاء العوامل الاجتماعية ((الموضوعية التاريخية)) من معادلة صناعة هذا العلم وولادته او المساهمة المباشرة في هذه النشأة على يد ابن خلدون والاكتفاء بنظرية (( العبقرية الفردية الشخصية لابن خلدون )) ، منفصلة عن واقعها الاجتماعي التاريخي انذاك هو: (( ما كان يعيشه العالم العربي والاسلامي بصورة عامة ، والمغرب العربي ، وافريقيا بصورة خاصة )) من مراحل الانحطاط والتدهور الحضاري للعالم العربي والاسلامي  !!.
فقد ذكر تاريخيا هنا ان القرن السابع والثامن الهجري ، وهذه هي المرحلة التاريخية التي ولد وتوفي فيها ابن خلدون ((ولد ابن خلدون سنة 732 هج ، 1332م / ، وتوفي 808 هج ، 1405 م )) كانت مرحلة انحطاط شامل للحضارة العربية والاسلامية ، وان ابن خلدون (( كما يذكره صلاح الدين بسيوني رسلان في كتابه: السياسة والاقتصاد عند ابن خلدون )) كان نقطة الضوء الوحيدة في الافق الاسلامي انذاك !!.
او كما حقق عبد السلام الشدادي المقدمة وجميع ظروفها التاريخية بخمسة مجلدات موسوعية ((عبد الرحمن ابن خلدون المقدمة)) حيث ذكر : (( ان القرن الرابع عشرالميلادي يعتبر/في نظرمعظم الباحثين الغربيين والعرب / مرحلة انحطاط شامل لما كان يمر به العالم العربي  والاسلامي بصورة عامة .
ولهذا اقول لعل هذا هوالسبب الاصيل الذي دفع بالكثيرمن علماء الاجتماع العربي ان يقصواالظروف الموضوعية التاريخية الاجتماعيةعن موضوعة (نشأة علم الاجتماع العربي)باعتبارها(ظروف انحطاط وانحسار وتدهور ) ليكتفوا بالبحث عن الاسباب ، والعوامل  التي اولدت هذا العلم  في معامل الادراك الشخصية الفكرية والعلمية الفردية لابن خلدون فقط منفصلة تماما عن واقعها التاريخي والاجتماعي والسياسي ... !!.
لكن ربما مافات اساتذتنا الكرام بهذا الصدد انه صحيح عادة مايربط الفكر الانساني اليوم بين صعود الحضارة ، وانتعاشها من جهة ، وابتكار العلوم ونهضتها من جانب اخر ، والعكس صحيح ايضا عندما تصل اي حضارة انسانية الى مرحلة الانحطاط والتدهور سيتصل في الفكر الانساني تداعيا تصورات فكرة ضمور ، وعقم هذه الحضارة المنحطة عن انتاج اي منتج علمي مبتكر وجديد فضلا عن ابتكار علم بثقل واهمية علم الاجتماع انذاك وهذا صحيح في معظم الجوانب !!.
الا ان هذه الفكرة لاعلاقة(علّية)لها بولادة علم الاجتماع العربي انذاك فعلم الاجتماع بالخصوص هومن العلوم المرتبطة تماما  ب(متغيرات المجتمع) الحضارية لا غير ، سواء كانت هذه المتغيرات (صاعدة)  في سلم التطور الحضاري كماحصل بالفعل في صعود الحضارة الصناعية الغربية الحديثة التي انشأت (( علم الاجتماع الغربي الحديث )) ، او هابطة من هذا السلم كما حصل مع ((علم الاجتماع العربي الخلدوني)) القديم  ولهذا صرح ابن خلدون في مقدمته  حول ابتكاريته لعلم الاجتماع ، وموضوع علم العمران (علم الاجتماع ) ان من اهم مسائل هذا العلم هو بيان مايلحق المجتمع من عوارض واحوال لذاته بالقول : (( فانه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الانساني وذومسائل هي بيان ما يلحقه من العوارض والاحوال لذاته ..... / انظر مقدمة ابن خلدون / الكتاب الاول في طبيعة العمران / ص 42 / دار الجيل   !!.
بمعنى اخر: انه لو اهملنا فكرة (( ترابط انشاء العلوم مع صعود وانتعاش الحضارات )) فقط وركزنا بالبحث خاصة على الظروف الموضوعية التي املت على ((ابن خلدون))  ان يلتقط فكرة (( علم الاجتماع = علم العمران البشري))وبحثنا في الاسباب والعوامل الحقيقية والموضوعية التي ساهمت وساعدت (( ابن خلدون )) على صناعة علم الاجتماع لكان من المفيد فعلا لتطوير البحث الاجتماعي العربي اليوم في موضوعة (نشأة علم الاجتماع) العربي ولتمكنا من ان نضع اناملنا على النقطة التي بدأ فيها علم الاجتماع العربي انطلاقته  قبل ان يتلاشى ويتوقف المشروع من حيث بدأ !!.
وعلى هذا الاساس من حقناهنا ان نعيد السؤال المؤسس لمثل هكذا مداخيل ونطرح السؤال بصيغته البدائية وهو: ماهي الاسباب الموضوعية والفكرية التاريخية التي فرضت على ابن خلدون ان يفكر بانشاء علم للعمران يبحث ويتناول من خلاله المجتمع كموضوع لهذا العلم ؟.   
طبعا من اهم الاسباب ، التي دفعت ابن خلدون لصناعة علم العمران (علم الاجتماع ) العربي الاسلامي هي ثلاثة عوامل موضوعية رئيسية :
اولا : اشتغال ابن خلدون بالتاريخ .
ثانيا : احتكاكه بعالم السياسة ومتغيراتها وهمومه بدراسة ظاهرة الدولة .
ثالثا: المتغيرات الاجتماعية التي احاطت بابن خلدون وارغمته على البحث عن قوانينها واسبابها الواقعية .
والحقيقة ان التاريخ بالنسبة لابن خلدون  لم يكن فقط مجال اختصاص في فن (نقل الاحداث الماضية) فحسب ، وبدون الالتفات الى ان هناك غرض وغاية وهدف اسمى يقف خلف هذا النقل لاحداث الماضين بل كان التاريخ وبصورة واضحة بالنسبة لابن خلدون ماهو الا اداة  للوصول الى (باطن) هذا التاريخ في قوانينه وسننه التي من خلالها  ندرك معنى وفلسفة التاريخ كعلم من جهة  وندرك ماهية وكيفية حركة هذا التاريخ من جانب اخر !!.
ولعل ايمان ( ابن خلدون ) بالرؤية الاسلامية لعلم التاريخ ، وما دلت عليه النصوص  القرانية من (( سنن التاريخ وقوانينه )) في مثل قوله سبحانه : (( سنة الله في الذين خلوا من قبل ...)) وقوله سبحانه : (( ولن تجد لسنة الله تبديلا))قد ساعدت ابن خلدون في فهم التاريخ وغاياته واهدافه بصورة عمق من اقرانه الذين اعتمدوا على النقل في فن التاريخ فحسب ، ومن هنا وجدنا ابن خلدون دائم (التذييل)لابواب مقدمته بمثل هذه النصوص القرانية التي تشير الى ان :خلف الذكر المتكرر للحدث التاريخي في القران الكريم يقبع قانون وسنة تاريخية هي المتحكمة في حركة هذا التاريخ ومتغيراته !.
وعلى هذا الاساس ادرك (ابن خلدون) الغاية من التاريخ  وان التاريخ بحد ذاته ماهو الا وسيلة لادراك هذه القوانين والسنن التي تتحكم بمجمل حركة التاريخ وعوائده وطبائعه وصعوده وهبوطة .... الخ والذي هو عبارة عن تاريخ للعمران البشري ايضا وغير منفصل اطلاقا عن هذا التاريخ !!.
فاذاً:شكلت الدراسة التاريخيةلابن خلدون المفتاح الذي دفعه لبحث ودراسة العمران البشري على اساس ان التاريخ نفسه ماهو الا حركة هذا العمران واذا كان للتاريخ قوانين ، وسنن وطبائع و.... تتحكم بمتقلباته ، ومتغيراته وصعوده  وهبوطه ، فللعمران البشري بالاولوية هذه القوانين وتلك العوائد والمتغيرات الاجتماعية العمرانية ايضا !.
هل كان ينظر ((ابن خلدون)) لعلم التاريخ على اساس انه الوسيلة التي من خلالها يمكن لنا دراسة العمران والمجتمع ؟.
ام ان العكس هو صحيح بان اتخذ من علم العمران والاجتماع مادة واقعية لفهم التاريخ بصورة اكثر علمية ؟.
ان هذه الجدلية بين ( التاريخ والعمران ) في مشروع ابن خلدون بالمقدمته هي التي دفعت الدكتور(طه حسين) في كتابه(فلسفة ابن خلدون الاجتماعية .. تحليل ونقد) يذهب الى (( خطأ الاستاذ فيريرو إذ استنتج ان ابن خلدون عالم اجتماعي  لانه اتخذ المجتمع موضوعا لمباحثه . ، فابن خلدون يعتبر المجتمع موضوعا للتاريخ ايضا وقد كان قبله موضوعا للاخلاق... وليس انتقاصا لقدره / ابن خلدون / ان نقرر ان ما بالمقدمة تلمس لعلم الاجتماع وليس هو العلم نفسه )) انظر: فلسفة ابن خلدون / طه حسين / محمد عبد الله عنان نقله للعربية / ص 65.
والواقع ان راي الاستاذ ((طه حسين)) بهذا الصدد جانب الصواب في حق علم العمران البشري لابن خلدون ومع ان هناك تداخل((جدلي)) في طرح ابن خلدون بين التاريخ وعلم العمران، الا ان ابن خلدون نفسه يصرح في مقدمته : بانه اتخذ من علم  العمران البشري ميزانا من خلاله ندرك الحق من الباطل في النقول التاريخية وليس العكس حيث ذكر: (( واذا كان ذالك فالقانون في تمييزالحق من الباطل في الاخباربالأمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميز ما يلحقه من الاحوال لذاته وبمقتضى طبعه ، وما يكون عارضا لايعتد به  وما لايمكن ان يعرض له .... )) انظر المقدمة / مصدر سابق / ص 41 .
وهذا يعني ان (ابن خلدون) جعل القيادة لعلم العمران على علم التاريخ ولم يجعل علم العمران تابعا لعلم التاريخ كي يتهم انه اتخذعلم العمران كوسيلة للوصول الى الغايات التاريخية لاغير  !!.
نعم قلنا هناك (( جدلية = متقدم ومتاخر، ومتاخر ومتقدم بعملية تخادم بين العلمين )) بين التاريخ وعلم العمران في فكر ابن خلدون ،ويمكننا ان نعلن بصراحة ان التاريخ وبحثه هو الذي دفع ابن خلدون على ابتكار  وصناعة علم العمران البشري  ومن ثم ( ليؤسس ) ، ويلاحق موضوعات هذا العلم لا ليكون تابعا لعلم التاريخ ، بل مستقلا في موضوعه ومسائله وهذا ايضا ما اشار له نفس ابن خلدون في المقدمة حيث قال: (( وكأن هذاعلم مستقل بنفسه فانه ذوموضوع هوالعمران البشري والاجتماع الانساني وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والاحوال لذاته.. وليس من علم الخطابة ... ولا هوايضا من علم السياسة المدنية.... فقد خالف موضوعه موضوع هذين الفنيين )) المقدمة / ص 42 .
والخلاصة هي ان من اهم العوامل والاسباب التي ساهمت في صناعة علم الاجتماع العربي الخلدوني هي مهنة علم التاريخ، التي امتهنها ابن خلدون كمتخصص في البحث التاريخي الذي دفعه بالنهاية لان يبتكر علم العمران كي يكون علما ضابطا لاخبار التاريخ ، ومهيمنا عليها .
اما العامل الرئيس الثاني ، الذي ذكرناه كاحد العوامل الرئيسية التي دفعت ابن خلدون لابتكار وصناعة علم الاجتماع العربي الخلدوني ...... فهذا ما سنتناوله في الجزء الثاني من هذا التمهيد !.
مدونتي فيها المزيد
              

السبت، فبراير 22، 2014

في نشأة علم الاجتماع الاوربي

كيف نشأ وتأسس تاريخيا علما سُمي فيما بعد بعلم الاجتماع ( سيسولوجي ) ؟؟
وكيف تطور هذا العلم الاجتماعي من نظريات وتأملات وافكار وتصورات .... مبعثرة بين العلوم والمدارس الفكرية والفلسفية والدينية ليتحول الى علم مستقل بذاته وممنهج بمواضيعه ومتخصص في مجالاته وادواته ؟.
ثم من أولئك الرواد الحقيقيون اللذين ساهموا بجد وفعلية في تأسيس وبناء واشادة هذا العلم وتثبيت قواعده والياته واخراجه الى عالم الفكرالانساني بثوب ((علم جديد)) له ما لباقي العلوم حتى التجريبية منها من مواصفات وتعاريف ومواضيع محددة ومناهج مبينة ومميزات بحثية ومعرفية اكاديمية واضحة ؟.
لابد هنا قبل الاجابة على هذه الاسئلة وحوار مضامينها التاريخية والفكرية والعلمية من التنبيه الى عدة أمور مهمة وحيوية كمقدمات ضرورية لفهم غايات واهداف ومحاور مثل هذه الاسئلة وهي :
اولا : هو ان العلوم وصناعتها ونشأتها... ، وولادتها كذالك لم تكن في يوم من الايام ظواهر اجتماعية اعتباطية تولد بمحظ المصادفات الاجتماعية او التاريخية لتتحرك هنا وهناك على الصُعد الانسانية الاجتماعية بل ان ولادة العلوم ونشأتها ونموها وكذا تطورها واستمرارها وحتى موتها ان حدث ذالك فعلا كان ولم يزل وليد متطلبات انسانية واجتماعية وتطورات اقتصادية وفكرية وسياسية تفرض من هنا وهناك قيام اوالتفكيرالانساني بقيام وانشاء مثل هذه العلوم التي تنحو نحو الاستقلال والنمو والتكامل فيما بعد لتصبح احد اركان ومقومات تركيبة الاجتماع الانسانية !!.
ولعل علما كعلم الاجتماع هواحد مصاديق ودلالات هذه الظواهر الاجتماعية العلمية القريبة زمنيا وتاريخيا مما نعيشه وندركه اليوم من هذه الوقائع العلمية التي ما ان اطلّ العصر الفلسفي والصناعي والعقلي الاوربي الحديث وبكل معطياته وارهاصاته المادية الصناعية ، والفكرية النفسية حتى وجد علماء ومفكرون ، وفلاسفة اوربيون انفسهم مدفوعون دفعا للبحث عن انشاء علما جديدا كمتطلب ضروري اجتماعي انساني أسموه فيما بعد ب( علم الاجتماع ) ليكون هو انعكاس لمتطلبات عالم انساني جديد بكل ملامح وقسمات وسمات عصره الصناعي الاوربي الحديث !!.
والحق يمكننا هنا اعتبار ان (علم الاجتماع) هو احد انعكاسات العالم الاوربي الجديد انذاك الذي تميز بالقرون الاخيرة الاربعة بالفلسفة العقلية والصناعة والتطور والنهضة العلمية التي ولدت في اوربا في بدايات القرن السابع عشر فما بعده حتى اليوم او يمكننا القول من جانب اخر ان (( علم الاجتماع )) كان هو متطلب ضروري فرض نفسه على العالم الاوربي بعد دخول هذا العالم وانتقاله من عالم الزراعة الى عالم الصناعة والتطوربحيث برزت هناك ظاهرة اعادة تركيب للمجتمع الاوربي قد رافقت هذه التحولات الانسانية الكبيرة ، فرضت بدورها هذه التحولات المجتمعية
الفكرية ، والروحية والاقتصادية والتربوية الاسرية والفردية ... على مفكرين وعلماء وفلاسفة ومبدعين رصد هذه التحولات وتلمس انعكاساتها الاجتماعية الكبيرة مما فتح لهم افاق تفكير جديدة وهيئهم لابداع علم يختص بدراسة هذه التحولات الاجتماعية اسموا كل تشكله ومواضيعه واهدافه وغاياته باسم ((الفيزيقا الاجتماعية )) او (( الطبيعة الاجتماعية )) او الفيزياء الاجتماعية في بادئ الامر للتدليل والتاكيد على ان هذا العلم قائم على قوانين تحكم عمله ورؤيته وتصوراته ومسارات بحثه العلمية وهو لايفرق عن باقي علوم الفيزياء او الهندسة والرياضيات او
الميكانيك ..... التي تعتمد في عملها على قوانين تحكم بدورها من حركة ومسارات العالم والطبيعة والانسان قبل ان يستقرّ العلم على مسمى ((علم الاجتماع)) فيما بعد !!.
اي وبمعنى اخر : حاول صنّاع ومبتكري ومنشئي هذا العلم ان يرسلوا رسالة واضحة الى كل من يريد التعرف على هذا العلم الجديد بانه علم بعيد عن التصورات الميتافيزيقية ، او السفسطائيات الفلسفية او اللاهوتية الكهنوتية او الايدلوجية السياسية وانما هو علم خاضع لقوانين تحكم بنية المجتمع من الداخل وتحرك ظواهره وتعمل فيه من الخارج في ثوابته ومتغيراته واي محاولة لاخضاع هذا العلم للايدلوجي او السياسي او الكهنوتي الفلسفي.. فانها ستخرج هذا العلم من مساره العلمي وترتد به الى ماقبل تشكله في فوضوية الافكار !!.
ثانيا : اننا بمجرد ادراكنا لتاريخية ، وتطور هذا العلم الاجتماعي ، ومعرفتنا بهويته وماهية مواضيعه الفنية والعلمية سنكون قد حصلنا على قواعد وتصورات علمية ، ومهنية لهذا العلم الاجتماعي مما يؤهل كل باحث فيما بعد ليجعل من هذه المقدمات قواعد فكرية رئيسية وقوانين علمية على اساسها يتمكن من فهم ومقارنة اي مدعيات او بحوث او تأملات وتصورات ثقافية تتحدث باسم العلم الاجتماعي وتعلن الانتماء اليه ولمقرراته العلمية وهل هي بالفعل تنتمي للعلم الاجتماعي ؟، أم انها تدعي الانتماء له زورا وكذبا وبهتانا بدون ان يكون لها صلة بواقع علم الاجتماع ،
واصول مناهجه البحثية ؟!!.
اي وبمعنى آخر : اننا عندما نقف على تاريخية ، وماهية ومواضيع ومناهج ... هذا العلم الاجتماعي فسوف يكون من السهل على اي باحث ومختصّ ومهتمّ بالشأن الاجتماعي وعيّ ماهية هذا العلم الاجتماعي واصوله وقواعده العلمية وعلى اي اساس تبنى البحوث والافكار والتصورات المنتمية للعلم الاجتماعي ومقارنتها مع اي منتج فكري آخر يتحدث او يحاول التحدث باسم العلم الاجتماعي !!.
ثالثا : اما الامر الثالث فهو ان علم الاجتماع علمٌ بالنسبة لباقي العلوم الانسانية وزمنية تشكلها التاريخية كالفلسفة والتاريخ والطب والعقائد الكلامية والفلك والهندسة والكيمياء ..... الخ ، هو علم حديث النشأة نسبيا في العالم الانساني بصورة عامة والعالم الاوربي الغربي بصورة خاصة وهذا لايعني من جانب آخر أنه لم يكن هناك بحوث وفصول عقدت في باقي المدارس الفكرية والتاريخية والفلسفية والدينية ... لتناول الشأن الاجتماعي بصورة تأملية لتكون (الظواهر الاجتماعية) ادوات بحثها الفكرية وتكون ايضا تراكيب المجتمع وتنوعاتها ، وتقاليد واخلاق هذا
المجتمع والثابت والمتغير منها ... مدار تأمل وتفكير وتصورات ونقد وتحليل هذه المدارس والعلوم الانسانية ولكنّ كل تلك البحوث والدراسات الاجتماعية كانت مندرجة تحت تلك العلوم الانسانية (( الفلسفية او الشخصية )) ولم تكن تحمل ميزة ومميزوسمة العلم الاجتماعي المستقل الذي ينتهج مناهجه الخاصة به والمنتمية لاهدافه وغاياته وتعاريفه بالخصوص !.
ففلاسفة اليونان (سقراط وافلاطون وارسطوا مثلا) قد تناولوامن خلال المدرسة الفلسفية الهيئة الاجتماعية بالدراسة والتحليل والتأمل والنقد والتفكيك .. الخ وكذا في الحضارة الاسلامية ، وما تناوله علماء الاسلام وفلاسفته ومفكروه من تراكيب الهيئة الاجتماعية وبكافة توجهاتها وتراكيبها الفردية النفسية ، والاسرية المادية ، والمعنوية الروحية منها وملاحقة ظواهرالمجتمع والبحث عن عللها الاقتصادية والسياسية والتربوية والنفسية وغير ذالك وقد عُرف في هذا المجال الاجتماعي علميا وفكريا وعلى مستوى الحضارة الاسلامية عالم العمران (الحضارة
والمجتمع والتاريخ) المشهور عبد الرحمن ابن خلدون صاحب المقدمة حيث لمّح وذكر في مقدمته الكثير من البحوث الاجتماعية القيمة والعميقة في تحليل ، وتفكيك وملاحقة علل ظواهرالمجتمع العربي بالخصوص (( سنتناول في نشأة علم الاجتماع العربي رؤية ابن خلدون الاجتماعية )) .
وعلى هذا الاساس بقي المجتمع بلا علم متخصص به يتناول من هيئته وتراكيبه ومتغيراته وثوابته وظواهره... حتى انفلاق نواة الثورة الاوربية الحديثة على يدفلاسفة وعلماء ومفكري النهضة العلمية والعقلية والصناعية المعاصرة اللذين هيئوا لهذا العالم البشري بدمائهم وعرقهم وفكرهم وجسيم تضحياتهم ان ينتقل من عالم الزراعة والرعي الى عالم الصناعة والتخصص والعلم والتطور والنهضة !.
والحقيقة انه من المعروف علميا والمشهور تاريخيا بهذا الصدد ان من جعل لنظريات الاجتماع ( علما ) واخرجها من ابواب العلوم والاتجاهات المتفرقة ليصهرها في قالب علمي منظم ، هو الفيلسوف الفرنسي المادي (( أوجست كونت )) المولود في 1798م / والمتوفى في 1857م / !.
فكونت هو في الواقع اول فيلسوف اوربي تنبه بعمق ، ودعى بجد لضرورة انشاء علم قائم بذاته ومستقل بادواته يختص بكل وجوده وتعاريفه وغاياته واهدافه بالهيئة الاجتماعية فحسب وليخضع ظواهرها (( الثابت والمتغير )) منها بالكامل للدراسة والتأمل من جهة والبحث عن قوانين حركة هذا المجتمع وعللها الوضعية من جانب آخر !.
ان اوجست كونت باعتباره عاش في زمن التحولات الغربية الصناعية والعلمية الكبرى ، وباعتبار انه فيلسوف ومفكر حقيقي استطاع ومن خلال رؤيته الثاقبة لكمية التحولات الانسانية الغربية انذاك لاسيما بعد دخول الالة الصناعية على حياة الانسان الاوربي ، واحداثها لفراغات وهزة بنيوية عنيفة خلخلت من تركيبة المجتمع الاوربي بالكامل ، ان يدرك ابعاد وانعكاسات هذا التطور العلمي الصناعي على المجتمعية الانسانية بصورة عامة ، والمجتمعية التي كان يعيش كونت بداخلها بصورة خاصة ومن هنا كان كتابه الاول ((خطة للمؤلفات العلمية اللازمة لاعادة تنظيم المجتمع))
تعبيرا دقيقا عن ما كان يشعر به (كونت ) او يستشعره من ضرورة اعادة تنظيم المجتمع الاوربي لينسجم ويواكب ويتطور ويتكامل .. مع المعطيات العلمية والصناعية والسياسية والفكرية الجديدة او التي استجدت على المجتمعات الاوربية انذاك والتي لايمكن اغفال تاثيرها على صناعة مجتمع جديد بكل تفاصيله ووجوده يواكب مرحلتها الصناعية الحديثة !!.
كان (كونت) فيلسوفا وضعيا لايؤمن الا بما ينتجه العلم من فكر وتحليلات وكان لمحاضراته التي نشرت عام ( 1842م) في ستة اجزاء تحت عنوان (محاضرات في الفلسفة الوضعية) الفضل الاعمق لولادة فتح علمي جديد اسمه (علم الاجتماع) حيث اسس كونت لرؤية علمية في هذه المحاضرات دعا من خلالها لانشاء ، وتأسيس علم يختص بدراسة الهيئة الاجتماعية على قواعد واصول علمية وضعية ومنهجية لاغير !!.
بدأ ( كونت ) بتسمية علمه الجديد باسم ((الفيزيقا الاجتماعية)) وهذا قبل ان يسمي اوجست كونت العلم باسم (علم الاجتماع ) ويبدو ان كونت كان قاصدا لتسمية علمه الجديد بالفيزيقا الاجتماعية ، ليؤكد لجميع قراءه وتلامذته والى من يريد ان يدرك ماهية وهوية هذا العلم الجديد بانه علم قائم على ((قوانين )) الا انها قوانين اجتماعية يحاول كونت كشفها وملاحقة طبائعها داخل بنية الاجتماع الانساني ، وان حال هذا العلم وقوانينه في ذالك حال اي علم اخر يقوم على قوانين فيزيائية او طبيعية او فسلجية او كيميائية او كونية .... بالامكان اكتشافها مخبريا وادراك ومعرفة
سيرها تحليليا داخل نظمها القانونية !!.
وبهذا الفهم وضع كونت قواعد هذا العلم الجديد ودعا لاكتشاف قوانين هذا العلم من خلال ملاحقة ورصد الظواهر الاجتماعية وادراك ماهياتها ، منبها بنفس الوقت الى :(( ان لعلم الاجتماع قوانينه الخاصة به واي اخضاع لهذا العلم لباقي التصورات والنظريات الاخرى الدينية او الميتافيزيقية او السياسية يرتد بهذا العلم الى اللاعلمية ويطيح بكل مسماه العلمي على الحقيقة !!.
لكنّ وبما ان ( كونت) فيلسوفا قبل ان يكون عالما للاجتماع في الاساس وبما ان الفلاسفة وحدهم هم من يدرك بفعل الفلسفة كيفية (صناعة العلوم) وانشائها وتقعيد اسسها وقواعدها وبما ان (كونت) نفسه مع انه كان وضعيا ونقد الفلسفة الكلاسيكية الارسطية الميتافيزيكية خاصة ، الا انه رجل علم وفكر ويحترم كل ما من شأنه خدمة العلم والوصول به الى ارقى المستويات فقد احترم (كونت) المنطق الارسطي داخل الفلسفة بشكل ملفت للنظر بل وجعل من هذا المنطق العقلي الهادي له ولغيره من فلاسفة اوربا في كيفية الوصول الى التفكيرالسليم في صناعة العلوم والاهتداء لكيفية
انشائها من اللاوجود الى الوجود !!.
وبهذا بدأ (اوجست كونت ) منطقيا ارسطيا لانشاء علمه الجديد وليبدأ بالخطوة الاولى وهي :
اولا : التفريق بين المعرفة النظرية العامة والعلم باعتبار ان تعريف العلم منطقيا ارسطيا هو ( المعرفة المنظمة ) !.
اي ان المعرفة والفكر والثقافة والنظرية والرؤية ..لاتصبح علما مستقلا اذا لم تنظم هذه المعرفة لتنتقل من فوضوية المعرفة الى تنظيم هذه المعرفة في مسارات علمية وصهرها بموضوع محدد !!.
ثانيا : وضع ( كونت ) كخطوة علمية تعريفا لهذا العلم الاجتماعي الجديد ليقول وحاله في ذالك حال من اتى بعده من علماء اجتماع متخصصون بهذا الحقل العلمي الجديد نسبيا من : ان علم الاجتماع هو العلم الذي يهتم بدراسة الظواهر الاجتماعية ويجعلها موضوعا للدراسة والتحليل !!.
او هو : علم يلاحق اسباب وعلل الظواهر الاجتماعية (( لاكتشاف الحقائق )) منها والمتغيّر !.
ثالثا : بعد تعريف العلم وشرح ماهيته يأتي دور طرح مواضيع هذا العلم وتوجهاته ومناهج بحثه العلمية ، وكيف ينبغي لعلم الاجتماع ان يكون سائرا في طريقه للوصول الى معارفه وعلومه !.
ورابعا : ختم كونت رؤيته لعلم الاجتماع بأن طرح مبادئ وغايات واهداف هذا العلم بحيث يكون العلم مستقلا ( حسب الطرح الكونتي ) ومتخصصا اذا اضيف لتعريفه وامواضيعه (اهدافه وغاياته) ، فلا يمكن ان يكون علما مستقلا بدون ان يكون لهذا العلم اهدافا وغايات محددة من وجوده وانشائه ، وهذا ما قام به اوجست كونت ايضا عندما جعل الغاية والهدف من هذا العلم : هو اكتشاف التطورات الاجتماعية التي طرأت وتطرأ على المجتمعات البشرية القديمة والحديثة !.
وبهذه الخطوات المنطقية الفلسفية استطاع اوجست كونت القيام بالعلم الاجتماعي الحديث ، ليجعله فيما بعد علما قائما بذاته مستقلا بمواضيعه وادواته ، وله اهدافه وتعاريفه وغاياته الخاصة به وحده !.
وايضاعلى هذا الاساس تميزت المدرسة الاجتماعية لمؤسس علم الاجتماع الحديث ((كونت)) بعدة مميزات وزوايا علمية ومن اهم هذه المميزات للمدرسة الكونتية التي بنت علم الاجتماع الحديث هي :
اولا : انها مدرسة امنت بأن القوانين الاجتماعية على نوعين :
آ : قوانين ثابتة ( استاتيك ) وهي القوانين التي تكون عماد قيام اي مجتمع من قبيل قانون ( التكامل والتعاون وتوزيع العمل ....الخ ) وهذا بعكس مبتنيات المدرسة الايدلوجية الاجتماعية التي انتمى لها المرحوم علي الوردي والتي ترى حالة وقوانين (الصراع والتفكيك واللاثابت داخل بنية المجتمع ) !.
ب : قوانين متحركة ومتغيرة (ديناميكية او إن ستاتيك) والتي هي عبارة عن الظواهرالسطحية المرئية والمتحركة على قشرة البنية الاجتماعية !.
ثانيا : آمنت المدرسة الاجتماعية الكونتية وبنت جميع قواعد علم الاجتماع الحديث على ان ( للمجتمع الاصالة ) في الوجود الانساني الاجتماعي ، ولا شيئ لما يسمى بأصالة الفرد على حساب اصالة المجتمع في هذه المدرسة ، كما هو حال المدرسة الفكرية والاجتماعية الليبرالية الراسمالية النفعية الحديثة التي جعلت للفرد وللفردية الاصالة المطلقة على المجتمع ، بل يرى كونت في قواعد واصول العلم الاجتماعي : ان لاشيئ يمكن التفكير اصلا فيه للفرد خارج سياقات المجتمع وحركته ( فكل حق فردي حسب تصور كونت الاجتماعي هو عبثي بقدر ماهو غير اخلاقي ) !.
ثم بعد مرحلة المدرسة الكونتية الاجتماعية للمؤسس اوجست كونت خطى علم الاجتماع وموضوعه ومناهجه واساليب عمله البحثية خطوة تكاملية غاية في النمو والنضج والتطورالعلمي الممنهج والمدروس باخلاص على يد الفيلسوف الفرنسي ايضا ( إميل دوركايم ) المولود في 1858 م / والمتوفى في 1917م !.
والواقع ان دوركايم يعتبر بالنسبة لعلم الاجتماع هو الدفعة المنظمة الثانية التي نقلت وقعدّت من الاصول العلمية البحتة لعلم الاجتماع ، وليرتقي من ثم (دوركايم) بالعلم الاجتماعي الى وضعه التقني والعلمي الصحيح والخالي من اي شوائب علمية او مدرسية او فكرية او ايدلوجية اخرى ربما تسربت الى فكر (كونت ) من خلال طبيعة اشكاليات التأسيس للعلم الاجتماعي !!.
اي ان (دوركايم) بدأ مع علم الاجتماع من حيث انتهى اوجست كونت به لا ليرتد بالعلم الاجتماعي من خلال فوضوية فكرية وتأملية وايدلوجية ... غير منضبطة بقواعد العلم الاجتماعي واصوله كما فعل غيره بالعلم الاجتماعي الحديث !!.
بل ذهب دوركايم وبعقله العلمي الاجتماعي المنضبط والمدرك لمعنى ضرورة تكامل العلم الاجتماعي الجديد ليقعدّ ويؤصل اكثر فاكثر علميا في هذا العلم ، وليناهض من جانب اخر اي شوائب تحاول الدخول ، او افساد منهجية واهداف وغايات وتعاريف وادوات هذا العلم المبتكر على يد (كونت ) وعلى هذا الاساس أكمل دوركايم البناء الذي ارسى قواعده (كونت ) ليتطور العلم الاجتماعي ، وتأخذ المدرسة الاجتماعية الحديثة صيغها العلمية الاكثر مهنية ، والاكثر انضباطا بمناهج البحث العلمية لاغير وبعيدا تماما عن المؤثرات الخارجية عن موضوع العلم الاجتماعي بالتحديد !!.
ان من مميزات هذه المدرسة الدوركامية الاجتماعية ان صحّ التعبير بعد المدرسة الكونتية ، انها مدرسة حاولت الحفاظ على المنتج العلمي الاجتماعي الجديد ، بل انها المدرسة التي وهبت كل وجودها لهذا العلم ولم تجعل من هذا العلم مطية للوصول الى اي مآرب اخرى سواء كانت مآرب شخصية او ايدلوجية او سياسية او غير ذالك ، بل ان دوركايم نفسه ولشدة اخلاصه لمشروع علم الاجتماع الحديث انتقد حتى بعض افكار (اوجست كونت) المؤسس لهذا العلم باعتبار انها افكار لاينبغي لها ان تدخل عرين او حيز هذا العلم الاجتماعي الجديد بسبب ان فيها مسارات مختلفة التوجه عن موضوع
وتوجه وغايات واهداف العلم الاجتماعي الحديث !!.
بمعنى اخر : ان دور كايم بذل جهدا اضافيا علميا لخدمة مشروع علم الاجتماع الحديث عندما حاول تشذيب وتأصيل المعاني الرئيسية للعلم الاجتماعي الحديث ، من منطلق انتقاداته الفكرية العلمية الواضحة للمدرسة ، والفكر الكونتي الاجتماعي الذي يذهب في الكثير من اتجاهاته الفكرية الى التحليلات ، التي تغلب عليها النزعة الفلسفية اكثر من غلبة التحليلات الاجتماعية العلمية المستقلة بشخصيتها البحثية العلمية المميزة !!.
ولهذا أشتهر بين دوركايم واوجست كونت هذا الاختلاف العلمي الذي اثاره دوركايم على فكر المؤسس لعلم الاجتماع الحديث بانه فكر صحيح ان له الفضل بالتأسيس والتنبيه ووضع القواعد للعلم الاجتماعي الحديث ، الا ان (كونت ) وباعتبار انه بدأ مشروعه الفكري فيلسوفا وليس عالما للاجتماع ، فان غلبة التحليلات الفلسفية للظواهر الاجتماعية كانت واضحة تماما في فكر كونت ، مما دفع (دوركايم) بان ينبه لهذا الخلل العلمي المنهجي في بنية الفكر الكونتي وانه لاينبغي مطلقا ادخال تأملات وتحليلات سواء كانت ايدلوجية او سياسية او دينية او فلسفية .. الخ على مدرسة
وابحاث ومناهج علمية اجتماعية كما كان يرى (دوركايم) العلم الاجتماعي الحديث وكيف ينبغي ان تكون مناهجه البحثية والفكرية والتحليلة العلمية !!.
وبهذا الفكر والوعي الدوركايمي للعلم الاجتماعي استقلالا وموضوعا ، وعلما ومناهج وتحليلات ... انتقل دوركايم بهذا العلم نقلة علمية كبيرة تعتمد فقط على (التحليلات العلمية) المنتمية فحسب للعلم الاجتماعي ، والتي تتناول وتصف وتحلل الظاهرة الاجتماعية بتجرد علمي مطلق وخالص لتصل الى حقائق المجتمع كما هي لا كما ينبغي ان تكون ايدلوجيا او فلسفيا او دينية او سياسيا ... !.
نعم في المدرسة (الدوركامية الاجتماعية) الكثير من التفصيلات العلمية الاجتماعية المهمة ، التي اضافت للمدرسة الاجتماعية الشيئ الكثير والعميق ، فدوركايم يعتبر المؤسس الثاني للعلم الاجتماعي الحديث بل هو ربما المؤصل الاكثر علمية بحتة لهذا العلم الجديد ، لاسيما في إثراء موضوعات علم الاجتماع على يد دوركايم ومن جاء بعده من علماء اجتماع (التزموا بالمنهج العلمي) لهذا العلم الجديد وساروا على خطاه وطوروا بعلمية من مشروعه ومساراته !!. لكن نحن هنا احببنا ان نشير الى اهم المميزات العامة للمدرسة الدوركامية الاجتماعية ولم نشأ الخوض في تفاصيل
التفاصيل لمدرسة دوركايم الاجتماعية !!.
ومن هنا راينا الاشارة لمميز التأصيل للعلم الاجتماعي باعتبار ان هذا العلم وكما ذكرنا في المقدمة هوعلم حديث نسبيا وكان بحاجة للتأصيل في زمن دوركايم اكثر من حاجته للتفريع ، والحديث بشمولية غير متخصصة وهذا ما قام به بالفعل دوركايم بعد اوجست كونت !!.
بعد اميل دوركايم توالت المدارس الاجتماعية ليأخذ مشروع علم الاجتماع ابعاده العلمية المستقرة ، لينتقل من علم تحت طور الانشاء والتأسيس والنمو والتطور ... الى علم ومناهج تدّرس في الجامعات والمدارس العلمية ،وليخصص لهذا العلم اقساما خاصة جامعية تتناول موضوع علم الاجتماع على التحديد !!.
فأسس دوركايم القسم الاول لعلم الاجتماع في 1895م في جامعة يوردو !.
وتبعه(ماكس فيبر)عالم الاجتماع الالماني المعروف في سنة 1919م بانشاءقسم علم الاجتماع في جامعة لودفيج ماكسيمليانز في ميونخ .
وهكذا حتى وصل علم الاجتماع بدراساته العلمية والاكاديمية والجامعية الى كل انحاء اوربا وبريطانيا وحتى الولايات المتحدة قلعة الفردية المناهضة لكل ماهو اجتماعي ، او يشم منه رائحة تغليب المجتمعي على الفردي !!.