من انا كاتب يمتهن التفكير مع القلم للوصول الى حياة افضل يحكمها العدل

الخميس، أبريل 03، 2014

ماهو المجتمع وتراكيبه الفيزيقية في المدرسة الاجتماعية الكونتيه



عرّف ((اوجست كونت)) المجتمع على انه ((وحدة حيّة ومركب معقد اهم مظاهره التعاون والتضامن / انظر الموجز في النظريات الاجتماعية التقليدية والمعاصرة / ج1/ د . أكرم حجازي )) !.

والحقيقة فان ((كونت)) عندما طرح لنا تعريفا للمجتمع باعتباره ((المادة)) او ((الساحة)) او (( المجال )) ، الذي يعمل عليه ملاحظةً وتجريباً وتحليلا واكتشافا للقوانين من الداخل ... علم الاجتماع الحديث ، فانه من جانب اخر وضع لنا اول لبنة (( لموضوع )) هذا العلم الا وهو (المجتمع) وعرّف لنا هذا الموضوع باعتبار انه (لاعلم بلاموضوع ولا موضوع بلا تعريف ) !!.

ومن هنا لابد من دراسة وبحث البداية ، والتوقف مع هذا التعريف الكونتي للمجتمع لندرك توجهات مدرسة ((كونت)) العلمية الاجتماعية التي التزم بها تلامذته والمنتمين لمدرسته (( دوركايم سبنسر تالكوت ...)) من بعده وكذا رؤيته النظرية والفكرية لماهية المجتمع او شخصيته اذا جاز التعبير الاجتماعي او وجوده حسب التعبيرات والمصطلحات الفلسفية للمجتمع وكينونته ، ولنسأل :

ما الذي قصده (( كونت )) مؤسس علم الاجتماع الغربي الحديث عندما عرّف المجتمع على اساس انه (( وحدة حية )) ؟.

وهل يختلف هذا التعريف الكونتي في منطلقاته وقواعده ورؤاه .... للمجتمع وما يترتب على هذا التعريف من بناءات فكرية وعلمية وقانونية .... عن ملاحظة تعريفات اخرى لنفس هذا المجتمع ولكن من خارج سياقات المدرسة الاجتماعية الكونتية تعتبره (( وحدة اعتبارية مركبة )) او (( وحدة صناعية )) او (( وحدة اقتصادية )) او (( انه مجموعة من البشر الذين يعيشون في وقت وتاريخ معين )) ؟.

ام ان تعريفات المجتمع لاقيمة علمية وفكرية ومنهجية .. لها في مجمل العلم الاجتماعي سواء كانت تعريفات كونتية ام كانت تعريفات هيجلية (( منسوبة لهيجل الفيلسوف الالماني المعروف )) او نفعية جيمسية (( نسبة الى وليم جيمس عالم النفس الامريكي البراغماتي النفعي الشهير )) او غير ذالك ؟؟.

بمعنى اخر : عندما طرح (اوجست كونت) من ضمن تعريفه للمجتمع على اساس ان ((اهم مظاهر هذا المجتمع الحي والمعقد هو التعاون والتضامن)) فهل لهذا المنطلق في تعريف المجتمع ومركباته ومظاهره ، دلالات علمية وانعكاسات منهجية تختلف حتما ، وبطبيعة التأسيس عن منطلق وتعريف ((هيجل / مثلا)) ومن بعده لمركب المجتمع عندما يعرّف المجتمع على اساس انه مركب قائم على قانون الديالكتيك واهم مظهر من مظاهره الاجتماعية هو الصراع الطبقي حسب الفهم الماركسي للمجتمع وقوانينه الداخلية ، او حسب مدرسة الصراع الاجتماعية الامريكية ؟.

أم انه لا قيمة علمية ولا منهجية ولا استنتاجية ومن ثم لا دلالات فكرية ونتائج عملية لهذا الاختلاف في التاسيس وفي التعريف وفي المنطلقات ؟.

اولا : المجتمع وحدة حيّة .

في منطلقاته الفكرية الفلسفية الوضعية وكذا الاجتماعية العلمية يرى (كونت): ان للمجتمع كينونة مستقلة حية عن الفرد وان الفرد داخل المجتمع لا كما يعتقده البعض من المفكرين : ان له الاصالة قبالة اعتبارية المجتمع لاغير ، بل لاوجود لشيئ في الخارج او الداخل الاجتماعي اسمه ( فرد) مقابل المجتمع ، بل فقط ماهو موجود هو المجتمع فحسب ، ولهذا المجتمع حياة ومشاعر وتوجهات وميول وتطلعات وموت وولادة وتاريخ وسنن وقوانين ......الخ كلها تنعكس على الفرد لتهبه وجوده وشخصيته وفكره وميوله .... وغير ذالك !!.

بمعنى اخر اوضح : طُرح قبل ((اوجست كونت )) وبعده في الابحاث الاجتماعية القديمة والحديثة التي تتناول وجود المجتمع وتراكيبه وهيئته وشخصيته .. قبالة الفرد اربع نظريات قيمة في مجال الاصالة والاعتبارية ((بين الفرد والمجتمع)) يذكرها تفصيلا الفيلسوف الاسلامي الكبير محمد حسين الطباطبائي في تفسيره القيم ويختصرها بعمق المفكر الاجتماعي تلميذه الشهيد السعيد مرتضى مطهري في كتابه (( التاريخ والمجتمع )) مفادها :

اولا : النظرية القائلة بالاصالة المطلقة للفرد وان المجتمع او ما يسمى بالمجتمع ماهو الا امر اعتباري حاله حال (( الملكية والدولة ...)) التي ينتزع مفاهيمها العقل الانساني من الوجود الفردي ليصوغ لها وجودا اصطلاحيا ويرتب على هذا الوجود الحقوق والواجبات والالتزامات .... ولكن تبقى حقيقة هذا الامر الاعتباري ليس لها وجود واقعي ولا قانون ولا سنة ولا حياة ولا شعور ولا موضوع ولا دراسة .... انما ماهو موجود فعلا وواقعا هو الفرد ، وهو منفصل ومستقل عن شؤون الاخرين !!.

ثانيا : النظرية التي تقول ايضا باصالة الفرد على المجتمع في الوجود والفعل ، لكنها تعتبر للمجتمع نوعَ مركبٍ ( فيزيائي ) او (غائي) يعتبر ان الغايات التي يتمكن المجموع من الوصول اليها بكافة اجزائه ( الافراد ) لايمكن للفرد الوصول اليها في هذه الحياة بمفرده ولهذا تبقى الاصالة للفرد ولكن للمجتمع مركب ثانوي او غائي او فيزيائي لاغير !!.

ثالثا : النظرية التي تذهب الى اصالة الفرد والمجتمع وتقول ان للمجتمع وجودا مستقلا وكذا سيرا وحياة وسنة وقوانين وشعورا وشخصية مستقلة عن الافراد لكن لا على اساس اعتبارية الفرد قبالة هذه الاصالة للمجتمع بل ايضا للافراد اصالتهم ووجودهم المستقل داخل دائرة المجتمع ، ولكلٍ من المجتمع ، والفرد اصالته ووجوده المختلف عن الاخر ، فبينما يكون جانب (( الافكار والنفسيات والعواطف والميول والارادات والثقافات ... والمصير المشترك )) حيز الاصالة فيه للمجتمع تبقى الجزئيات الفردية مستقلة ايضا ولاعبة دورا اصيلا قبالة تركيبة المجتمع فكل (( مواهب الافراد وميولهم ومناشئهم وابداعهم وثرواتهم..... )) تبقى هي الجزئيات المكونة للكل الاجتماعي وما بين المجتمع وافراده من تفاعلات الا كما بين اي الاجزاء الاصيلة وكلياتها من مركبات وكما ان لا كلية الا بمركباتها الجزئية ،كذا لاجزئيات بدون مركباتها الكلية ، فبينما مواهب وقدرات وفاعليات الافراد متنوعة وهي التي تخلق روح المجتمع وثقافته وشخصيته وحياته ، كذا هو المركب الاجتماعي الذي يصنع الافراد وميولهم وتوجهاتهم ...الخ ، والفرق هنا في هذه النظرية انه ربما يموت الفرد لكن روح المجتمع باقية ،وكذا ربما يموت المجتمع وشخصيته وفعله وتاثيره .... لكن يبقى الافراد بماديتهم وجنسياتهم وتمتعهم بقدراتهم الفردية على حالها !!.

رابعا : وهي النظرية التي تقول بالاصالة المطلقة والكلية للمجتمع ، وما الفرد الا جزء ليس له اي وجود او حيثية او كينونة او حياة او واقع او انسانية ... بدون المركب الاجتماعي ، فالفرد ينحل تماما كالانحلال الكيميائي او التغير الكيفي بعد التراكم الكمي في مركب المجتمع الجديد ليكون هناك المجتمع وحده بحياته بهيئته هو الوجود الواقعي والحقيقي لاغير ، وما الافراد الا جزئيات تختصر ادوارهم في انهم المواد الاولية او الجزئيات الضرورية لصناعة مركب المجتمع ، وحال الافراد في ذالك حال ( مثلا )) ذرات الاوكسجين والهيدروجين التي تكوّن مركب الماء بعد تفاعلهما بعضهما مع البعض الاخر لتنحل هذه الجزئيات وينتهي عملها ووجودها وواقعيتها ، ولتبقى الواقعية لمركب الماء فحسب !!.

فالفرد في هذه النظرية لاوجود حقيقي له اذا لم ينخرط في الكلي الاجتماعي ليهبه شخصيته وكينونته وشعوره بوجوده الانساني كما ان الفرد الانساني في هذه النظرية كله هو مجرد (روح حيوانية محضة) فقط لها (قوة القابلية) لتتلبس بالروح الجماعية المهيمنة على الافراد !!.

اي ان الانسان الفرد قبل الاندراج في سلك المجتمع ليست له هوية انسانية ، بل هو استعداد محض له قابلية التلبس بالروح الاجتماعية فهو (انسان بالقوة) وتبرز انسانيته وشعوره بهذه الانسانية عندما تندرج تحت اطار الروح الاجتماعية ،فالمجتمع هو من يجعل من شخصية الافراد شخصية انسانية ولها ميول ووجود انساني واقعي ، والفرد بغير المجتمع لايمكن قبول اعتباره شيئا وجوديا حقيقيا فضلا عن ان تكون له اصالة وواقعية ووجودا انسانيا معترفا بادميته !!.

والحقيقة ان هذه النظرية الرابعة هي ما اسس لها مؤسس العلم الاجتماعي الحديث (اوجست كونت ) في مدرسته الاجتماعية ومع اننا نميل مع رؤية المدرسة الاسلامية في رؤيتها الاجتماعية التي تتبنى توجهات النظرية الثالثة في ((اصالة الفرد والمجتمع )) ونختلف في كثير من التوجهات الاجتماعية العلمية لرؤية (كونت) هذه، لكن تبقى مدرسة كونت الاجتماعية هي التي استطاعت ان تصوغ النظرية الاجتماعية الحديثة ولها قدم السبق الذي تاتي بعده كل النظريات الاجتماعية اليوم ، وطبعا بعد النظريات القديمة لمؤسس هذا العلم الاجتماعي عالم العمران العربي الاسلامي ابن حلدون !!.

نعم الآن يمكننا فهم وادراك ابعاد تعريف (كونت) للمجتمع ولماذية طرحه على اساس انه (( وحدة حية )) وماهية هذا التعريف ومنطلقاته النظرية واختلافه الجذري عن باقي التعريفات الاخرى في باقي مدارس علم الاجتماع الباقية !!.

فالمجتمع (( وحدة حية )) بهذا المنظور الذي يؤسس لرؤية ليس فيها الا الوجود الاجتماعي لاغير وهو منظور مختلف تماما عن المنظورالفردي والذي يرى في الفرد انه اصيل في الوجود وما المجتمع الا كائن اعتباري انتزاعي ذهني لاغير والاختلاف (في الحقيقة) في هذه الرؤى حول الفرد والمجتمع لاتقف فقط عند الرؤى النظرية للمجتمع والفرد او للعلم الاجتماعي بصورة خاصة ، بل انها اختلافات (( تأسيسية )) في البناء الاجتماعي القائم ، يعتمد عليها فيما بعد البناءات القانونية التشريعية او الاقتصادية او التربوية او السياسية ... كذالك في ادارة وبناء اي مجتمع قائم !!.

اي ان القانون (مثلا) عندما يعتمد على رؤية تؤمن بان الاصالة والوجود الحقيقي هو للمجتمع وحده ، فانه لايمكن ان يشرّع اي مادة قانونية تحاول تنظيم ادارة المجتمع تخالف في توجهاتها وماهياتها مصالح المجتمع العامة ، وهذا بخلاف ما اذا اعتمد القانون ومنظريه والقائمين على تطبيقه على نظرية اجتماعية تؤمن بالاصالة والحياة للفرد على حساب اعتبارية المجتمع ،كما هو حاصل في الرؤى (( الليبرالية الراسمالية الحديثة )) التي تؤمن باصالة الفرد على حساب اعتبارية المجتمع ،فان القانون وهيئاته الشرعية والاقتصاد وبناءاته التخطيطية والتربية وتطبيقاتها التعليمية والسياسات واذرعها التنفيذية .... ستتجه بكل ثقلها لدعم الفرد واصالته على حساب المجتمع ومصالحه ووجوده !!.

ومن هنا ولادراك (( كونت )) تبعات التأسيس في الفكر والعلم الاجتماعي ، ولايمانه المطلق بالمجتمع ك((وحدة حية )) لها وجودها المستقل ، ولها مصيرها ولها كينونتها المستقلة حذر بشدة وقوة في اطروحته الاجتماعية وحتى الفلسفية على : (( ان اكبر جريمة لا اخلاقية يقترفها اي مفكر او مقنن او مشرع او منظر ... هو ان يعتقد بشئ اسمه فرد مقابل المجتمع )) !!.

اي بمعنى اكثرعلمية اجتماعية ينعكس على المنهجية الوظيفية لعلم الاجتماع كما كان يراها (تالكوت) هو: ان النظر للمجتمع ينبغي ان يكون بكلية حتى في مناهج البحث الوظيفية في علم الاجتماع ، فمن الخطأ تفسير ظواهر الكل الاجتماعي من خلال دراسة ظواهر جزئية ، او اسرية بداخله ، بل المفروض هو العكس في اخذ الكل الاجتماعي بظواهره العامة ، لتفسير وتحليل وقراءة الجزئيات بداخله !!.

ثانيا : مركب معقد اهم مظاهره التعاون والتضامن

كما ان (( اوجست كونت )) كان يعرّف المجتمع على اساس انه (( وحدة حية )) فانه كذالك كان يرى هو ومن بعده من الاباء الحقيقيين للعلم الاجتماعي الحديث (دوركايم سبنسر تالكوت ..) على ان هذه الوحدة الاجتماعية الحية تقوم على مبدأ وقانون وقاعدة (( التعاون والتضامن )) والتعاون والتضامن ايضا هما اهم ظاهرة من ظواهر المجتمع بصورة عامة والحديث بصورة خاصة !!.

والتعاون والتضامن للوحدة الاجتماعية في فكرمؤسس علم الاجتماع الحديث ليس هو مفهوماوعظيا ناتجا من ايدلوجيا اخلاقية او سياسية ((لما ينبغي ان يكون )) بل انه مبدأ ومبنى اصيل من مباني الاجتماع الانساني المعقد الحديث والقائم على فكرة :(( تقسيم العمل وتوزيع الوظائف الاجتماعية )) التي تفرضها متطلبات اي (( مجتمع معقد ومركب)) لاسيما المجتمع مابعد الصناعي او المجتمع الحداثي الذي دخلته الماكنة الصناعية والعلوم التكنلوجية الحديثة التي غيرت من نمط الحياة الاقتصادية والتجارية والسياسية والثقافية ... ومن ثم المفاهيمية والقانونية والتخطيطية للمجتمع فالمجتمع بعد الصناعة ليس هو المجتمع الزراعي ماقبل الحداثة والصناعة في فكر (( كونت ودوركايم وسبنسر ...)) كما ان المجتمع ان اريد له ان يأخذ دورته بحالة ديناميكية متطورة فلابد ان ينطلق ويرجع لقاعدة (تقسيم العمل وتوزيع الوظائف) باعتبار انها اهم مظهر من مظاهر المجتمع الحي عند (كونت) او باعتبار ان ((التعاون والتضامن = تقسيم العمل وتوزيع الوظائف )) حسب رؤية كونت او (( التجانس )) حسب مصطلح ((دوركايم)) الاجتماعي هو ((الرابطة المكونة للوجود الاجتماعي والدافعة لتطوره واستمراره في الوجود)) وبغير هذه الرابطة ينفرط عقد المجتمع ، وينزلق الى حالة صراع مدمرة للوجود الاجتماعي !!.

نعم بعدما طرح ((كونت )) تاسيسه للعلم الاجتماعي الحديث وضمنه رؤيته الكاملة نحو المجتمع ككل جاءت من بعده فلسفات ورؤى ، وتوجهات اجتماعية نسجت على غير الرؤى والقواعد (( العلمية الاجتماعية )) التي اسس لها اباء علم الاجتماع الحديث ، فبرزت رؤى وتوجهات (( ايدلوجية سياسية اجتماعية )) تتبنى قاعدة (( الصراع الاجتماعي )) باعتباره اهم ظاهرة من ظواهر المجتمع المركب والحديث !!.

وفي هذا الصدد برزت الفلسفة ((الهيجلية )) في الديالكتيك كممون اصيل لرؤى وتصورات هذه المدارس الايدلوجيه (( لا اتمكن من تسميتها الاجتماعية بسبب فقدان الرؤية العلمية من داخلها )) التي من اهمها طبعا المدرسة المادية الماركسية التي رأت : ان القاعدة الاساسية للبناء الاجتماعي هي العامل الاقتصادي وان الظاهرة الاهم للمجتمع الحديث والقديم هي ظاهرة الصراع الطبقي القائم بين القوى العاملة من جهة والقوى الراسمالية من جانب اخر !!.

بل ورأت او قررت هذه المدرسة المادية الماركسية : ان هذه الظاهرة هي الاساس الفعلي لحركة وتطور وديناميكية المجتمع ، ولا تطور ولا ديناميكية للمجتمع الا من خلال عملية الصراع التي هي انعكاس لمجال تطور وسائل الانتاج الاقتصادية هذه !!.

بعد ذالك كان لعالم الاجتماع الالماني (رالف داهرندوف) وظيفة التنظير لرؤية اجتماعية قائمة على(نظرية الصراع الاجتماعي ) ، وسرعان ما انتقلت هذه الرؤية الاجتماعية لتسيطر نظريا وليس عمليا (( وهذا من غرائب الامور )) على المدرسة الاجتماعية الامريكية من الخمسينات حتى نهاية السبعينيات التي انغمست اكثرفاكثرلدعم هذه التوجهات الاجتماعية ومناهجها الايدلوجية السياسية ومناهضة مناهج علم الاجتماع الكونتية والدوركامية في المنهج الوظيفي للظاهرة الاجتماعية !!.

والحقيقة ان الاختلافات بين النظرية الاجتماعية الكونتية في جميع مدارس علم الاجتماع الحديثة ، وبين نظرية الصراع الايدلوجية الشيوعية الماركسية ليس هو اختلاف في توجهات النظرية الى مركبات الاجتماع وبناه الواقعية فحسب ، بل انه اختلاف (( علمي تاصيلي )) بالاساس ، وهو الفارق (( حسب الرؤية العلمية لعلم الاجتماع الحديث )) بين العلمي الذي يبحث داخل وحدة المجتمع عن ماهو كائن وموجود من قوانين يمكن بناء تحليل واقعي وعلمي لظواهر الاجتماع على اساسها ، وبين ماهو (( ايدلوجي سياسي )) يبتغي ويهدف الى صناعة (( ما ينبغي وجوده )) بغض النظر عن ماهو كائن فعلا وواقعيا داخل هذا الاجتماع !!.

بمعنى : ان الفارق حسب الرؤية الاجتماعية لعلماء الاجتماع المحدثون بين ان يكون (( للمجتمع )) علم ومنهج يختص بدراسة هيئته ، وبين ان يظل المجتمع مادة للبحث (( الفلسفي او الادبي او النقدي او .... )) بدون اليات ومناهج علمية ، هو ان يكون علم الاجتماع ((علما موضوعيا )) يبحث في هيئة ووحدة المجتمع كما يبحث عالم الكيمياء او الفيزياء او البيلوجيا او الفيسلوجيا .... في مواضيعها الوضعية الواقعية ، فهذه العلوم :

اولا : تبحث عن القوانين التي تسيّر مجالاتها الخارجية ، وتضبط من ايقاعات حركاتها الطبيعية او الفيزيائية او الفسلجية او ... غير ذالك .

ثانيا : بعد ان تكتشف هذه العلوم ماهية القوانين الكونية او الطبيعية او الطبية ( مثلا ) داخل الفسلجة الانسانية ، عندئذ تدرك طبيعة حركة وعمل هذه النظم داخل هذه الظواهر العلمية ، مما يؤهلها لتشخيص اي حالة خلل تكسر من هذه القانونية الداخلية للظواهر الطبيعية ، او يؤهلها لادارة هذه القوانين والهيمنه على عملها واستثمار معطياتها القانونية لتطويع هذه القوانين ومن ثم الاتكاء عليها في صناعة المعجزات العلمية التي لولا ادراك وفهم عملها كما هي واقعيا لما امكن استثمارها والاتكاء على معطياتها علميا !!.

وبهذا تميز التفكير العلمي الحديث عن باقي مناهج التفكير اللاعلمية التي تعتمد ليس على الواقع كماهو قائم وبكل ما يحمل من قوانين وظواهر ولتستلهم من ثم من هذه القوانين ما يعينها على فهم الظواهر وكيفية تحليلها حتى الوصول الى النتائج والمعالجات الناجعة لها ، بل تعتمد على الفكر الايدلوجي المسيس او الاخلاقي الذي يهدف الى قراءة الواقع كما ينبغي ان يكون وليس كما هو كائن !!.

بمعنى اوضح : ان علماء الاجتماع ادركوا ان هذا العلم الذي يريد ان يكون موضوعه المجتمع ، لايمكن ان يكون له ((صفة العلم)) اذا لم يتجرد من الرؤى الايدلوجية النظرية المسبقة ، ويتحول الى دراسة وبحث المجتمع بموضوعية على اساس انه مجال كباقي المجالات العلمية الاخرى من فيزيائية وطبيعية وكيميائية ... حتى بيلوجية وذرية وغير ذالك من باقي المجالات العلمية ، التي تحاول بحث مواضيعها من خلال اكتشاف قوانينها الثابت منها والمتغير ، والا بغير هذه الرؤية لايصبح هناك اصلا ((علما للمجتمع)) لان المجتمع الانساني لم يتأهل ليكون ((مادة علمية)) الا بعدما ادرك علماء الاجتماع ان في داخله قوانين تتحكم في سيرورته الفردية والاجتماعية وهناك بنى ثابتة يمكن الاعتماد عليها كقوانين حالها في ذالك حال قوانين الفيزياء والكيمياء والبيلوجي ... في عالم الكون والطبيعة والانسان ، وينبغي تناولها ودراستها والتعامل معها كما هي موجودة لاكما ينبغي ان يتصورها وهما الفكر الانساني من الداخل !!.



في الفكر الايدلوجي الماركسي يدرس المجتمع على اساس ما ينبغي ان يكون عليه هذا المجتمع من صورة وليس يدرسه على ماهو عليه واقعيا موضوعيا ، ولهذا اطلقنا على الرؤية الماركسية انها رؤية لاعلمية في مجالها الاجتماعي ، ليس لانها بعيدة عن تاسيسات علم الاجتماع الحديث فحسب ، بل لانها كذالك تدخل على دراسة المجتمع او الاجتماع الانساني وهي محملة بنظرية مسبقة تحاول خلق صورة فكرية وذهنية لما ينبغي ان يكون عليه هذا الاجتماع وهذا ما دفع هذه الرؤية للايمان ب(( ضرورة ايجاد وخلق حالة الصراع هذه داخل المجتمع قبل ان يكون الصراع قانونا يحكم بنية الاجتماع الانساني تاريخيا واقعيا )) وطبعا ايجاد وخلق حالة الصراع الطبقي الاجتماعي هذه كانت من اجل الوصول الى عملية التغيير السياسية بداخله لرؤية المدرسة الماركسية الشيوعية : (( ان التغيير ثمرة حتمية لحالة الصراع الاجتماعية ، وكلما كان الصراع حادا ودمويا كان التغيير اسرع وتيرة وانضج صورة )) !!.

وهذه الرؤية الايدلوجية السياسية الماركسية بعكس تماما الرؤية العلمية بصورة عامة التي ترى في الظواهر الكونية والظواهر الطبيعية وهكذا الظواهر الاجتماعية انها محتكمة الى قوانين ثابتة وينبغي لاي علم يحاول ادراك واقعها ان يدرس هذا الواقع كما هو موجود بكل بناه وقوانينه وثوابته ومتغيراته لاكما ينبغي ان يكون ذهنيا وفكريا وتصوريا ، لان الظواهر الطبيعية او الكونية على اية حال لاتخضع قوانينها وظواهرها للامزجة النظرية او الاخلاقية او السياسية بل انها تعمل وفق قوانين ومحركات واقعية وضعية لاغير !!.

وهكذا الرؤية العلمية لعلم الاجتماع بصورة خاصة والذي عندما بحثت داخل بنية الاجتماع الانسانية تاريخيا وحتى اليوم ، وجدت انها بنية قائمة على مجال (( التعاون والتكامل والتضامن )) الاجتماعي الذي هيئ للمجتمع الاستمرار والتطور الاجتماعي بل ورات المدرسة الاجتماعية الحديثة : (( ان التعاون والتضامن وتقسيم العمل وتوزيع الوظائف )) داخل اي مجتمع هي الظواهر الطبيعية والقانونية لصناعة اي تطور ديناميكي وتكامل ونماء اجتماعي ، وليس (( الصراع الطبقي )) هو المنتج الطبيعي لخلق حالة من التغيير والتطور الحتمي ، بل ان (( الصراع الاجتماعي )) في عرف المفاهيم الاجتماعية العلمية ماهو الا عملية (( تدمير واستنزاف طاقة انسانية واعاقة )) واقعية لاي تطور اجتماعي طبيعي يعتمد بكليته على تراكم الخبرة والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي .... وغير ذالك !.

اذا نحن هنا امام رؤيتين (( للمتغير الاجتماعي )) :

الاولى : التي تنتمي للمدرسية العلمية الاجتماعية التي ترى عملية التغيير وقانونها الاشمل تاريخيا وانسانيا ماهي الا تراكم كمي اجتماعي ايجابي ياتي من خلال (( التعاوت والتكامل والتضامن والاستقرار .... الاجتماعي )) وتقسيم العمل وتوزيع الوظائف !!.

والثانية : وهي الرؤية المنتمية للمدرسة الصراعية الاجتماعية الايدلوجية الماركسية ، التي رات ان التغيير والتطور الاجتماعية عملية ايضا تراكمية لكن من خلال عملية تناشز وصراع طبقي داخل المجتمع !!.

وشتان بين رؤية تنظر لقوانين المجتمع الداخلية المحركة للتطور الاجتماعي على اساس انها هي التعاون والتكامل الاجتماعي ، وبين رؤية تنظر لقوانين المجتمع الداخلية المحركة للتطور والتغير الاجتماعي على اساس الصراع وتدمير الاخر كقانون اوحد لكل عمليات التغير والتطور التاريخية والاجتماعية الانسانية تاريخيا وحتى اليوم !!.

وهذا الشتات بين الرؤيتين الاجتماعية العلمية والايدلوجية الصراعية لايختلف في مفاهيم (( تطور المجتمع وحركته )) فكل من المدرسة الاجتماعية العلمية والاخرى الايدلوجية السياسية تؤمن بهذه الحركة كقانون داخل المجتمع ، لكن الاختلاف في فهم وادراك عوامل واسباب هذا المتغير او المتحرك داخل المجتمع وبناه الواقعية !!.



______________________

alshakerr@yahoo,com

مدونتي ( حراء ) تتشرف بزيارتكم للمزيد

http://7araa.blogspot.com/



 

الاثنين، مارس 17، 2014

(( تمهيد في نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 2/2

(( تمهيد في نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 2/2 حميد الشاكر




ثانيا: احتكاك ابن خلدون بعالم السياسة ومتغيراتها وهمومه بدراسة ظاهرة الدولة .

ان من اهم العوامل التي ساهمت بانشاء علم الاجتماع العربي ، بعد عامل اشتغال ابن خلدون بمهنة علم التاريخ هو عامل : (( احتكاك ابن خلدون المباشر بعالم السياسة من جهة، واهتمامه بدراسة ((ظاهرة الدولة)) داخل المجتمعات الحضرية العربية وغير العربية البشرية من جانب اخر)) !!.

ولعلها ليست صدفة ان يكون مؤسس علم الاجتماع العربي الاسلامي (( عبد الرحمن ابن خلدون )) ، وكذا مؤسس علم الاجتماع الغربي الحديث ( اوجست كونت ) هما من المحتكين ، والممارسين بصورة مباشرة لعالم السياسة والدارسين بنفس الوقت وبعمق لظاهرة الدولة !!.

فابن خلدون ، وكما هو المعروف تاريخيا التحق، ومنذ بواكير شبابه بسلك وظائف الدولة في المغرب والاندلس فشغل منصب ( كتابة السر) في بلاط بني مرين في بداية حياته 750هج /في المغرب العربي كما وشغل منصب خطة المظالم ، وبعدها السفارة في الاندلس.... نهاية في تولي سدة قاضي القضاة في مصر !!.

وهكذا (( كونت )) مؤسس علم الاجتماع الغربي الحديث ، الذي بدأ حياته كطالب حركي سياسي مساهم بالمطالبات والاضرابات الطلابية ، وبعدها كسكرتير للسياسي الكونت والفيلسوف (( كلود هنري سان سيمون )) الذي اشترك مع ((كونت)) بوضع ((خطة العمليات العلمية اللازمة لاعادة تنظيم المجتمع)) واستمر مع الحياة السياسية الفرنسية والاوربية التي تشكلت فيها ((مفاهيم الدولة القومية الحديثة)) وما لهذه الدولة من تداخلات مع المجتمع الصناعي الحديث ، حتى ذُكر ان كونت كان يطلق تسمية (( علم الدولة )) على ((علم الاجتماع الحديث)) باعتبارانه لايمكن للدولة الحديثة ان تتطور وتنجح بدون اتكاءها على دراسات وابحاث ونتائج علم الاجتماع من جهة ولا يمكن لعلم الاجتماع الامبيرقي ان يتطور بدون معطيات ووثائق الدولة ومؤسساتها القائمة من جانب اخر !!.

والحق ان اشتغال كل من((ابن خلدون)) في عالم السياسة بعد تاهيله علميا وتاريخيا وفلسفيا ....، وكذا (( كومت )) في نفس هذا المجال ، هيئ لكلا الفيلسوفين المؤرخين ان يطلعا على (( المجتمع وحركته )) بصورة اشمل وادق واكثر بحثا في المفاصل الدقيقة لهذه المجتمعات وكيفية حركتها ومن ثم رصد عوائدها واعرافها واخلاقها وتغيراتها بشكل اشمل !!.

بمعنى اخر: انه لايمكن لاي باحث ، او دارس لنشأة علم الاجتماع العربي الاسلامي او الغربي الحديث ان يدرك الماهية والاسباب الواقعية والعوامل الاجتماعية ، التي ساهمت في ولادة وانشاء هذا العلم (علم الاجتماع) قديما وحديثا ، اذا لم يستطع الربط بين علاقة ( المؤسس) هذا الفيلسوف الفكرية وما للفلسفة من دخل في بناء وولادة العلوم بصورة عامة وبين اشتغال هذا الفيلسوف بعلم التاريخ ، (لاطلاعه على حركة المجتمعات من الخارج) ثم احتكاكه بعالم السياسة وشؤونها (ليلم بحركة ومفاصل المجتمع من الداخل) وبهذا تتم له الصورة ويتم له التصور المتكامل الذي يضطره لصناعة علم يدرس ويهتم ويبحث ويحلل ويعالج و... في هيئة المجتمع وماهية تغيراتها وعوامل حركتها ودعائم ثباتها ومستقراتها !!.

وهذا بالفعل ما وقع لكلا الفيلسوفين ((ابن خلدون وكونت)) وهذا بالفعل ما صادف كلا المفكرين من ظروف وملابسات اجتماعية وتاريخية وسياسية احاطت بحياة كلا المؤسسين لهذا العلم !!.

(ابن خلدون) حيث بشرّ ، ودعى لهذا العلم في مقدمته و ( اوجست كونت) حيث ايضا دعى ، وبشر بولادة علم للاجتماع تفرضه ((ظروف المرحلة التاريخية والصناعية الحديثة )) للعالم الانساني !!.

فابن خلدون الفيلسوف والدارس للتاريخ والمتخصص بكل مفاصله لاسيما منها العربية الاسلامية اطلع بشكل دقيق وتفصيلي على حركة هذا التاريخ وتغيراته وتقلباته السياسية ومن ثم هو امتلك الرؤية النظرية والخارجية لحركة المجتمعات مسطرة امامه من خلال النقل التاريخي لها !!.

لكن هذه الرؤية التاريخية ، ومهما تخصصت بتقلبات الشعوب والامم تبقى خارجية او حضارية وليست محلية ، وبعيدة عن روح المجتمع من الداخل مباشرة ، وهي وان سردت تطورات المجتمعات من الخارج الا انها ( مع ذالك ) تبقى بعيدة عن بواطن المجتمع من الداخل ، او الاحتكاك بصورة مباشرة معه !!.

وهنا ياتي دور (علم السياسة) الذي درسه ايضا ابن خلدون ومارسه بشكل عملي في حياته الاجتماعية ، والذي هو ((نظرية علم ادارة المجتمع)) من الداخل سياسيا واقتصاديا وتربويا وقانونيا اولا وقبل ان تكون علما لادارة الدبلماسية والدفاع والحرب ..... مع الخارج ثانيا ، لتطرح ( هذه النظرية السياسية ) امام ابن خلدون خريطة تشريح كاملة لكل معامل انتاج المجتمع من الداخل ولكل مفاصل المجتمع (( المتحرك والثابت منها )) باعتبار ان السياسة لاسيما في عصر((ابن خلدون)) كانت احد مهامها الرئيسية مراقبة ورصد بنية المجتمع العربي قبليا وحضريا وتحليل جميع الاذرع المتحركة او الفاعلة او المستقرة ، او المضطربة .. داخل المجتمع العربي الاسلامي انذاك وعلاقة (ذالك كله) المباشرة باستقرار السلطان وسلطته او الحكم او الدولة وامنها واستمرارها !!.

وبهذا توفر (لابن خلدون) كل ما يلزم من ادوات تفكيراجتماعية ( تاريخية وسياسية ومجتمعية ) تفرض نفسها عليه كعلم مستقل بنفسه ، منفصلة اولا عن ادوات علم التاريخ الذي امتهنه لكن ليس بعيدة عنه ومنفصلة ثانيا عن ادوات علم الاخلاق او السياسة لكن ايضا ليس بعيدة عنه وهذا الفصل في تفكير ابن خلدون نفسه هو ما يستطيع ان يشرح لنا بوضوح ماهية التداخل والتفاصل العميقة بين التاريخ وظاهرة الدولة في (مقدمة ابن خلدون) من جانب وبين علم العمران العربي من جانب اخر !.

ولا يمكن لباحث ان يدرس علم العمران العربي(عند ابن خلدون)في نشاته وولادته ، اذا لم يلحظ هذه العلاقة العضوية في فكر هذا الرجل بين علم التاريخ ودراسته المهنية له ، وبين ممارسة السياسة وما تتطلبه من رؤية اجتماعية وبين علم العمران في نهاية المطاف !!.

وهذا لايعني (مطلقا) : ان منهج ابن خلدون الاجتماعي كان مقتصرا على (( المنهج التاريخي )) في علم الاجتماع اوعلم العمران البشري فحسب بل ما يميز علم الاجتماع الخلدوني هناهوانه علم استقى من الواقع الاجتماعي الذي كان يعيش بداخله معظم اركان وتصورات واليات .... علم العمران البشري ، وهذا هو ما ذكرناه في العامل :

ثالثا: المتغيرات الاجتماعية التي احاطت بابن خلدون وارغمته على البحث عن قوانينها واسبابها الواقعية !!.

والحقيقة ان ابن خلدون عاش في ظروف اجتماعية ، وسياسية دراماتيكية بكل المقاييس التاريخية، فهو عاصر افول نجم الحضارة الاسلامية العربية في منابتها التقليدية من بغداد الى الاندلس فكريا وفلسفيا ، وعلميا وسياسيا ... وحتى اجتماعيا ، فقد اصاب المجتمع ( العربي بالتحديد وقيادته لركب الحضارة الاسلامية) انتكاسة افقدته حتى القدرة على التماسك السياسي في اقامة الدولة اوالقدرة على القيام بصناعة المدنية الحضرية، بل عاصر ابن خلدون(ارتدادة)عنيفة للمجتمع العربي من بنيته الحضرية المدنية التي شكل واسهم الاسلام ببنائها الى البنية القبلية العصبوية التي ساهمت ((صراعاتها المحلية)) بقتل الدولة، وروحها الحضرية داخل هذا الاجتماع العربي انذاك !!.

لكن ايضا ابن خلدون عاصر ، كذالك صعود نجم اسلامي اعجمي الاصل والمنشا على حساب الاصل العربي سياسيا ، وفكريا واقتصاديا واجتماعيا و... كان يتكون جنينيا في الشرق (عثمانيا) من العنصرالتركي و(صفويا) من العنصرالفارسي اوالايراني !!.

ولعل هذه المتغيرات الاسلامية الجغرافية الاجتماعية والعنصرية التاريخية الكبيرة التي طرأت على عالم ابن خلدون السياسي والجغرافي والاجتماعي ... ، هي ايضا ما ساهمت في تشكيل ( وعي ابن خلدون الاجتماعي ) في موضوعة علم العمران البشري ، ودراسة ظاهرة الدولة بشكل اساس ومن ثم دفعته للتساؤل حول : اسباب ، وعوامل (متغيرات) المجتمعات العربية والاسلامية ، وكيفية صعودها في بادئ اعمارها ، وهبوطها في شيخوختها قبل موتها !!.

وطبيعي ان مثل هذه البحوث ، التي افتض بكارتها تاريخيا ابن خلدون في بحوث المقدمة لم تكن لتستقى تصوراتها ، وافكارها من مضانها التاريخية التقليدية فكانت كتب التاريخ التي درسها ابن خلدون ونقد منهجيتها التقليدية في النقل التاريخي تخلو تماما مما نقرأه اليوم في (( المقدمة )) من بحوث اجتماعية ( سوسيولوجيه ) لم يكن سبيل امام ابن خلدون ، لدراستها سوى نزول ، وبحث ابن خلدون نفسه الى واقع ، واشكاليات المجتمع العربي (( المغربي الاندلسي بالتحديد))ودراسته واستقراءه ليتخذ منه مادة حية لمعظم بحوثه الاجتماعية فيما بعد !!.

اي وبمعنى اخر : انه عندما نبحث، بماطرحه ابن خلدون في علم العمران العربي (( علم الاجتماع العربي )) من بحوث وابواب وافكار وتصورات .... في ((مقدمته)) نجد ان معظم هذه الافكار كان منتميا بشكل مباشرالى واقع حياة المجتمعية العربية انذاك فبحث(( بنية الاجتماع القبلي العربي )) وكذا بحث اختلافها عن (( بنية الاجتماع الحضري )) ، وبحث (( ماهية الاجتماع الحضري ؟)) و(( لماذية نشأة العلوم داخل هذه البنية ؟)) وغياب العلوم داخل بنية الاجتماع القبلي القائم على العصبة واختلاف اخلاق الفرد المنتمي للبنية القبلية عنه من المنتمي للمجتمع الحضري ....الخ ، كل هذه بحوث (وحتى اليوم) من صلب الدراسات السوسيولوجية الحديثة التي تتخذ من ((المنهج الامبيريقي )) اداة لدراساتها الاجتماعية المنبنية على المجتمع كما هو قائم الان ، وليس المجتمع تاريخيا او كما ينبغي ان يكون ايدلوجيا ؟.

فابن خلدون كان ناقلا وواصفا اجتماعيا امينا عندما تحدث في مقدمته عن بنى مجتمعه القبلية والحضرية القائمة التي كان يعيش بداخلها وكان عالما اجتماعيا نافذ البصيرة عندما حلل بنية الاجتماع القبلي واختلافها الجذري عن بنية الاجتماع الحضرية ، وهكذا كان سوسيولوجيا بامتيازعندما طرح ماهية العلاقات التي تبتنيها المدنية التجارية وماتنتجه من صناعات وعلوم ومن ثم ما تنشئه من دول وحكومات واختلاف كل ذالك عن ما تهدف اليه بنية القبيلة وما تنفر منه من عالم ومعالم المدنية الحضرية !!.

وطبعا كل ما طرحه (ابن خلدون) في علمه العمراني الاجتماعي لم يخرج عن دراسة (سياقات المجتمع العربي والاسلامي) ، ومن واقع هذا المجتمع المعاش ومن عمق صراعاته وازماته وبكل مركباته ثوابته ومتغيراته !!.

ونعم في الجانب الاخر طرح ابن خلدون رؤيته الحضارية التاريخية التي تناولت سنن التاريخ وقوانينه البشرية وكيفية ان(( قوانين العمران البشري )) التاريخية، كما انها تنطبق في دراساتها على المجتمع العربي الاسلامي هي كذالك قوانين تنطبق على باقي الشعوب والامم حتى وان اختلفت نتائج هذه القوانين والسنن بين مجتمع واخر وهذا ما رشّح ((في الحقيقة)) الفكر الخلدوني الاجتماعي ، ليكون مؤسسا لعلم اجتماع قائم على قانون وسنن لايختلف عملها بين مجتمع واخر !!.

وبهذا استطاع ان يعكس (ابن خلدون) كل ما كان قائما في مجتمعه العربي والاسلامي من تناقضات ومتغيرات وصراعات وثوابت و .... (( استاتيك وديناميك)) ليصوغ من نفس هذا الواقع المضطرب علمايجيب عن الاسئلة السوسيولوجية (( القائمة حتى اليوم ))حول اسباب وعوامل هذه المتغيرات الاجتماعية واسباب وعوامل الاصطكاكات والثوابت داخل هذه المجتمعات ايضا ؟.

نعم غير ابن خلدون لم يكن مهيئا ،او لم تهيئ له جميع الادوات والظروف القادرة على دفعه ليبتكرلنا علما يسميه كما اسماه ابن خلدون بعلم العمران البشري ولم تكن العبقرية الفكرية الفردية وحدهاتتمكن من دفع ابن خلدون نفسه لابتكار علم للاجتماع لو لم تكن هذه المتغيرات الاجتماعية التاريخية التي ذكرناها انفا مصاحبة لحياة ابن خلدون ، ودافعة له بقوة للتفكير الجاد بماهية المتغير الاجتماعي ومن ثم اضطراره لصناعة علم يبحث المجتمع كمادة وموضوع ، ومن هذا المنطلق ندرك : ان الاسباب ، والعوامل التي ساهمت بالفعل بنشأة علم الاجتماع العربي(علم العمران البشري)هي كانت اسباب وعوامل اجتماعية ((سياسية وفكرية واقتصادية وجغرافية وتاريخية واخلاقية ..)) اولا ، قبل ان تكون اسبابا فكرية نظرية ، او عبقرية فردية لاغير !!.

وربما لم يكن بمقدور(( ابن سينا اوالفارابي )) مثلا ان يصنعا ، او يكتشفا او يبتكرا علما للاجتماع العربي والاسلامي ، لان كلاهما فيلسوفان لكن لم يكونا عالمي تاريخ واطلاع على سير الامم والشعوب وتقلباتها الاجتماعية التي هي صفة اساسية ينبغي ان تتوفرلعالم الاجتماع قديما وحديثا كما كان مهيئا لابن خلدون وهكذا ربما لم يكن((الطبري او المسعودي)) بمقدورهما ان يلتقطا (( فكرة علم الاجتماع )) وهما يدرسان التاريخ ويكتبان فيه كما التقطها ابن خلدون، لان ابن خلدون كان ( فيلسوفا ايضا ) بالاضافة لكونه مؤرخا ووممارسا سياسيا كذالك، مطلعا بشكل مختلف على حركة المجتمع ومتغيراته من الداخل ، ولا يمكن لعالم يحاول ( صناعة منتج علمي جديد) وهو خاليا من الفكر الفلسفي الذي يؤهله لصناعة العلم ، وانشاءه من جهة كمالايمكن لعالم بالاجتماع يريدان يبحث بعلم للعمران والاجتماع ان يكتفي بالدراسة التاريخية النظرية فقط، ليصل الى قلب علم الاجتماع وادواته من جانب اخر !.

وفي النهاية يمكننا القول:ان ابن خلدون بفلسفته وعلمه التاريخي وممارسته السياسية ....، لم يكن باستطاعته صناعة علم للمجتمع لولا تلك المتغيرات المتسارعة ، التي ضربت حياة العالم العربي والاسلامي السياسية والفكرية والجغرافية والاقتصادية .. وحتى الاخلاقية في عصره والتي هي صنعت ابن خلدون وعلمه قبل ان يصنع ابن خلدون علما للمجتمع ومتغيراته !!.



راسلنا على :

alshakerr@yahoo.com

مدونتي فيها المزيد على :

http://7araa.blogspot.com/





الاثنين، مارس 10، 2014

(( تمهيد حول نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 1/ 2 حميد الشاكر

(( تمهيد حول نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 1/ 2 حميد الشاكر


عند البحث في موضوعة ( نشأة علم الاجتماع العربي ) بالتحديد تصادفنا عادة أشكاليتان  بحثيتان ،  يبدو ان من كتب في موضوع  ( علم الاجتماع العربي الحديث) لم يلتفتوا الى مغزاهما بشكل واضح وصريح وهي :
اولا : ان معظم الكتابات الحديثة ، التي تناولت بالبحث ، والدراسة  ( علم الاجتماع بصورعامة وعلم الاجتماع العربي بصورة خاصة ) تخلوا تماما من مقدمة او مدخل معنون تحت مسمى (( نشأة علم الاجتماع العربي )) .
ثانيا: ان اكثر ، اذا لم نقل كل كتّاب المداخيل والمقدمات الدراسية والبحثية التي تناولت علم الاجتماع الحديث ، عندما حاولت التورخة لمشروع علم الاجتماع العربي اختصرت كل (نشأة هذا العلم ) بالحديث عن مؤسس هذا العلم الفيلسوف ، والمؤرخ العربي (( عبد الرحمن ابن خلدون )) من جهة والحديث عن الظروف والملابسات التاريخية والسياسية والاجتماعية ..... التي احاطت بهذا العَلم المؤسس وهي منقطعة الصلة تماماعن اسباب نشأة علم الاجتماع العربي انذاك ، والذي اسماه ابن خلدون في ((مقدمة)) العبر ب(( علم العمران البشري )) من جانب اخر !!.
وهذا بعكس تماما البحوث العربية والغربية الحديثة التي عُقدت لبحث(نشأة علم  الاجتماع الغربي) ، حيث انها بحثت الملابسات الاجتماعية التاريخية والتغيرات الفكرية والاقتصادية والسياسية و.... التي احاطت بمؤسس علم الاجتماع الغربي (اوجست كونت) على انها العوامل الرئيسية التي فرضت نشأة علمٍ للاجتماع اسماه فيما بعد(( كونت)) ومن بعده من علماء هذا الفن  ب (السوسيولجي) !!.
فياترى : لماذا ( اولا )خلت معظم بحوث علماء الاجتماع العرب من بحث او مدخل معنون ب ((نشأة علم الاجتماع العربي الخلدوني)) القديم  ؟.
وثانيا : لماذا ، عندما يبحث (هؤلاء الاعلام ) في علم الاجتماع العربي لم يرجعوا نشأة هذا العلم الى اسبابه، وعوامله التاريخية الاجتماعية الوضعية كما فعلوا عند بحث (( نشأة علم الاجتماع الغربي الحديث ))، وانما اكتفوا بالقول الجازم بان  (العبقرية الخلدونية) الفردية وحدها منفصلة عن الواقع هي ، التي انشأت هذا العلم الاجتماعي المهم  ، وان لاعوامل اجتماعية او سياسية او اقتصادية .. هي التي فرضت على ابن خلدون التفكير بصناعة علم يختص بدراسة المجتمع وبنيته وهيئته وحركته وتغيراته ؟؟.
بمعنى آخر اكثر وضوحا : عندما نتسائل حول نشأة علم الاجتماع الغربي الحديث وماهية الاسباب والعوامل التي ساهمت بهذه النشأة ؟.
فان علماء الشرق والغرب  من امثال (( انتوني غدنز )) في كتابه (( علم الاجتماع)) متوافق تماما على ان من اهم الاسباب الموضوعية الاجتماعية والفكرية ،والسياسية والاقتصادية التي فرضت هذا العلم على (( كونت )) ومن جاء بعده هي عوامل واسباب ثورات موضوعية ثلاث رئيسية :
اولا   : الثورة الفرنسية  1789 م ، التي اسست لنظام سياسي جديد اطاح بالنظام السياسي الاقطاعي التقليدي القديم .
ثانيا: تحرك الثورة الصناعية في بريطانيا واشتمالها على مجموعة واسعة من التحولات الاقتصادية التي صاحبتها ابتكارات تقنية غيرت من خارطة المجتمع الغربي وحركته انذاك ، وفرضت متغيرا اجتماعيا جديدا تماما  .
ثالثا: الثورة الفكرية التي برزت بنزعة مقارنة علمية وتفكير نقدي عقلاني غير جذريا من النظرة الكلية لمفاهيم البشر ./ انظر غدنز / علم الاجتماع / ترجمة الصباغ / ط اولى / ص 54.
وهكذا (فيليب كابان ، وجان فرانسوا دورتيه) في كتابيهما :(علم الاجتماع من النظريات الكبرى  الى الشؤون اليومية ) ، فيرجعان ايضا سبب ولادة علم الاجتماع الحديث ( السوسيولوجي) الى نفس العوامل  والاسباب في :
اولا : الثورة السياسية الفرنسية الكبرى .
ثانيا : الثورة الاقتصادية الصناعية البريطانية .
ثالثا : الثورة الفكرية وانتصار العقلانية والعلم والفلسفة الوضعية . / انظر علم الاجتماع / كابان / ترجمة اياس حسن /  دار الفرقد / ط اولى / ص 6 .
وهذا (مع الاسف) بعكس تماما البحوث التي تناولت (( نشأة علم الاجتماع العربي )) او التورخة التي احاطت بهذه الولادة حيث انها ركزت بصورة مباشرة على السبب الفردي لاغير ، لتطرحه كسبب اصيل لا علاقة له او منفصل تماما عن واقعه التاريخي المعاش الاوهو((العبقرية الشخصية لابن خلدون في صناعة وتاسيس هذا العلم )) !!.
والحقيقة ان من بين اهم من طرحوا هذه النظرية في ولادة (علم الاجتماع العربي) هو الاستاذ ((ساطع الحصري)) في كتابه: (( دراسات عن مقدمة ابن خلدون )) حيث ذكر بالنص :
((فانني عندما اتأمل فيما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد أجزم بان توصله الى مجموعة الاراء المبتكرة الكثيرة المسطورة في المقدمة انما كان حدث من جراء (تدفق مفاجئ ) بعد ( حدس باطني ) و ( اختمار شعوري ) ... / الحصري /  دراسات عن مقدمة ابن خلدون  / دار الكتاب / ط الثانية / 1969م/ ص 118 .
والغريب بعد ذالك ان معظم علماء الاجتماع العرب ، الذين تناولوا (( ابن خلدون ومقدمته )) على اساس انه ( المؤسس ) الفعلي لعلم الاجتماع القديم والحديث ذهبو نفس المذهب في تعليل  وتفسير ظاهرة ولادة علم الاجتماع العربي على يد ابن خلدون ناسين ، او متجاهلين اي دور واقعي للظروف السياسية او الاجتماعية او..التي ساهمت في هذه النشأة  مع ان المفروض ان علم الاجتماع ، وعالم الاجتماع ينتمي هو قبل غيره لمدرسة تؤمن بان العوامل الاجتماعية الموضوعية (هي) المساهم الاصيل ، ومهما كان واقع هذا المجتمع في انتاج وولادة اي ظاهرة اجتماعية او علمية او ... بما في ذالك انتاج الفرد الفكري وغير الفكري لكن ما طرح علميا اجتماعيا عربيا هو العكس تماماعند معظم من بحثوا في نشأة وولادة علم الاجتماع العربي !!.
ولعل ما دفع معظم علماء الاجتماع العرب(وغير العرب ايضا) من اقصاء العوامل الاجتماعية ((الموضوعية التاريخية)) من معادلة صناعة هذا العلم وولادته او المساهمة المباشرة في هذه النشأة على يد ابن خلدون والاكتفاء بنظرية (( العبقرية الفردية الشخصية لابن خلدون )) ، منفصلة عن واقعها الاجتماعي التاريخي انذاك هو: (( ما كان يعيشه العالم العربي والاسلامي بصورة عامة ، والمغرب العربي ، وافريقيا بصورة خاصة )) من مراحل الانحطاط والتدهور الحضاري للعالم العربي والاسلامي  !!.
فقد ذكر تاريخيا هنا ان القرن السابع والثامن الهجري ، وهذه هي المرحلة التاريخية التي ولد وتوفي فيها ابن خلدون ((ولد ابن خلدون سنة 732 هج ، 1332م / ، وتوفي 808 هج ، 1405 م )) كانت مرحلة انحطاط شامل للحضارة العربية والاسلامية ، وان ابن خلدون (( كما يذكره صلاح الدين بسيوني رسلان في كتابه: السياسة والاقتصاد عند ابن خلدون )) كان نقطة الضوء الوحيدة في الافق الاسلامي انذاك !!.
او كما حقق عبد السلام الشدادي المقدمة وجميع ظروفها التاريخية بخمسة مجلدات موسوعية ((عبد الرحمن ابن خلدون المقدمة)) حيث ذكر : (( ان القرن الرابع عشرالميلادي يعتبر/في نظرمعظم الباحثين الغربيين والعرب / مرحلة انحطاط شامل لما كان يمر به العالم العربي  والاسلامي بصورة عامة .
ولهذا اقول لعل هذا هوالسبب الاصيل الذي دفع بالكثيرمن علماء الاجتماع العربي ان يقصواالظروف الموضوعية التاريخية الاجتماعيةعن موضوعة (نشأة علم الاجتماع العربي)باعتبارها(ظروف انحطاط وانحسار وتدهور ) ليكتفوا بالبحث عن الاسباب ، والعوامل  التي اولدت هذا العلم  في معامل الادراك الشخصية الفكرية والعلمية الفردية لابن خلدون فقط منفصلة تماما عن واقعها التاريخي والاجتماعي والسياسي ... !!.
لكن ربما مافات اساتذتنا الكرام بهذا الصدد انه صحيح عادة مايربط الفكر الانساني اليوم بين صعود الحضارة ، وانتعاشها من جهة ، وابتكار العلوم ونهضتها من جانب اخر ، والعكس صحيح ايضا عندما تصل اي حضارة انسانية الى مرحلة الانحطاط والتدهور سيتصل في الفكر الانساني تداعيا تصورات فكرة ضمور ، وعقم هذه الحضارة المنحطة عن انتاج اي منتج علمي مبتكر وجديد فضلا عن ابتكار علم بثقل واهمية علم الاجتماع انذاك وهذا صحيح في معظم الجوانب !!.
الا ان هذه الفكرة لاعلاقة(علّية)لها بولادة علم الاجتماع العربي انذاك فعلم الاجتماع بالخصوص هومن العلوم المرتبطة تماما  ب(متغيرات المجتمع) الحضارية لا غير ، سواء كانت هذه المتغيرات (صاعدة)  في سلم التطور الحضاري كماحصل بالفعل في صعود الحضارة الصناعية الغربية الحديثة التي انشأت (( علم الاجتماع الغربي الحديث )) ، او هابطة من هذا السلم كما حصل مع ((علم الاجتماع العربي الخلدوني)) القديم  ولهذا صرح ابن خلدون في مقدمته  حول ابتكاريته لعلم الاجتماع ، وموضوع علم العمران (علم الاجتماع ) ان من اهم مسائل هذا العلم هو بيان مايلحق المجتمع من عوارض واحوال لذاته بالقول : (( فانه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الانساني وذومسائل هي بيان ما يلحقه من العوارض والاحوال لذاته ..... / انظر مقدمة ابن خلدون / الكتاب الاول في طبيعة العمران / ص 42 / دار الجيل   !!.
بمعنى اخر: انه لو اهملنا فكرة (( ترابط انشاء العلوم مع صعود وانتعاش الحضارات )) فقط وركزنا بالبحث خاصة على الظروف الموضوعية التي املت على ((ابن خلدون))  ان يلتقط فكرة (( علم الاجتماع = علم العمران البشري))وبحثنا في الاسباب والعوامل الحقيقية والموضوعية التي ساهمت وساعدت (( ابن خلدون )) على صناعة علم الاجتماع لكان من المفيد فعلا لتطوير البحث الاجتماعي العربي اليوم في موضوعة (نشأة علم الاجتماع) العربي ولتمكنا من ان نضع اناملنا على النقطة التي بدأ فيها علم الاجتماع العربي انطلاقته  قبل ان يتلاشى ويتوقف المشروع من حيث بدأ !!.
وعلى هذا الاساس من حقناهنا ان نعيد السؤال المؤسس لمثل هكذا مداخيل ونطرح السؤال بصيغته البدائية وهو: ماهي الاسباب الموضوعية والفكرية التاريخية التي فرضت على ابن خلدون ان يفكر بانشاء علم للعمران يبحث ويتناول من خلاله المجتمع كموضوع لهذا العلم ؟.   
طبعا من اهم الاسباب ، التي دفعت ابن خلدون لصناعة علم العمران (علم الاجتماع ) العربي الاسلامي هي ثلاثة عوامل موضوعية رئيسية :
اولا : اشتغال ابن خلدون بالتاريخ .
ثانيا : احتكاكه بعالم السياسة ومتغيراتها وهمومه بدراسة ظاهرة الدولة .
ثالثا: المتغيرات الاجتماعية التي احاطت بابن خلدون وارغمته على البحث عن قوانينها واسبابها الواقعية .
والحقيقة ان التاريخ بالنسبة لابن خلدون  لم يكن فقط مجال اختصاص في فن (نقل الاحداث الماضية) فحسب ، وبدون الالتفات الى ان هناك غرض وغاية وهدف اسمى يقف خلف هذا النقل لاحداث الماضين بل كان التاريخ وبصورة واضحة بالنسبة لابن خلدون ماهو الا اداة  للوصول الى (باطن) هذا التاريخ في قوانينه وسننه التي من خلالها  ندرك معنى وفلسفة التاريخ كعلم من جهة  وندرك ماهية وكيفية حركة هذا التاريخ من جانب اخر !!.
ولعل ايمان ( ابن خلدون ) بالرؤية الاسلامية لعلم التاريخ ، وما دلت عليه النصوص  القرانية من (( سنن التاريخ وقوانينه )) في مثل قوله سبحانه : (( سنة الله في الذين خلوا من قبل ...)) وقوله سبحانه : (( ولن تجد لسنة الله تبديلا))قد ساعدت ابن خلدون في فهم التاريخ وغاياته واهدافه بصورة عمق من اقرانه الذين اعتمدوا على النقل في فن التاريخ فحسب ، ومن هنا وجدنا ابن خلدون دائم (التذييل)لابواب مقدمته بمثل هذه النصوص القرانية التي تشير الى ان :خلف الذكر المتكرر للحدث التاريخي في القران الكريم يقبع قانون وسنة تاريخية هي المتحكمة في حركة هذا التاريخ ومتغيراته !.
وعلى هذا الاساس ادرك (ابن خلدون) الغاية من التاريخ  وان التاريخ بحد ذاته ماهو الا وسيلة لادراك هذه القوانين والسنن التي تتحكم بمجمل حركة التاريخ وعوائده وطبائعه وصعوده وهبوطة .... الخ والذي هو عبارة عن تاريخ للعمران البشري ايضا وغير منفصل اطلاقا عن هذا التاريخ !!.
فاذاً:شكلت الدراسة التاريخيةلابن خلدون المفتاح الذي دفعه لبحث ودراسة العمران البشري على اساس ان التاريخ نفسه ماهو الا حركة هذا العمران واذا كان للتاريخ قوانين ، وسنن وطبائع و.... تتحكم بمتقلباته ، ومتغيراته وصعوده  وهبوطه ، فللعمران البشري بالاولوية هذه القوانين وتلك العوائد والمتغيرات الاجتماعية العمرانية ايضا !.
هل كان ينظر ((ابن خلدون)) لعلم التاريخ على اساس انه الوسيلة التي من خلالها يمكن لنا دراسة العمران والمجتمع ؟.
ام ان العكس هو صحيح بان اتخذ من علم العمران والاجتماع مادة واقعية لفهم التاريخ بصورة اكثر علمية ؟.
ان هذه الجدلية بين ( التاريخ والعمران ) في مشروع ابن خلدون بالمقدمته هي التي دفعت الدكتور(طه حسين) في كتابه(فلسفة ابن خلدون الاجتماعية .. تحليل ونقد) يذهب الى (( خطأ الاستاذ فيريرو إذ استنتج ان ابن خلدون عالم اجتماعي  لانه اتخذ المجتمع موضوعا لمباحثه . ، فابن خلدون يعتبر المجتمع موضوعا للتاريخ ايضا وقد كان قبله موضوعا للاخلاق... وليس انتقاصا لقدره / ابن خلدون / ان نقرر ان ما بالمقدمة تلمس لعلم الاجتماع وليس هو العلم نفسه )) انظر: فلسفة ابن خلدون / طه حسين / محمد عبد الله عنان نقله للعربية / ص 65.
والواقع ان راي الاستاذ ((طه حسين)) بهذا الصدد جانب الصواب في حق علم العمران البشري لابن خلدون ومع ان هناك تداخل((جدلي)) في طرح ابن خلدون بين التاريخ وعلم العمران، الا ان ابن خلدون نفسه يصرح في مقدمته : بانه اتخذ من علم  العمران البشري ميزانا من خلاله ندرك الحق من الباطل في النقول التاريخية وليس العكس حيث ذكر: (( واذا كان ذالك فالقانون في تمييزالحق من الباطل في الاخباربالأمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميز ما يلحقه من الاحوال لذاته وبمقتضى طبعه ، وما يكون عارضا لايعتد به  وما لايمكن ان يعرض له .... )) انظر المقدمة / مصدر سابق / ص 41 .
وهذا يعني ان (ابن خلدون) جعل القيادة لعلم العمران على علم التاريخ ولم يجعل علم العمران تابعا لعلم التاريخ كي يتهم انه اتخذعلم العمران كوسيلة للوصول الى الغايات التاريخية لاغير  !!.
نعم قلنا هناك (( جدلية = متقدم ومتاخر، ومتاخر ومتقدم بعملية تخادم بين العلمين )) بين التاريخ وعلم العمران في فكر ابن خلدون ،ويمكننا ان نعلن بصراحة ان التاريخ وبحثه هو الذي دفع ابن خلدون على ابتكار  وصناعة علم العمران البشري  ومن ثم ( ليؤسس ) ، ويلاحق موضوعات هذا العلم لا ليكون تابعا لعلم التاريخ ، بل مستقلا في موضوعه ومسائله وهذا ايضا ما اشار له نفس ابن خلدون في المقدمة حيث قال: (( وكأن هذاعلم مستقل بنفسه فانه ذوموضوع هوالعمران البشري والاجتماع الانساني وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والاحوال لذاته.. وليس من علم الخطابة ... ولا هوايضا من علم السياسة المدنية.... فقد خالف موضوعه موضوع هذين الفنيين )) المقدمة / ص 42 .
والخلاصة هي ان من اهم العوامل والاسباب التي ساهمت في صناعة علم الاجتماع العربي الخلدوني هي مهنة علم التاريخ، التي امتهنها ابن خلدون كمتخصص في البحث التاريخي الذي دفعه بالنهاية لان يبتكر علم العمران كي يكون علما ضابطا لاخبار التاريخ ، ومهيمنا عليها .
اما العامل الرئيس الثاني ، الذي ذكرناه كاحد العوامل الرئيسية التي دفعت ابن خلدون لابتكار وصناعة علم الاجتماع العربي الخلدوني ...... فهذا ما سنتناوله في الجزء الثاني من هذا التمهيد !.
مدونتي فيها المزيد