من انا كاتب يمتهن التفكير مع القلم للوصول الى حياة افضل يحكمها العدل

الخميس، أبريل 30، 2015

((في سوسيولوجيا المجتمع الكردي العراقي/ بنية الفكر الديني)) 10 حميد الشاكر

((25))
يختلف التراكم المعتقدي التاريخي للتركيبة الدينية اوالثقافية اوالفكرية او القيمية او .. بهشاشته او صلابته  لهذا الاجتماع الانساني ، او ذاك حسب ماهية ، ونمطية ، وموضعية هذا الاجتماع ، لاسيما الموضعية الجغرافية ، والبيئية التي تحيط باي دائرة اجتماع انسانية وماتسمح او لا تسمح به هذه الجغرافية الطبيعية ،  والاجتماعية  من داخل وخارج  المنتج االفكري الانساني او العقائدي او الفلسفي او .... غير ذالك مما يتصل بصناعة وصياغة فكرالفرد والمجتمع هناوهناك تاريخيا وحتى اليوم !!.
فما بين (( التوالي والتراكم التاريخي لاسيما الفكري والمعتقدي الديني منه وما بين الجغرافي والبيئي )) علاقة ربما لم يلتفت لها بعض ممن نظرّوا لعلم الاجتماع الحديث  الا انه وحتى منذ تاسيس اللبُنات الاولى لعلم العمران البشري والاجتماع الانساني على يد (( عبد الرحمن ابن خلدون / 732 هج / 808  هج )) كانت الاشارات العلمية الاجتماعية واضحة لهذه العلاقة بين ماهوجغرافي طبيعي ومجتمعي ، وبين ماهو فكري تراكمي انساني معتقدي ، او سلوكي فني تربوي / :  انظر مثلا ابن خلدون/ المقدمة/المقدمة الثالثة في المعتدل والمنحرف من الاقاليم وتاثير الهواء في الوان البشر والكثير من احوالهم/ دار الجيل ص 91 !!.
ولعلنا قد اشرنا في الفصل السابق لفكرة : ( الجغرافية البيئية والدين ) وضربنا مثلا للدائرة الاجتماعية الصحراوية  البدوية او الجبلية القبلية نصف البدوية  ، واختلاف انماط وصناعة تفكيرها عن نمط وصناعة المجتمع الحضري والمدني لهذا الفكر الديني الانساني !.
وهنا في هذا الفصل ينبغي علينا ان نزيدالفكرة تماما لنظيف: ان البيئة الجغرافية لاي مجتمع ليست فقط هي معنية بالاسهام في صناعة الفكر الديني، وصياغته بشكل مختلف بين هذه الجغرافية الاجتماعية او تلك فحسب ، بل ان لهذه الجغرافية مدخلية في صياغة وصناعة التراكمية التاريخية الفكرية كذالك ونوعية هذه التراكمية وصلابتها او هشاشتها امام الداخل والخارج من الافكارالمجتمعية العقدية والدينية هنا وهناك !!.
فمثلا في مجتمعية حضرية مستقرة ، ولطبيعة تشكل العمران البشري وتنوعه ، وترابط مصالحه الاقتصادية   مع منافعه الاجتماعية ، وكذا صياغته لقوانينه السياسية المنسجمة مع طبيعته المستقرة ، وهكذا بناء قيمه التربوية الاسرية والفردية و..كل ذالك يفرض على هذا الاجتماع الحضري ان(يحتفظ) بتراكمه وتجاربه التاريخية ليصنع فيمابعد حالة من الصلابة، والاستقرار لمكونه الثقافي والعقدي والقانوني والسياسي والاقتصادي ، و .... حتى يصل لصناعة هوية اجتماعية قوية ومميزة وذات معالم واضحة في قبالة  وامام باقي الهويات الاجتماعية القومية والدينية العقدية والسياسية والقانونية و .... غير ذالك !!.
وكل ذالك ينشأ من طبيعة  الاستقرار الاجتماعي ،  الذي ينتج بطبيعته (( ضبطا اجتماعيا مدنيا )) لكل بناه الفكرية  والعقدية والقيمية الفوقية في البناء الاجتماعي وكذاضبطا لبناه السلوكية والاقتصادية والتربوية الاسرية و ...الخ التحتية بحيث ان النظام الاجتماعي المدني الحضري المستقر يقوم تلقائيا بعملية ووظيفة الضبط الاجتماعي لكل ماهو داخل وخارج من الافكار (( ويرفض هذا النظام الاجتماعي المدني بطبيعته ضرب الاستقرار وخاصة العقدي الفكري منه بل ويعتبر ان اي داخل عقدي فكري ماهو الا بدعة ينبغي مقاومتها وتنقية المعتقد الديني منها )) وبما في ذالك الافكار، والفلسفات المنتجه داخليا من عمق متطلبات المجتمع فكريا وقانونيا ودينيا ...الخ !!.
وهذا بعكس طبيعة العمران والاجتماع  البدوي الصحراوي او الجبلي نصف البدوي الغيرمستقرعادة اوالمفتقرلمتطلبات الاجتماع الحضري المدني التجارية والقانونية والسياسية والتربوية و.. والذي عادة لايجد من نفسه (ضرورة ) ، الاحتفاظ بتجاربه التاريخية  ولا حفظ تراكماته التاريخية ( ان وجدت ) الثقافية او الفلسفية اوالعلمية او الدينية العقدية مما يفقد هذا الاجتماع الانساني البدوي الصحراوي او الجبلي النصف بدوي ميزة صلابة واستقرارالافكار(وبكل تنوعاتها العقدية والقانونية والفلسفية و.... ) ومتانه وحصانة هويتها الاجتماعية ( المستقلة ) امام باقي هويات المجتمعات والشعوب الحضرية المستقرة  !!.
وهنا في هذا المفصل تكمن (( هشاشة  ومرونة ، وعدم مقاومة الهوية الفكرية بصورة عامة )) للمجتمعات غير الحضرية ، وعدم قدرة هذه الهوية الفكرية القبلية الصحراوية والجبلية القبلية النصف البدوية على لعب وظيفة ودور((الضابط الاجتماعي الفكري/ وهذا سبب عدم اهلية النظام الاجتماعي القبلي الصحراوي ، والجبلي على ان  يكون مؤهلا لتعلم شرائع السماء كما ورد في القران ب واجدر الا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله )) امام اي افكار داخلة  او منتجة خارجة منه !.
 وهذا هو ما يفسر لنا في النهاية  (( ظاهرة التعقيد المعتقدية الدينية )) لنظم الاجتماع القبلية البدوية الصحراوية والجبلية وكيف انها من جهة مرتعا لكل البدع الدينية الجديده فكريا/الوهابية البدوية الحديثة نموذجا والعلي الاهية الكاكائية والصوفية السحرية الجبلية و ...... كما سنبينه لاحقا  / ، ومن جانب اخر انها مجتمعات يمكن اختراق بنيتها الفكرية فلسفيا وعقديا دينيا وقيميا و.. لعدم وجود بنية فكرية مستقرة ، وصلبة ومقاومة !!.
نعم بنفس الوقت يمكن ان تكون هذه البنية الفكرية المعتقدية البدوية او الجبلية المنعزلة ايضا ( حاضنةً )  لفكر سلالي قبلي اجتماعي متكلس  وجامد تاريخيا ومستمر تلقائيا بفعل قوة النظام القبلي رافضا بطبيعته  للتنقية ، او الاجتهاد الفكري ( كما هي متطلبات المجتمع الحضري ) يطور، او يغير او يقنن ويضبط  من هذه الافكار ويخضعها لمتطلبات المجتمع المتغيرة !!.
وعلى هذا الاساس : يمكننا ، اضافة لكل ما ادركناه سابقا من تعقيدات البنية الفكرية العقدية الدينية  لنظام البداوة ، والجبل  النصف بدوي ان ندرك ، ونعي ايضا تعقيد ظاهرة (( اجتماع التدين ، والتشدد والتمسك تقاليديا لهذه المجتمعات البدائية بالسلوك  القشري  والمفرغ من الروح الحضرية والمدنية للدين من جهة ودخول ، ورتوع الهرطقات والبدع والخرافات و..الخ وانتاجهافي نفس هذه المجتمعات القبلية الصحراوية او الجبلية المنعزلة اللامنضبطة حضريا من جانب اخر)) !.
 (( 26 ))
في المجتمعات القبلية الجبلية النصف بدوية بصورة عامة ، والمجتمع القبلي الكردي العراقي القديم ، والحديث بصورة خاصة  تبرز للعيان ثلاث ظواهر اجتماعية دينية مميزة للاجتماع الكردي العراقي هي :
اولا : ظاهرة التداخل الديني اللامنضبط تاريخيا ( من الزرادشتية الى الاسلام وما بعده في المنطقة ) .
ثانيا :   ظاهرة ميل هذه المجتمعات  الجبلية بصورة عامة  والمجتمع الجبلي الكردي العراقي  بصورة خاصة الى نوع من التصوف الديني وغلبة هذه الطرق الصوفية (( لاسيما الطريقة الجيلانية ، والنقشبندية وتفرعاتهما في العصر الحديث ))  وهيمنة هذه الطرق الصوفية على حيزه العقدي الفكري والسلوكي الاجتماعي .
ثالثا : ظاهرة الهرطقة (كما يطلق مارتن فان بروبسين الانثربولوجي الهولندي المتخصص في التاريخ والمجتمع الكردي الحديث في الكرد والاسلام ) على التنوعات الفكرية العقدية من ايزيدية او يزيدية وعليّ اللاهية او كاكائية او صوفية سحرية او( الحادية ) في العصر الحديث حيث تبرز ظاهرة الالحاد وانكار المعتقدات الدينية بشكل بارز لاسيما في العقدين الاخيرين من حاضرهذه المجتمعيةالكردية العراقي لاسيما داخل الاحزاب السياسية الحاكمة اليوم في شمال العراق .   
والحقيقة : ان ظاهرة التداخلات الفكرية ، والسلوكية العقدية التاريخية ، وحتى اليوم في المجتمع الكردي العراقي الحديث ، ظاهرة (( ذكرنا اسبابها الجغرافية الطبيعية ، والاجتماعية  انفا ، وكيفية  ان ابتعاد هذه التجمعات الانسانية عن البناءات  الحضرية ، وحماية البيئة الجغرافية الجبلية او الصحراوية لهامن سلطة المجتمع المنضبط عقديا كان سببا لغياب الضبط واستمرارية ماهو قديم متداخل بالحديث عقديا))  بارزة وتحدّث عنها وبحثها معظم السوسيولوجيين وبما فيهم علماء الاجتماع الكرد انفسهم كالذي بحثه السوسيولوجي الكردي (احمد محمود الخليل في : الشخصية الكردية ) وما تناوله من تداخلات تاريخية في المخيلة العقدية الدينية الكردية الحديثة ، وتاثيرات الزرادشتية التاريخية عليها ( الاهريمان الزرادشتي في الشخصية الكردية) وكيف ان هذه الفلسفة العقدية التاريخية لم تزل ((فاعلة ومؤثرة)) في صناعة وصياغة هذه الشخصية الجبلية الكردية الحديثة / راجع ص 263 )) !.
كذا يقال في التداخلات التاريخية العقدية للموروث((اليهودي)) الديني (( الذي لم يشر له احد من السوسيولوجيين الكرد / مع الاسف )) على الشخصية الفكرية والعقدية الدينية الكرديةالحديثة لاسيما العراقية منها (( معلوم ان اليهود واليهودية منذ السبي البابلي الاشوري الاول 697 ق م/ وحتى الثاني في حكم نبوخذ نصر 586 ق م  تمددت من العراق الى جنوب روسيا وشمال القوقاز تاريخيا ، وتمكنت سياسيا في مملكة الخزر 740 ميلادية / التي ذكرها المسعودي/ في تاريخه زمن خلافة الرشيد/ من ان تصنع دولة يهودية في ذاك الصقع الجبلي الوعر وكان اخرخروج  لليهود (( واليهودية كثقافة )) من جميع محافظات العراق 1951م / حيث كان يقطن التجمع الاكبر  ليهود العراق في تلك الحقبة  بمنطقة العمادية )) ، وماهية التاثيرات الايدلوجيه والتي لم تزل قائمه في المخيال المعتقدي الاسطوري الديني الكردي ، ويكفي ان نذكرهنا او نذّكر بما دوناه في هذه السلسلة من البحوث (( الفصل الرابع :  في  اصل الكرد)) بان هذه الاسطورة(اصل الكرد جنّ سليمان) كانت من ضمن نتاج وبقايا (الثقافة العقدية اليهودية) التي استوطنت جبال شمال العراق لاكثر من الفي سنه  ، ولم تزل  تاثيراتها حتى اليوم فاعلة  في المخيال العلمي والاسطوري الديني الكردي العراقي الحديث :/ راجع الدراسة التفصيلية القيمة ، التي كتبها : اريك بروار ،  ورافائيل باتاي / يهود كردستان/ دارئاس للطباعة والنشر/ ط الاولى / اربيل 2002م جزئان!!.
في جذورواصول الفكروالمعتقد الديني ( للايزيدية : نسبة الى جذرهم الآري حسب ما يروج له السوسيولوجيين الكرد، او اليزيدية حسب ما يطرحه بعض اليزيديين انفسهم من نسبهم العربي ليزيدالاموي) مابعد الاسلام ايضا يرى الكثيرمن علماء الاجتماع   :  ان صياغة وصناعة هذه العقيدة ((ينسب هذا المعتقد تاريخيا للشيخ عدي بن مسافر 1162 م / 557 هج / ولد في لبنان ودرس في بغداد وتعرف على الشيخ عبد القادر الجيلاني واختارفيما بعد العزلة في وادي لالش وسط كردستان ليخرج فيمابعد بطريقته الصوفية الجديدة وحسب : مارتن فان بربسين المذكورانفا فان ((الشيخ عدي)) كان مسلما سنيا تقليديا قبل ان يتحول ضريحه لمكان مقدس ، ويتحول هو نفسه تجسيدا للروح الاكثر قدسية عند اتباعه)) ماهي الا انعكاس لتداخلات الزرادشتية التاريخية القديمة وبقاء رؤيتها الفلسفية في موضوعة (( الخير والشر او موضوعة الله والشيطان )) !!.
فالايزيدية كما هو مرتشح من افكارها الدينية ان لها موقفا فكريا عقديا مغايرا عن الاسلام لكن ليس بعيداعنه ومختلفا من صانع الشرّ الازلي ( الشيطان اوابليس ) ويرون ان ابليس طاووس الملائكة ينبغي التودد اليه اتقاء شره ، ولا ينبغي معاداته ، او لعنه بسبب قدرته الكبيرة على الحاق الاذى بكل اعدائه  وقدرته المستقلة عن الله كذالك على صناعة الشر وفرضه على الانسان ان شاء ذالك !!.                                              
_______________________                                       راسلنا على :
مدونتي فيها المزيد


الثلاثاء، أبريل 14، 2015

(( في سوسيولوجيا المجتمع الكردي العراقي / التركيبة الدينية )) 9 حميد الشاكر


((23))
لايختلف تعقيد التركيبة ((الدينية القداسية )) للمجتمية الكرديه العراقية وتشعباتها(حسب معظم السوسيولوجيين اللذين تناولواالشأن الكردي ) عن ماذكرناه في الفصول البحثية السابقة من تعقيدوتناقضات وتركيب وصلابةٍ للنظام القبلي والاقطاعي داخل اطارهذه المنظومة المجتمعية الكردية الحديثة والقديمه !!.
بل لانغالي ان قلنا (( وجهة نظرنا )) ان تعقيد التركيبه الدينية الكردية العراقية  تفوق في تراكيبهاالسوسيولوجيه المعقدة بتناقضاتها المتنوعة التاريخية والحديثة تراكيب نظام الاقطاع ، والقبيلة  المجتمعية الجبلية النصف  بدوية ، وفي عدة اتجاهات ، وتراتبيات فكرية  ثقافية وعقدية وسياسية ، واقتصادية واجتماعية وتربوية و ....غير ذالك !!.
نعم  فيما بين النظام القبلي ، والاقطاعي الاجتماعي الكردي التاريخي والحديث من جهة  وبين النظام الديني القداسي لنفس هذا الاجتماع من جانب اخروبكل مالهذه المنظومتين من تاثيرات فكرية عقدية وسياسية واقتصادية وكذا تربوية ونفسية ( جدلية متداخلة ) الى حدٍ يتماهى فيها في كثير من الاحيان  النظام القبلي بكل قيمه  ، مع الاخر الديني وبكل تجلياته ، وقداساته المؤسطرة ، ليصبح  القبلي في مفصل من مفاصل الاجتماع الكردي هوالديني القداسي وكذا الديني هوالقبلي الدنيوي كما هو حاصل بالفعل ، ومتبلورواقعيا في ظاهرة (( الشيخ )) داخل اطار المجتمعية الكردية الذي يجمع(بعكس شيخ القبيلة العربية الصحراوي الذي يفصل بين ماهوديني وبين ماهو قبلي دنيوي)) في مواقع متعددة من تراتبية الاجتماع الكردي بين ما هو ديني، وما هو قبلي في القيادة الاجتماعية السياسية والروحية في الان الواحد !!.
وهكذا اذا درسنا ( بنية الاجتماع القبلي ،  والاقطاعي ) الكردي نفسها القديمة والحديثة ، فسنجد ان نفس تلك الظاهرة التي ( تجمع بين ماهو قبلي دنيوي وديني قداسي في شخصية شيخ القبيلة الكردية)هي كذالك متواجدة بعمق في بنية القبيلة الكردية الاجتماعية ، التي انفتحت لتضم داخل جناحيها (ليس فقط التجمع النسبي اوالتحالف القبلي اوالعشائري كما في القبيلة العربية )، بل انفتحت لتضم كل من ليس له قبيلة او من هو يبحث عن حامي  ، ومدافع او يبحث عن بيت شيخ طريقة صوفية دينية  ينتمي اليها من هذه البيوت القبلية  ، والتي (عادة ) ما تجمع بين القيادة السياسية الدنيوية القبلية، والقيادة الدينية الروحية تاريخيا وحتى اليوم كقبائل البرزانيين (مثلا) او الطالبانيين والبرزنجيين في العصر العراقي الحديث !!.
وهذه الظاهرة في المجتمع الكردي ((في الحقيقة )) التفت اليها  علماء الانثربولوجيا والاجتماع المستشرقين والكرد ايضا  وسلطوا الاضواء عليها لتكون محط بحث وتامل  لاسيما ما اشار اليه ( وليام هيغلتون ) في كتابه (القبائل الكردية ) وهو يتناول مصطلح ( شيخ ) في منظومة الفكرالاجتماعي الكردي وماوصله بالبحث(كمثال)في القبيلة البرزانية بالقول:(عند العرب الشيخ للقبيلة لايمارس سلطة دينية بينماعند الكرد ربما يمارس دورا قبليا ودينيا ايضا..)) ثم يضيف : (( البرزانيون في العراق مزيج من قبائل صغيرة ومن كرد لاعشائر لهم اعتبروا شيوخ بارازان زعمائهم الروحيين والدنيويين .... ، وعلى اي حال لاتقتصر زعامة الزعيم الدينية على اتباعه ، او على مناطق محددة انه يستطيع استقطاب عدد من القبائل اومن الكرد غيرالقبليين اؤلئك الذين يبحثون عن منقذ اوحام او زعيم ديني )) !.  / وليام هيغلتون/  القبائل الكردية / ترجمة : احمد محمود الخليل / فصل الدين !!.
فمعظم هذه القبائل في بنيتها الاجتماعية  ومكوناتها البشرية هي خليط من تحالفات عشائرية  بالاظافة الى انتماءات لاقبلية وكذا هي ولاءات دينية ( وخاصة الصوفية منها ) تجتمع لتصنع مركبا يمزج بين القبلية والدينية بشكل مرّة يتقدم فيهاالقبلي على الديني ومرة يتقدم فيها الديني على القبلي في مواضع اخرى !.
والحقيقة انه ربما جاء تعقيدالتركيبة الدينية للمجتمعية الكردية من هذه التركيبة التي في كثيرمن المواقع والظروف (( تدمج  بين ما هو قبلي وماهو ديني)) لاسيما ان ادركنا (كما سنبينه لاحقا) ان التركيبة القبلية بطبيعتها البنوية الفكرية والسلوكية (( تركيبة جامدة وتقليدية )) وغير ديناميكية متطورة مما يجعلها من اهم عوائق تطورالاجتماع الانساني بما فيه الديني (( غياب الاجتهاد من داخله ))، واذا ما دمج بين القبلي التقليدي وما وبين القداسي الديني صاحب الثوابت فسيصبح لدينا حتما مركبا اجتماعيا معقدا ، وصلبا جدا تتعاور فيه العوامل المناهضة لاي حالة  تطور ، او تقدم لهذا المجتمع يمكن ان تخترق حوامله هذه البنية الاجتماعية ، التي كبلت بالتقليدي التاريخي من جهة وبالقداسي الثابت من جانب اخر !.
لكن ايضا يمكن القول بهذا الصدد ان هناك عوامل اخرى مساهمة في بنية ، وتعقيد (( التركيبة الدينية الكردية العراقية  )) غير عامل القبلية ونظامهاالقيمي المتداخل مع الديني في بنيةهذا الاجتماع هي ايضا من ضمن ((بُنات)) التركيبة الدينية الكردية الفريدة في صفاتها ومميزاتها الحديثة عن باقي (التراكيب الدينية المدينية) للمجتمع العراقي الحديث والقديم بصورة عامة ، ولعل من اهم هذه العوامل :                    
اولا : العامل الجغرافي البيئي الجبلي  .
ثانيا : العامل التاريخي وتراكماته العقدية المتداخلة (( من الزرادشتية الى الاسلام )) .
(( 24 ))
اولا : الجغرافي والديني .
للبيئة الجغرافية  في الدراسات العلمية  الاجتماعية القديمة ، والحديثة (منذ مؤسس علم الاجتماع العربي الاسلامي عبد الرحمن ابن خلدون حتى انتوني جدنز) اهمية تعتبرفي بعض المفاصل البحثية الاجتماعية العامل الاساس في تكوين ، وصناعة وصياغة البنية الفكرية والثقافية والفنية والذوقية والقانونية والقيمية الاخلاقية و .... الخ ، لهذا المجتمع او ذاك !!.
والواقع تثبت الدراسات والتجارب العلميةالاجتماعية وغيرالاجتماعية : (( ان للبيئة الجغرافية ، ومناخاتها المتنوعة ، بالاظافة  لشكل تربتها وتضاريسها الجيلوجية مدخلية مباشرة في صياغة وصناعة بنية حياة الانسان الاجتماعية وبكل ابعادها الفكرية والسياسية والقانونية والفنية والاخلاقية و .... وغير ذالك !!.
فساكني البوادي الصحراوية العربية وغير العربية ( مثلا ) التي تفتقر الى جداول ، او منابع المياه العذبة الصانعة لحياة الزراعة والاستقرار ومن ثم الصانعة لحياة المدنية  التجارية المتنوعة ، هم ليسوا سواء في نمط تفكيرهم الثقافي والعقدي والقيمي ، وكذا السلوكي الاجتماعي مع ساكني ومستقري المدن الحضرية ، الذين يتمتعون بنمط تفكير وهموم معيشية وتطلعات اجتماعية وقيم اخلاقية وقانونية و... الخ مختلفة عن اقرانهم من ساكني ومستقري حياة البادية الصحراوية !.
وهكذا يقال بالنسبة للجغرافية الجبلية النصف بدوية التي تفرض انماط تفكيرها ، وقيمها الاخلاقية ، والسلوكية والقانونية الخاصة بالجغرافية  الجبلية بكل ماتحمله هذه الجغرافيةمن قساوة وصلابة في جبالها وفي مناخها المتقلب شتاءا وصيفا ، وفي مشقة العيش والصراع في داخلها من اجل البقاء !!.
ففي بيئة جغرافية جبلية كهذه وهي تعتبرالرحم الطبيعيةلاجنة المجتمع ومن ثم الحاضنة ، التي سوف تغذي مجتمعها تربويا ، من خلال تاقلم الانسان الفرد  والمجتمع مع ضروراتها الطبيعية لابد ان تفرض على ساكنيها ثقافتهاالتي لاقِبل للمجتمع بالتمردعليها مهما كان هذا المجتمع مختلفا فالمجتمع ( على اي حال )هو وليد بيئته ومرتهن الى متطلباتها وخاضع لعطائها الطبيعي من جهة ، وخاضع لقيمها ومفكر في داخلها من جانب اخر !.
في الاسلام (ممثلا بالقران الكريم ونصه الديني ) ايضا هناك اشارات مهمة سوسيولوجيا  في موضوعة البيئة الجغرافية ومدى مدخليتها في صياغة  ، وصناعة الفكر الثقافي ، والقيمي والقانوني للمجتمع لاسيما بنية الفكر العقدي الديني للمجتمع !.
ففي مثلا موضوعة (( الاعراب)) وهي اشارة قرانية لساكني البوادي الصحراوية البعيدةعن مؤثرات تربية البيئةالحضارية المدينية يتحدث النص القراني عن(عدم صلاحية) ابناء البوادي الصحراوية ومتربيها عقليا وفكريا وثقافيا وقيميا وسلوكيا و ...... الخ ، لأن يعلموا الشريعة القانونية الدينية الاسلامية ،ويعلل ذالك بالقول : (( الاعراب اشدّ كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله والله عليم حكيم / 97 / التوبه )) !!.
فمن صفات المجتمع البدوي الصحراوي(التطرف = الشدة)في الميول والتوجهات النفسية ، والقيمية والروحية التي تفرظها طبيعة الصحراء الجافة والقاسية كما ان من اخلاق الصحراءالبدوية التي تفرضها على ابناءها التكتم  وضبط المشاعر وعدم اظهار ما في داخل الانسان الى خارجه ((النفاق والكفر حسب المصطلح الديني القراني))  وهكذا من صفات الفردوالجماعة الصحراويةالبدوية عدم اهليتهم لادراك مقاصد الشرع الديني بل ( الاجدر = الافضل ، الاليق ، الاخلق) بان لايعلموا ( = اي يبعدوا عن تعليم القوانين الشرعية  كي لايفسدوا مفاهيمها) او لايسقطوا مفاهيم وقيم الصحراء البدوية على مفاهيم القران والقوانين الشرعية  ، فيخرجوا نصوص القانون عن روحها ومضمونها المدني ليعطوها روحا ، ومضمونا  وفهما صحروايا ،  بعيدا عن روح النص المدني التي تخلّقت من رحمه الاجتماعي !!.
اي وبمعنى اكثر دقة  ووضوحا يتحدث النص القراني (سوسيولوجيا) عن (( بنية الفكر الديني الاسلامي )) التي هي بنيةٌ انطلقت او تاسست على (( بنية بيئة اجتماعية حضرية مدنية ، تخلق من رحم مفاهيم هذه البنية المدنية الاجتماعية التجارية الزراعية المستقرة المتنوعة مفاهيم ومصطلحات قوانين الشريعة الدينية الاسلامية ، التي لايصلح فهم اي بيئة اجتماعية سواء كانت  بدوية اوجبلية نصف بدوية لوعيها وادراك مقاصدها القانونية والعقدية والفكرية و..وما يترتب على ذالك سلوكيا !.
ولهذا (نصح) الاسلام بابعاد من لم يكن من ابناء هذه المدنية الزراعية الحضرية التجارية المستقرة (ان يُعلّم او يّعلِم ) حدود ما انزل الله على رسوله من قوانين وعقيدة وفكر وسلوك وادب و...، بسبب ان الانسان وليدوابن ومصنوع بيئته وهذه الحدود الدينية وليدة بيئة مدنية حضرية لايعيها الا ابناء المدن والحواضرالمجتمعية المتنوعة الذين تربوا على قيم المدينة وانماط تفكيرها ونشأوا سلوكيا وعائليا داخل احضانها !.
الخلاصة : ((ان للبيئة الجغرافية ، التي تحيط بالانسان والمجتمع دور اساسي في صناعة هذا الانسان والمجتمع فكريا ثقافيا ودينيا ، وقانونيا وفنيا وسلوكيا وتامليا مستقبليا و..... الخ ، واذا ما اردنا فهم الجغرافية الطبيعية  والاجتماعية ، وعلاقتها بالدين المنتج ، او العكس فهم الدين وعلاقته بالجغرافية ، فعلينا اولا :  دراسة  البيئة الجغرافية ، الطبيعية والمجتمعية التي نشات فيها هذه المفاهيم الدينية  او تلك  لندرك من ثم نوعية هذا الدين المتاثر(مثلا)ببنية الاجتماع الصحراوي بكل مفاهيمه المتطرفة ، واختلافه عن المفاهيم الدينية الجبلية ، التي تميل للتصوف والدروشةواختلاف كلاالفهمين للدين وحدوده وثقافته عن الفهم المدني الحضري الذي يعتبر :  ثانيا انه ((الحاضنة الطبيعية)) لجميع الاديان السماوية والضابط لعدم انحراف فهمها بالشكل الذي ارادته مقاصدها الاولية !.
((25))
ثانيا : العامل التاريخي
....                    
_______________________                                       راسلنا على :
مدونتي فيها المزيد


الخميس، مارس 19، 2015

(( في سوسيولوجيا المجتمع الكردي العراقي / الازدواج الوظيفي لنظام الاقطاع والقبلية )) 8 حميد الشاكر


((21 ))
تكمن صلابه وتعقيدالنظام القبلي الكردي بصورة عامة والنظام القبلي والاقطاعي الكردي العراقي بصورةخاصة في محورين اساسيين هما :
اولا:صلابة الاستمرارية التاريخية  المتصلة لهذا النظام الغير منقطعة حتى اليوم  .
ثانيا:ازدواجية وتعقيدوظائف النظام الاقطاعي القبلي الكردي العراقي .
وقد اشرنا تلميحا في الفصول ، والاقسام السابقة  من بحوثنا هذه حول الشخصية الكردية العراقية على اساس انهاارتكنت لنظام قبلي تاريخيا وحتى يوم الكردهذا(استبد منفردا)في السلطة والادارة لهذه المجتمعية وقيادة البنائية المجتمعية الكردية العراقية فيها لحقب زمانية متوالية لم تلقحها ميكروبات الحضارة الانسانية اوتخترقهامفاعيل هذه الحضارة ( المتقارنة مع وجود نظام الدولة المركزية ) لتضعف بشكل كبير من هيمنة النظام القبلي وتحّكمه في تلك البنائية الاجتماعية !.
والحقيقة ان الذي ساهم في هذه الاستمرارية والانفرادية لسلطة النظام القبلي الجبلي على المجتمعية الكردية العراقية ومن ثم زاد في صلابة هذاالنظام الاجتماعي هوليس حالة فكرية عقلية اوانسانية طبيعية بقدر ماهي حالة بيئية جغرافية ، وظرف مناخي  يفرض نظامه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتربوي و .. على المجتمعية والفرد الكردي لاغير !!.
فالانسان الكردي العراقي هو كباقي ابناء الجلدة الانسانية، ولا يختلف في كفاءاته البشرية في الرقي والتقدم  وحيثما تضع الانسان اي انسان وتهيئ له الظرف البيئي ،  والاجتماعي الحضاري المناسب  فبامكانه ان يبدع  ويطور من الحياة ويثري من حركتها ، ونموها التلقائي وهذا ماحصل بالفعل للانسان الكردي تاريخيا وحتى اليوم عندما ادارظهره او نزل من الجبال الوعرة ، وغادر نظامها  القسري ، ليساهم في بناء الحياة والحضارة والانسان فاصبح الانسان الكردي قائدا سياسيا بارزا كصلاح الدين الايوبي ، او عالما دينيا عقديا فيلسوفا ، كشيخ الاشراق السهروردي (( الذي قتله صلاح الدين / 586 هج )) او اديبا وشاعرا كشوقي او .....الخ !.
فالاشكالية اذا/ حسب هذه الرؤية / ليس في محتوى ، وطبيعة الانسان الكردي العراقي ومضمونه او افتقار هذا الانسان لبعض الجينات التي تساعده على انتاج الحضارة، والتطور والصراع الاجتماعي الايجابي بقدر ما هي في ((النظام الاجتماعي )) الذي تفرضه الجغرافية البيئية الطبيعية  سواء كانت هذه البيئة الطبيعية صحراوية عربية قبلية بدوية تفتقرللقدرة على الانتاج الحضاري المديني اوكانت جبلية قبلية نصف بدوية كردية  !!.
وهذه الحقيقة ، بغض النظر من انها قريبة جدا من روح علم الاجتماع الحديث الذي يرى بان ( النظام الاجتماعي هو ، وليس غيره ) الخالق والصانع الوحيد لكل الوجود الفردي للانسان فكريا، ونفسيا وروحيا و ...الخ في هذا العالم كذالك هي الحقيقة ،التي اشار لها معظم من تناول صلابة محتوى النظام القبلي الجبلي الكردي العراقي ايضا !.
يذكر الانثربولوجي الروسي ( باسيل نكتين ) في كتابه (الكرد ) بان : (( الظروف المناخية ، وتكوين التربة جعلت من الكردي ، منذ سحيق الاجيال مربيا للمواشي وبدويا او نصف بدوي لافلاحا حضريا / ص 35 ))
وهذه الظاهرة العلمية اذا اُدركت بشكلهاالواقعي فانهاستقدم لنا ولغيرنا الوعي التام بماهية صلابة النظام القبلي الجبلي الكردي من جهة وهي ايضا التي سوف تطلعنا على  ماهية استمرارية هذا النظام الاجتماعي الغير قادر على الانتقال الى مرحلة التحضر ، او انتاج بذور وحوامل الحضارة المدينية .
نعم صلابة هذا النظام القبلي عند ارادة بحثها ودراستها تاريخيا وحتى اليوم لا تختصر فقط على صفة : (( صلابة الاستمرارية الزمانية لهذا النظام واسباب وعوامل ذالك فحسب))بل وكذالك هناك محور صلابة وقسوة هذا النظام في فرض منتجاته، وقيمه الفكرية والثقافية والعقدية والاقتصادية والتربوية و....الخ الاجتماعية على الفرد داخله كذالك !.
فهنانحن امام نظام اجتماعي من الصلابة بحيث انه ليس فقط قادرعلى الاستمرارية الزمانية بكل كفاءة  ومرونة ويقاوم (( مثلا مقاومته لاي سلطة مركزية لاي دولة))اي مؤثرات حضاريةخارجية هي بطبيعتها اوسع ، واكثر مرونة من مؤثرات النظام القبلي فحسب ، بل نحن امام نظام يرفض ويقاوم حتى المنتج الطبيعي ، التلقائي الداخلي للجغرافية البيئية القائمة حوله  وينتقص من قيميتها باعتبارها المدخل( او الخطر المحتمل) للتحول لنظام الحضارة الذي هوالكفيل/حسب ما تراه القيمية القبلية الكردية / بالقضاء واضعاف نفوذ ومصالح نظام القبيلة !.
وهذا ما هوقائم فعليا وعمليا داخل  قيمية النظام القبلي الجبلي الكردي والصحراوي العربي على السواء ، الذي ينظر ( بدونية لقيم ) الفلاحة والزراعة والاستقرار والاستسلام للسلام و.....الخ ، داخل اطر النظام القبلي الكردي العراقي الجبلي حتى اليوم !!.
ومع ان ((  نظام الاقطاع )) الزراعي يشكل هو والنظام القبلي نصف البدوي الكردي العراقي (المحارب)عمودا السقف الاجتماعي الكردي ورافعاته بصورة عامة الا ان النظام القبلي البدوي ينظرلنظام الفلاحة والزراعة بنوع من الدونية ، وينتقص عادة حاله في ذالك حال القيمية البدوية العربية من الوجود الزراعي والفلاحي، وحتى الاقطاعي على اساس ان الفلاحة  ورعاتها من الاغاوات الاقطاعيين يقومون بوظيفة ادون من وظيفة المحارب القبلي  ورعاته الجبليين ، وان سكنة وابناء السهل الزراعي المستقراحقر منزلة ، وادون مكانة اجتماعية من ابناء الجبل !!.
وهذا الامرذكره (ويليام هيغلتون ) في كتابه (القبائل الكردية ) كقيمية اجتماعية ورصده ايضا (( نكتين )) في كتابه (الكرد ) كظاهرة بارزة للعيان بقوله : (( والكردي لايتحول الى فلاح الا اذا ارغم على ذالك / باعتبار ان المنزلة القيمية  الاجتماعية القبلية  ترى : ان منزلة الفلاح المستقر ، والكادّ بذراعه  لتحصيل لقمة عيشه ادون منزلةً من المقاتل المتجول النهاب السلاب ، الذي يلاحق رزقه ،  وينتزعه من الاخرين بالقوة انتزاعا )) !!.
ثم يضيف (نكتين) في اشكالية هذه القيمية وصلابتها بالوقوف امام اي اصلاح اجتماعي حضاري محتمل بالقول ((. اما المبادرات الحكومية لتحضير البدو/داخل اطارالمجتمعية الكردية الحديثة / فسوف تصطدم دائما بذهنية الكردي الجبلية التي تحتقر رجل السهل / ص 53 ))   
وهذا ماينقلنا الى بحث ودراسة تعقيد وازدواجية وظائف النظام القبلي والاقطاعي الكردي العراقي بعد صلابته .
(( 22 ))
ان تعقيدات النظام القبلي الجبلي الكردي العراقي تكمن بعكس ( صفة صلابته) باليات عمل (وظائف هذا النظام) الاجتماعية فسؤال : ماهي الوظائف التي قام ولم يزل يقوم بها هذا النظام الاجتماعي والتي تقدمه كضرورة وجودية ، لاستمرارالحياة المجتمعية الكردية تاريخيا وحتى اليوم ؟هو السؤال الذي تكمن في اجابته تسليط الاضواء على تعقيدات هذاالنظام من جهة ولماذية ايضا تمسك المجتمعية الكرديةالحديثة بهذا النظام كذالك من جانب اخر ، بغض النظر عن فكرة ( فرض ) النظام القبلي لنفسه على المجتمعية الكردية تاريخيا وفي وقتنا المعاصر !!.
والواقع اجمعت تقريبا كلمة السوسيولوجيين كرد ومستشرقين وعرب وغيرهم على ان النظام القبلي  العراقي الكردي والاقطاعي الزراعي السهلي قام ، ولم يزل بوظائف تاريخية ، واجتماعية غاية في الاهمية والتعقيد ،  ويمكن تلخيص وظائف هذا النظام ، وكذا  تعقيداته العملية المزدوجة  بالاتي :  
اولا : الوظيفة السياسية .
فقد ذكرالعديد من علماء الاجتماع  الحديث على : ان للنظام الاقطاعي والقبلي الكردي بصورة عامة ، والكردي العراقي بالخصوص الفضل في المحافظة على (الهوية الكردية)  لتاريخ طويل ، بل ان هذا النظام هو الذي قاوم بشراسة كل محاولات تذويب وصهر الهوية الكردية في  باقي الهويات الحضارية المجاورة / فارسية  ، او تركية ، اوعربية / للجغرافية الاجتماعية الكردية  وذالك من خلال ( مقاومة ) هذا النظام القبلي والاقطاعي في الانصياع  للسُلط المركزية  لهذه الدول من جهة  او الذوبان سياسيا او حضاريا او ثقافيا او... في الامبراطوريات التي سحقت اقدامها ومرّت ثقافاتها ولغاتها و... على الجغرافية الاجتماعية الكردية  للعبور من خلال الكرد لغيرهم من جانب اخر !!.
لكن ايضا يذكر علماء الاجتماع انفسهم من جانب اخر : ان هذا النظام الاقطاعي والقبلي الكردي نفسه مع انه قام تاريخيابوظيفة الحفاظ على الهوية الثقافية الوجودية للكرد بصورة عامة  من خلال مقاومته لفكرة الانصياع لمفهوم السلطة المركزية ،ونظام الدولة تاريخيا ، الا انه من الناحية الاخرى شكل اهم الاسباب والعوامل على الاطلاق التي منعت تاريخيا وتمنع حاضرا المجتمعية الكردية من ان تنتقل من ((ادمان ))  فوضى النظام القبلي الاقطاعي الاجتماعي الكردي الى نظام التوحيد الحضاري في صناعة الدولة وسلطتها المركزية !!.          
  بمعنى اخر سياسيا : معروف عن النظام القبلي انه النظام الذي يقاوم بشكل عنيف ( فكرة الدولة الشاملة وسلطتها) القادرة على صهر النظم القبلية في بوتقة واحدة ، واضعاف منتجات قيمها الاجتماعية وصناعة بدلا عنها قيم المدينية التجاري  ونظام المواطنة ، والقانون العام الذي لايعترف بعناوين قبلية او بتشرذمات نسبية !!.
ومن هذا المنطلق تبلور في النظام القبلي والاقطاعي الكردي العراقي تاريخيا وحتى اليوم تصورا اجتماعياوتربويا يرى في الدولة وسلطتها ونظامها وقيمها و ....الخ ، على اساس انه النظام الاخطر على الهوية والوجودالكردي الاجتماعي بصورة عامة والوجودوالنظام الاجتماعي القبلي والاقطاعي بصورة خاصة ، وحتى وان جاءت فكرة الدولة من الكرد انفسهم ((كما حاول تاريخيا بعض قادة القبائل الكردية ، كالقبيلة التي ينتمي لها صاحب كتاب/ شرف نامه/ البدليسي )) كأن تتطلع احد القبائل للهيمنه على باقي الاقطاعيات والقبائل الكردية من ثم لصهرها في قالب اجتماعي موحد يهيئ ((للدولة الكردية)) سبل قيامها وفرض قيميتها الاجتماعية المختلفة عن قيم القبيلة والاقطاع ومصالحها  نقول حتى وان كانت الدولة باسم القومية الكردية ،فان النظام القبلي الكردي سيكون هو اول العوامل  التي تقف بوجه هذه الدولة باعتبار ان قيامها سيهدد مصالح ، ونفوذ باقي زعماء القبائل الاخرين الذين ادمنوا حياة الاستقلال التام عن نظام الدولة ، او الالتزام تجاهها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا و غير ذالك !.
نعم لم يزل يئن بعض السوسيولوجيين الكرد((المتطرفين قوميا))  من حالة التشرذم الاجتماعية الكردية التي ساهمت فيهاولم تزل التناحرات والمصالح القبليةالكردية المتناقضةالتي يعتبرهامعظم السوسيولوجيين غيرالكرد ايضامن انهااهم عامل تاريخي مزدوج لبقاء الهوية الكردية تاريخيا من جهة وتشرذم هذه الهوية وتفتتها من جانب اخر !!.
يتسائل الدكتور (احمد محمود الخليل) في كتابه ( الشخصية الكردية ) في هذا الاطار (متوجعا ايدلوجيا ) عن ما الت اليه المجتمعية الكردية بصورة عامة من تشرذم مجتمعي سببه كما يقول((الذهنية القبلية التي لعبت هي ، وسيكلوجيا الجبال دورا كبيرا في تشرذم المجتمع الكردي وافتقاره الى التماسك / ص 265 )) !.
حتى ان (( الخليل )) يختتم توجعاته الايدلوجية بالقول : (( حتى لكأن ثمة شعوبا كردية وليس شعبا واحدا / ص 266)) !.
ان مايفوت دائما مع الاسف الكتاب، والمفكرين الكرد المعاصرين في تناولاتهم الاجتماعية ( المسيسة ايدلوجيا ) هو انه بالفعل هناك شعوبا كردية  كثيرة ، وليس شعبا واحدا ، وعدد هذه الشعوب التي تعيش في شمال ايران والعراق وسوريا وجنوب وشرق تركيا و ......الخ ، بعدد قبائها ((الستة الاف قبيلة التي عدها اوليا جلبي في القرن السابع عشر وذكرها صاحب/كتاب القبائل والزعامات الكردية في العصرالوسيط / :رزار صديق توفيق/ص 15)) قبل ان ينقرض  بعضها ليعيد النظام القبلي انتاج غيرها من القبائل على نفس القيم والتوجهات !.
 ولا اعلم ( علميا ) من اين جاءت  فكرة الشعب الكردي الواحد للكثير من السوسيولوجيين الكرد المعاصرين مع ان اللهجات اللغوية الكردية متعددة داخل اطار المجتمعية الكردية بتعدد قبائلها ، ولا يجمعها اصل قانوني اومرجعية لغوية واحده (سنتناول هذه الظواهراللغوية والدينية و ..الخ  وكيفية انتمائها للمرجعية القبلية وليس انتماء القبلية للمرجعية اللغوية اوالدينية اوغير ذالك في الاقسام والبحوث المقبلة )) وكذا يقال في التوزعات السياسية والاقتصادية و ..... بالنسبة للمجتمعية الكردية وكيف انها تبعا للقبيلة ونظامها وليس العكس !!.              
ثانيا : الوظيفة الاقتصادية .
وهذه الوظيفة  في الحقيقة قام باعبائها النظام الاقطاعي في المجتمعية الكردية القبلية العراقية تاريخياوحتى اليوم اذا استثنينا اقتصاد الحرف اليدوية من سجادومهن مدنية اخرى تنتعش في المدن الكردية ومع ان هذا النظام حسب ما يصفه الكردولوجي (باسيل نكتين) ب(ان الاقطاع في كوردستان في نهاية القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر اوجدالاقتصاد الطبيعي الذي يعتمدعلى الملكية الخاصة للمواشي وهو من حمى الفلاحين من خطر غزو  العشائر الرحل كما انه  حافظ على كردستان كوحدة متماسكة ضد تسلط الامبراطوريات الغازية و ...الخ / ص 233 )  الا ان (نكتين) نفسه ايضا يلتفت الى ازدواجية الوظيفة لهذا النظام وكيفية تناقضاته  الاقتصادية العميقة ، عندما يعود ليوضح ( بانه رغم اسهام هذا النظام الاقطاعي اقتصاديا ، الا انه تحول بنفسه ايضا الى عائق كبيرامام التطورات اللاحقة للقوى المنتجة في المنطقة . ان الاقطاع الكردي دمرفي الواقع رفاهية المجتمع الكردي لانه ابقى على الاشكال القديمة للاقتصاد / ص 234 ))
وهكذا يقال بالنسبة ايضا للنظام القبلي الجبلي الذي كان يمتهن الحرب والغزو ولم يزل ، اكثر من امتهانه للتفكير في قضايا الاقتصاد وكيفية تطويره الى ما هو اكثر تطورا من اقتصاد   الكفاف الاجتماعي ، فهذا النظام وباعتبار انه فعليا هو الحاكم والمدير للمدن الصغيرة التي نشأة تاريخيا في الجغرافية الكردية العراقية فانه(( وكما طرحه ابن خلدون في مقدمته لسمات النظام القبلي العربي وغيرالعربي)) لايساهم مطلقا في اثراء عقلية التجارة والاقتصاد ،  كما انه غير معني بمنتجات القيم الحضرية والمدينية التي تؤكدعلى اهمية الاقتصادللعمران الاجتماعي وباقي منتجات المدن الحضرية من فنون ، وعلوم واداب و ..... كانت ولم تزل من ضمن منتجات النظام الحضري وليس القبلي !.
ثالثا : الوظيفة الاجتماعية والتربوية .
عندما اراد الانثربولوجي الروسي(( نكتين )) ان يسلط الاضواء على النظام القبلي  ، ومدى تاثيره على الفرد والاسرة ، والمجتمع  الكردي الحديث ، فانه لم يجد وصفا ابلغ من القول : (( لقد علمت الحياة الفرد الكردي ان العالم ملك للشجاع  ، ولولا ان القبيلة  تشكل  مدرسة الفرد الكردي وتعلمه التضحية وخدمة المجموع ،لكانت طباع الاكراد كفيلة بان تفنيهم / الكرد : ص 60 ))
والحقيقة في هذا النص لنكتين وهو يصف اهمية النظام القبلي بالنسبة لحياة الفرد ، والجماعة الكردية ما ينم عن عبقرية هذا الرجل  ووعيه للمجتمعية الكردية من جهة  وعن (عمق هذه الفقرة ) في تحليل الفرد والجماعة الكردية في بدايات القرن العشرين المنصرم من جانب اخر !.
نعم ساهمت الجغرافية الجبلية بكل قساوتها وخشونتها بصقل شخصية الفرد الكردي ، وشحذ همته واستعداده الدائم للصراع  مع الطبيعة من اجل البقاء ،  وهذا بطبيعته ركب في بنية شخصية الفرد الكردي جرأة وشجاعة وتهور واقدام على ركوب المخاطر الصعبة !.
لكن الفرد لايمكن له ان يصبح (انسانا سويا)بغير نظام اجتماعي يمثل له الوعاء التربوي الذي ينقل الانسان ( اي انسان ) من حالة الحيوانية الطبيعية البسيطة القابلة للتلقي، الى حالة الانسانية المعقدة وحسب هذا الوعاءوالنظام الاجتماعي يتعلم الانسان من خلال منظومة الاسره كل مايتعلق بالحياة الانسانية والاجتماعية وقيمها وعاداتها وتقاليدها و .... الخ ، وبما ان الكرد  لخمس وعشرين قرنا ( حسب ما يطرحه محمود الخليل) لم يهيمن على حياتهم غير النظام القبلي وبما انهم لم يخضعوا لنظام الدولة وسيطرتهاالمركزية وبما انهم بجغرافيتهم الجبلية الوعرة لم يالفوا نظام الدولة المدنية ، فمن الطبيعي ان يكون النظام القبلي هو الذي يزرع داخل الفردالكردي القيم الاجتماعيةفي حب الايثار وخدمة المجموع والتضحية من اجل الاخرين و ....الخ ، والا بغير ذالك لكان الفرد الكردي متوحشا ولانقرضت سلالته الاجتماعية منذ زمن سحيق !.
اذاً للنظام القبلي الفضل  في بناء الشخصية الفردية الكردية المعاصرة بصورة عامة وماحب الحريةفي شخصية الفردالكردي وكذا الشجاعة والكرم و ... الا براعم لبذور هذا النظام الذي زرع قيمه بكل ما تحمل الكلمة من زراعة للقيم !.
اما ما يختص ب((الازدواجية الوظيفية لهذا النظام القبلي)) فنفس هذا النظام هو الذي زرع قيمة ان ينتمي الفرد الكردي بكل كيانه وخدماته لقبيلته فحسب ولا علاقة له بعد ذالك بما يعني باقي القبائل والمكونات الاجتماعية الاخرى !!.
وهو النظام الذي بذر بذور العصبية القبلية (( ظاهرة التعصب القومي الكردي هي انعكاس لهذه العصبية القبلية التي اشتغل عليها السياسيون لتحويلها من قبلية  الى قومية لصناعة الدولة الكردية المرتقبة  )) التي توظف كل شجاعة الفرد الكردي  للدفاع عن هذه العصبية لاغير وهو كذالك النظام ، الذي أقلم الفرد الكردي على حب الانتقام والاخذ بالثار واللجوء الى القوة في فض النزاعات الاجتماعية قبل التفكير بالرجوع الى قانون ونظام اخر ، بل انه النظام ، الذي دفع ثقافة القسوة في اخذ الثار ، وجعلها قيمة اجتماعية عليا في فن فض النزاعات ، والحروب القبلية في المجتمعية الكردية القائمة !.
وهو كذالك النظام الذي اعاق التطور المجتمعي الكردي وعجن الفرد الكردي عجنا لان يكون مقاتلا ،  قبل ان يكون متعلما / نسبة الامية لم تزل مرتفعة جدا في المجتمعية الكردية حتى اليوم / اوعالما ، او فنانا او معماريا او تجارا او .. باقي العناوين الاخرى التي تنظر لها القبلية بنظامها الواقعي على اساس انها من منتجات المجتمعات الحضرية او السهلية الساكنة والمستقرة والمسالمة !.
وهكذا مع ان النظام القبلي الكردي تمكن  خلال اكثر من خمسة الاف سنةبان يحافظ على المجتمع الكردي التقليدي من التفسخ الاانه وبنفس الوقت حافظ على ان يكون هذا المجتمع اسياداوعبيدا وتابعين ومتبوع واغا وفلاح و .... لاغير !!.
خلاصة: يمكن لنا ان نصف النظام القبلي والاقطاعي الكردي العراقي وخلال رحلته التاريخية الطويلة مع المجتمعية الكردية ، وما قدمه من خدمات لهذا المجتمع ، وماجلبه وصنعه من كوارث بنفس الوقت على هذا الاجتماع من انه النظام الذي يشبه مادة ((الفورمالين )) الكيميائية التي عادة ما تستخدم ك((مادة حافظة ومعقمة))للحوم والماكولات من التعفن والفساد ، الا انها بنفس الوقت هي احد مسببي مرض السرطان القاتل للانسان !!.                         
_______________________                                       راسلنا على :
مدونتي فيها المزيد