من انا كاتب يمتهن التفكير مع القلم للوصول الى حياة افضل يحكمها العدل

الاثنين، أغسطس 17، 2015

( في سوسيولوجيا المجتمع الكردي العراقي .... اللغة ) 13/ حميد الشاكر


( في سوسيولوجيا المجتمع الكردي العراقي .... اللغة  ) 13/ حميد الشاكر

(( 31 ))

تعتبر(اللغة) كمادة صوتية هوائية حلقية والتي هي داخلة في عملية الوظائف الفيسلوجية للجسد الانساني  من اهم ( قنوات التواصل الانسانية الاجتماعية ) على مدى تاريخ البشرية منذ ان تمكنت من نقل الصوت الى معنى اجتماعي لغوي وحتى اليوم !!.

كما ان اللغة شكلت محورامتطورا جدا في تاريخ البشرية البعيد وقفزة نوعية في عملية التواصل الاجتماعية بعد لغة الاشارة  الرمزية، التي كانت تاريخيا هي لغة التواصل الاجتماعي انذاك !!.

وبغض النظر عن تاريخ تطور التواصل الاجتماعي اللغوي ، وكيفية وماهية البدايات التاريخية الانسانية التي تمكنت من  تحويل الاصوات الى لغة تفاهم اجتماعية وبعد ذالك صياغة هذه الاصوات بحروف مكتوبة و.. بغض النظر ايضا عن فلسفة تنوع اللغات الانسانية و لماذية .....الخ ؟. ، بغض النظر عن كل ذالك لكون هذه المحاورالبحثية بعيدة عن محورموضوعنا السوسيولوجي الاجتماعي هذا ، الّا ان اللغة وبتوافق مدارس علم الاجتماع الحديثة تعتبر او تصّنف من ضمن اهم (الظواهر) التي ولدت تحت ضغط الحاجة الاجتماعية ومن خلال متطلباتها  وتطوراتها الانسانية !!.

نعم في موضوعة اللغة ،  باعتبارها ظاهرة اجتماعية تاريخية متطورة يمكن تصورحال هذه اللغة حال كل الظواهرالاجتماعية التي تقسّم الى ماهو اصيل وثابت (استاتيك) يتمكن من الاستمرار الزمني ، ويتحول او يتكيف مع الحياة الاجتماعية ، كيفما تطورت او تقلبت بها المتطلبات الاجتماعية ، ومنه ما هو ( انستاتيك ) يؤدي وظيفة زمنية ، ومكانية اجتماعية معينه  وربما يضمر او يضعف في عمله (هذه الظاهرة اللغوية ) او ربما تنقرض ويتجاوزها الزمان والمكان الاجتماعي ، كبعض اللغات التي انقرضت ، ولم تعد مستعملة او لها وجود اجتماعي مستخدم يذكر !!.

وعلى هذا الاساس تدرس وتبحث ظاهرة اللغة في مدارس العلوم الاجتماعية على اساس انها :

اولا:ظاهرة اجتماعية ابتكرها الانسان من خلال الممارسة الطبيعية لتواصله الاجتماعي .

ثانيا : انها ظاهرة متطورة ومتكيفة مع متطلبات الاجتماع الانساني .

ثالثا : انها ظاهرة تنقسم الى الاصيل الثابت والى المتغير المتطور والمتحرك !!.

((32 ))

في العلوم الانثربولوجية والاجتماعية يبحث موضوع اللغة الكردية من خلال عدة اصعدة علمية مهمة منها :

اولا : هل اللغة الكردية لغة اصيلة ومستقلة ، وتحمل داخلها قوانين تهيئ لها ان تكون من ضمن اللغات العالمية او الاجتماعية التي اصبحت بفعل التطور التاريخي امًّا لفروع لهجوية متنوعة ؟.

ام ان اللغة الكردية في اساسها ( لهجة ) وفرع للغة الفارسية او الهندواوربية او الكلدانية او ... ومن ضمن اللهجات المحلية لهذه اللغة الام او تلك ؟.

ثانيا : اذا تقرر علميا ان ليست اللغة الكردية لغة ام مستقلة  او تحمل عناصر لغة الام القانونية (( اي ليس لها قانون نحوي وصرفي ضابط  لعملها اللغوي )) وانها مجرد لهجات محلية منطوقة وفرع للغات اخرى فكيف يمكن ادراك اسباب وماهيات وجذور واصول و ...الخ ، هذه اللهجات المتنوعة بانتمائاتها الاجتماعية ؟.

اولا : حسب ما طرحه الكاتب الكردي ( احمد تاج الدين) في كتابه ((الاكراد تاريخ شعب ،  وقضية وطن)) من تساؤلات جوهرية في موضوعة  اللغة او اللهجات الكردية المتنوعة: (فان اللغة الكردية هي فرع ولهجة تنتمي للاصل او للغة الامّ الفارسية ، التي بدورها فرع للغة النزندية التي كانت مع البهلوية اللغة الام  لكتب المجوسية القديمة المقدسة ) ، وهذا الراي نقله تاج الدين عن الاستاذ وفيق حلمي وسعيد حيدر وكاظم حيدر ( من صفحة 30 الى 60 ) !!.

كما ان صاحب قاموس ((اللغة الكردية : كردي عربي )) د جانو / م شركوه : كذالك يذهب الى القول بالاصول الايرانية للهجة الكردية ولهذا ذكرصاحب القاموس القول :((تنتمي اللغة الكردية الى مجموعة اللغات الايرانية فرع من لغات الهندواوربية )) .

نعم كذالك ذكر تاج الدين رايا للمستشرق (( سيدني سميث )) بموافقة الاستاذ (( احمد فوزي)) مخالفا للراي الاول بكون اللغة الكردية فرعا للغة الايرانية القديمة ليقرر :  (( ان اللغة الكردية تتصل بمجموعة اللغات الشمالية الغربية بعكس الايرانية المتصلة بمجموعة اللغات الجنوبية الغربية / ص 57 )) .

لكن مع ذالك عقد الاستاذ ((طبيبي)) استاذ قسم الانثربولوجيا بجامعة طهران دراسة مفصلة حول اللغة الكردية ليتوصل الى نتائج قاطعة ب :  (( ان اللغة الكردية ، التي يتكلم بها الكثير من سكان النواحي الغربية، والجنوبية الغربية والشمالية الغربية وطوائف عديدة في شمال ايران وغربها وبعض القبائل في شمال تركيا وشرقها وفي العراق وسوريا وقبائل القوقازهي بلا شك او شبهة من اللغات الهندية والايرانية واحد فروع الفارسية القديمة/راجع ص 81)) . وعلى هذا الاساس يثبت ( طبيبي ) بان اللغة ( او الادق علميا القول اللهجة ) الكردية هي لهجة وفرع من فروع اللغة الام الفارسية !!.

وهكذا ما عقد له المستشرق الروسي (نكتين) في كتابه (( الكرد )) من فصل لدراسة اصول وجذوراللهجات الكردية ليصل الى اجماع مفاده: (( فالابحاث التي قام بها العلماء في القرن التاسع عشرعن  بلاد كردستان ، وعن الاكراد ولغتهم ، والمعلومات    التاريخية  الاكيدة عن قبائل  الاكراد ، وعن لهجاتهم ومعتقداتهم قبل صدر الاسلام كل ذالك اظهر ان النظريات السابقة عن اصل الاكراد كانت خاطئة فعلماء اللغات وبالاخص (بوت وروديجار ) قد دحضوا النظرية القائلة : بأن اللغة الكردية هي كلدانية الاصل ، واثبتوا علاقتها باللغة الفارسية الحديثة وباللغة الزندية وهي امّ اللغة الفارسية / ص 23 )) .

ثم بعد ذالك يسرد ( نكتين ) ابحاث( مينورسكي والعلامة مار ) في نفس هذا الاتجاه .   

من هنا يمكننا الجواب على سؤال: هل ان اللهجة الكردية لغة ام مكتفية بذاتها ليس في مجال التخاطب فقط بل ومن ناحية الثروة العلمية والفلسفية والفكرية والادبية و ....الخ ؟.

ام انها لهجات محلية وفروع قبلية تفتقر الى ابسط مقومات اللغة الام الجامعة قوميا ؟.

حسب دراسة استاذ الانثربولوجيا في جامعة طهران (طبيبي) فان (هذه اللغة تختلف في صيغ نطقهامن عشيرة وقبيلة وجارتهاوكذاتختلف في مصطلحاتها كذالك ، والتعبيرات التي تعبربها هذه القبائل الكردية بحيث يختلف نطق قبيلة مع اخرى من الاكراد !!.

فمثلا لايفهم احد من سكان (اورامانات ) يتحدث اللغة الاورامية شيئا من لغة (اهل عرقه) من قبيلة منجور في شمال كردستان ايران والعكس صحيح . لهذا انقسمت هذه اللغة في ناحية كردستان الى فروع ، وكل فرع  بدوره الى لهجات متعددة ، حتى سبب هذا الاختلاف بين الافرع ، واللهجات الى اعتقاد بعض الدارسين وعلماء اللغات : بان الكردية لغة غير ايرانية / ص 82 ))

ان هذه الحقيقة المؤلمة ، التي يذكرها ( طبيبي ) ويؤيده عليها معظم الباحثين مستشرقين كانوا ، ام كردا لتعدد اللهجات الكردية وتنافرها وتباعدها ، وعدم انسجامها فيما بينها ، والبين الاخر  : حقيقة ضاغطة على المجتمعية الكردية القديمة والحديثة من جهة وضاغطة على المفكرين والباحثين الكرد ايضا من جانب اخر ولطالما اشتكى الكتاب الكرد بنوع من اللوعة (القومية العاطفية ) من هذه الظاهرة الكردية اللهجوية التي تساهم في ( تنافر ) الاجتماع الكردي وليس الى تلاحمه فهذا (مثلا) احمد تاج الدين (وهو كردي الاصل والمنشأ ) في كتابه المذكور انفا يصرّح بوضوح العبارة بهذا الشان بالقول: ((وتختلف اللهجات/الكردية/عن بعضها اختلافا جذريالدرجة ان الكردي قد يجد صعوبة في التفاهم مع اخيه الكردي الذي يتكلم لهجة بعيدة عنه / ص 58 )) .

وهكذا كل من تعرض لموضوع اللغة الكردية ، او لهجاتها المحلية ، فقد ذكر هذه الاشكالية ليس لكونها اشكالية على الصعيد الاجتماعي الكردي فحسب ، بل اشكالية على الصعيد التاريخي والتراثي والقومي و....الخ ، لهذه الشعوب المستكردة  التي استوطنت الجبل وتحدثت باللهجات الكردية الا انها لم تكتب لاتاريخا ولاعلما ولافلسفة ولا ادبا ولاشعرا ولا ....الخ ، بهذه اللغة التي هي اساسا لهجات متفرقة وليست لغة صاحبت قوانين ونحو وصرف لتصلح ان تكون لغة فلسفة وعلم وادب قومي لهذا الشعب !.

اما كيف كان الكرد بقبائلهم المنعزلة يدونون عقودهم التجارية والقانونية او يسجلون مواثيقهم مع الدول التي انتمت هذه القبائل لميراثها القومي تاريخيا حتى اليوم ؟.

فحسب ماتوصل له البحث العلمي الانثربولوجي التاريخي فان اللغة الفارسية كانت هي القلم ، الذي كتب فيه معظم الكرد تاريخهم  وادبهم واحداثهم القبلية والسياسية وماجرى عليهم قبل قيام الدول الحديثة بعد الحرب العالمية الاولى وكان الحرف العربي المستخدم فارسيا بعد الاسلام هو متداول مدونات الكرد كما ان (( ثلاثة ارباع اللهجات الكردية هي عربية الجذور والاصل )) !!        

    __________________________________________

راسلنا


مدونتي فيها المزيد


 

الأربعاء، أغسطس 05، 2015

( في سوسيولوجيا المجتمع الكردي العراقي .. النقشبندية ) 12/ حميد الشاكر


(( 29 ))

لاريب ان للجغرافية الجبلية على  الواقع الاجتماعي الكردي العراقي الثقافي والسياسي والاقتصادي والفكري و  .... من ثم العقدي الديني اهمية كبيرة في التاثير المتبادل ،  بين المناخية الجغرافية الطبيعية الجبلية من جهة ، والقيمية الفكرية والسلوكية الاجتماعية الكردية العراقية من جانب اخر !.

فالجغرافية الجبلية داخلةٌ تماماً في حسابات التشكيلة البنيوية القيمية  والفكرية بصورةعامة لاي مجتمع يقطن في احضان هذه الجبلية الوعرة حالهافي ذالك حال الجغرافيةالطبيعية الصحراوية التي هي ايضامن ضمن المشكّلات للعقل الاجتماعي البدوي العربي ، وغير العربي والداخلة في بناءات ماهيته الدينية العقدية والسياسية والاقتصادية والاسرية والفردية النفسية و ....الخ !.

فالجبل بهذا المعنى هوالمتحكم في تشكيلة ( البنية السياسية ) الكردية العراقية وهوالذي يفرض معادلته ب(استحالة قيام الدولة المركزية)في مثل هذا الاقليم المتقطع الاوصال جغرافيا ، وهو كذالك المتحكم في تركيبة البنية الاجتماعية وصياغتها وصناعتهاعلى شكل جماعات قبلية وعشائرية اقطاعية هنا وهناك تنسجم مع الحالة الجغرافية الجبلية هذه !!.

وكذا يقال بالنسبة للبنية الاقتصادية الرعوية والزراعية ،التي يفرضها الواقع الجغرافي الجبلي وكيف ان مايتبع هذاالواقع الاقتصادي الجبلي وماينتجه من اغاوات الاقطاع ، والقبلية هوالذي يعيق اي نهضة اقتصادية تتصل بمشارف الاقتصاد الصناعي المتطور والمتقدم !!.

القول هو القول في (( الاسرة الجبلية )) ،  التي يتحكم بها النظام البطريركي الكلاسيكي من هيمنه الاب ، ومن بعده الاخ الاكبر للعائلة الكردية ، وخاصة منها العراقية ، وكذا بيت الاسرة الكبير الذي يضم الجد والاب وحتى الاحفاد و... الخ فمحكومة هذه الاسرة بالقيمية الجبلية ، التي تحتاج الى حامي وكبير وقيّوم على كافة شؤونها الاجتماعية ، بعد ان فقدت  بيئتها الاجتماعية  حماية الدولة والقانون وقيمية المجتمع المدني للاسرة !!.

عند الفرد للمجتمعية الكردية العراقية، يكون الجبل بصعوده الشاهق المرهق وبهبوطه الخطرالمهلك هوالمجال الحيوي لبناء وتحرك الفردوتشكيل مزاجه الروحي والنفسي ، فهو فرد يتوحد كثيرا مع طبيعة الجبل الموحشة ، ويتطبع بصريا على الرؤية العمودية التي تحجب الرؤية المفتوحة  والمنبسطة الى ما بعد الجبل ( وهذا بعكس البدوي الصحراوي صاحب الروية الافقية المنبسطة والطالة على الجهات الاربع، وهذا ربما يفسر ظاهرة لماذا البدوي يتطلع الى الغزو والتوسع الجغرافي دائما ، بينما الجبلي الكردي منطوي على نفسه ولا يفكر بمغادرة الجبل او تركه وراء ظهره  !!. ) ، مما يغرز في داخله انطباع الوحدة ، والهاجس من كل ما يتحرك حوله  او ينزل عليه من اعلى الجبل او يتحرك نحوه من اسفله !!.

وكثيراماخلقت هذه الوحدة مع الجبل انطباع (الخلوة ) للفرد الكردي العراقي  مع نفسه ، ومع  ما حوله  ، ومع تاملاته الفردية حول الطبيعة وحول  العالم وحول الدين وحول السحر ، وحول الجمال وحول القبح و ...الخ لتصنع رغم انف الفرد الكردي العراقي (متصوفا متاملا)لاحدود لخياله السحري او قيودا لهذاالخيال الساذج الفطري المنفلت من سطوةسلطة الديني المدني والسياسي والاقتصادي الاجتماعي ، او الاسري او الفردي او... من كل قيد وسلطة ولا عجب ان تغيرت عندئذ  وتبدلت ، و... تحولت مقاييس الجمال والقبح القيمية والفكرية والروحية المزاجية عند الانسان الكردي العراقي لتخرج عن وعلى المالوف  المدني الحضري المنضبط وليصبح الجميل قبيحا،او ليصبح القبيح جميلا (( الايزيدية مثالا بهذا الاطار ، ليس باعتبارهم من القومية الكردية بل باعتبارهم من سكان الجبل العراقي في جمال// طاووس الملائكة // الشيطان وهوالقبيح اجتماعيا في لمجتمعية المدينية))او ليصبح اللامادي ماديا والمادي لامادي (( الكاكائية الصوفية  ، او العلي الاهية العلوية اهلي حق مثالا )) في تجسيد الله في الولي الانسان او حلول الله في خلقه او تناسخ الارواح ،  وكذا في هرطقة الكثير من متصوفة النقشبندية البرزانية كالذي اعلنه (الشيخ احمد البرزاني الذي وصفه البعص بالنصف مجنون ) ، عندما اعلن مهديته ، وانه هو المهدي  المنتظر ، او كالذي شرعة احد مشائخ النقشبندية الصوفية ( عبد الكريم / من سركلو في منطقة السليمانية) من حلية اختلاط النساء مع الرجال في الحمامات العامة وهم عرات وطهارة الكلاب حتى سكنت الجوامع وسمح للبس الرجال لباس النساء و اكل لحم الخنزير .. الخ / راجع بربسون : الكرد والاسلام / ترجمة راج ال محمد / !.

(( 30 ))

استولت ( سياسيا قبليا ، ودينيا طقسيا  ) على المجتمعية الكردية العراقية منذ اواسط القرن السادس عشر ميلادي (( بصورة بارزة ))  حتى اليوم حركتان صوفيتان رئيسيتان هما :

اولا : الصوفية النقشبندية مع تفرعاتها المبعثرة في العالم الاسلامي .

ثانيا: الصوفية الجيلانية كأم لباقي الطرق السحرية الصوفية كالرفاعية وغير ذالك .

والنقشبندية (   نسبة الى مؤسس هذه الطريقة  : محمد بهاء الدين بخاري شاه نقشبند/ 791هج  ) هي اليوم من اكابر الطرق الصوفية التي تنتشر وتستولي روحيا وسياسياعلى القطاع الاعظم من كردالعراق الصوفية بعكس الجيلانية او القادرية ، كما يسميها اهل المغرب العربي من متصوفة ( نسبة الى : عبد القادر الجيلاني/ تولد 471 هجرية ) التي انحسر ( كرديا) نفوذها اليوم  قبالة منافستها تاريخيا وحتى اليوم الطريقة النقشبندية !!.

والحقيقة ان لهاتين الطريقتين تاريخ ،  وتداخلات معقدة جدا في تركيبة العقل الديني بالخصوص ، والسياسي والاجتماعي الكردي بالعموم  ، ومن اهم هذه التداخلات التاريخية والحاضرة المشكلة لبنية الاجتماع الكردي العراقي :

اولا : التداخلات الساسية .

فمعروف بهذا الصدد ان هذه الطرق الصوفية ،   بقياداتها الفكرية  والروحية او بخلفائها القائمين عليها ( يطلق على معلم  الطريقة الصوفي لقب الخليفة ) لها من النفوذ السياسي بحيث انهاالمحرك الفعلي لكافة القيادات السياسية التي تتصدر واجهة المجتمع الكردي العراقي تاريخيا وحتى اليوم ، بل ان المطلع على تاريخ الثورات ، والتمردات الكردية بصورة عامة ،  والعراقية بصورة خاصة (رغم اختراق الافكارالماركسية الالحادية والقومية  الثائرة على الدين في القرن التاسع عشر الميلادي للمجتمعية الكردية الحديثة ) يجد ان القيادات الصوفية  الدينية  هي من قاد معظم هذه الثورات ، والتمردات التاريخية على سُلط الدول المركزية في تركياكالثورة النورسية اوفي العراق وايران  كتمرد الشيخ عبدالله نهري ، وملا محمد والبرزاني في جمهورية مهاباد والبرزنجية و..... غيرذالك فكل هذه التمردات والثورات التاريخية البعيدة زمنيا والحديثة هي نتاج تحريك وقيادات صوفية هنا وهناك !!.

اما ما هي اسباب وعوامل نفوذ ، وسطوة هذه المشيخات ، والطرق الصوفية سياسيا على المجتمعية الكردية لاسيما النقشبندية ؟.

فالامر يرجع  لتاريخ  يمتد الى ما يقارب بدايات  ولادة  الخلافة العثمانية في القسطنطينية  ، التي تبنت (( العثمانيون ابناء الجبل كانوا اساسا مجموعة من المتصوفة)) مساندة الطريقة  النقشبندية الصوفية عندما ادركت ان النقشبندية الصوفية ، بكل ما تحمله من فكر عقدي وسياسي يتخادم مع السلطة يمكن ان تكون  المعين ، والرافد الاساس لتحشيد الشرعية الدينية والسياسية لخلافة ال عثمان من جهة ومن جانب اخر كانت ، حتى زمن سقوط الخلافة العثمانية / 1922م/ على يد القائد الوطني التركي كمال اتاتورك هي( الطريقة الصوفية النقشبندية ) المخزن البشري العملاق  لتزويد الجيش العثماني بمقاتليه ، لسد حاجات جبهات القتال المفتوحة لقرون عثمانية متتالية ، باسم الجهاد من اجل الغزو وتوسع هذه الامبراطورية !.

ولعل هذه النقطة بالذات (( دعم خلفاء ال عثمان للطريقة النقشبندية الصوفية من خلال تحالف اقيم بين هذه الطريقة بشيوخهاومعلميها وبين ملوك السلطنة العثمانية )) هو الذي رفع كفة واسهم  الطريقة النقشبندية الصوفية سياسيا في المنطقة الجبلية الكردستانية الوعرة تاريخيا ، وبقيت بقاياها  حديثا حتى وقتنا القائم على حساب (شقيقتها) الطريقة الصوفية الجيلانية  او القادرية التي هي الاخرى وان كان طابعها اليوم (( اجتماعيا وليس سياسيا ))  لكن ومن خلال دراستنا للطبيعة الجيوسياسية التاريخية لمنطقة الجبل العراقي نرى ان النفوذ الصوفي  الجيلاني  الاجتماعي ، وحتى السياسي  الحديث يتركز معظمه في المنطقة الجنوبية لخط (هيغلتون في كتابه القبائل الكردية) من كردستان وهي المنطقة المحاذية لشمال الغرب الايراني، والواقعة على سلسلة جبال حمرين الى السليمانية فضاءا تمتد الى كركوك في العمق العراقي و ..... هكذا ، فكل هذا الفضاء الاجتماعي ، والجغرافي الكردي  ، لم يزل يدين بالولاء للطريقة الجيلانية الصوفية باعتبارانها الطريقة التي تمتد بنفوذها السوسيولوجي على قادة وسياسيي هذه المنطقة الكردية العراقيةحتى ان العوائل القبلية الكبيرة في هذه الجغرافيا الكردية من الجافيين الى البرزنجيين الى الطالبانيين و..الخ هم من تابعي الطريقة الجيلانية  بعكس الذين هم يقطنون بشمال خط (( هيغلتون )) في اربيل ومابعدها فانهم كالبرزانيين والزيباريين و.. ينتمون الى الطريقة النقشبندية القريبة لحدودالسلطنة العثمانية انذاك والقريبة لتركيا الوطنية اليوم !!.

طبعا هناك تاثير جيوسياسي  تاريخي للنفوذ الصفوي الصوفي الايراني على المناطق المحاذية لحدوده الغربية الشمالية ، وربما يكون هذا العامل هو الذي دفع الايرانيين لمساندت تاريخيا (الطريقة الجيلانية ) في مقابل مساندة الدولة العثمانية للطريقة النقشبندية في هذا الاقليم ،الذي كان منطقة تماس تحد مابين الدولتين او المملكتين او السلطنتين العثمانية والصفوية .

ثانيا : التداخلات والتعقيدات الفكرية لكلا الطريقتين .

يذكر العديد من المؤرخين والسوسيولوجيين الذين تناولوا المجتمعية الكردية بالبحث والتخصص كالانثربولوجي الهولندي (مارتن فان بربسن / في الكرد والاسلام / ترجم له :  راج ال محمد )) ان للصوفية الجبلية الكردية تعقيدات وتداخلات كثيرة ينبغي لاي باحث في الشان الكردي ان يكون ملما بمفرداتها المتنوعة  لاسيما المفردات ، التي تختص بالتصوف الجبلي الكردي باعتباره التصوف الذي يكون (( اكثر تمثيلا )) حسب راي بربسون للاسلام الكردي الحديث !!.

ولهذا نحن بحاجة ماسة لمعرفة :

اولا : كيفية تشكيل هذه المشيخة الصوفية  ، ونوعية حيازتها للطريقة وراثيا وماهية نفوذ هذه المشيخة على الاجتماع الكردي ، وكيفية اعتقاد الكرد بشيخ الطريقة ان له اليد العليا بحل الخلافات العائلية والقبلية وكذا قدرته على شفاء المرضى واظهار الكرامات والمعاجز لهم وجلب البركة اينما حل !!.

ثانيا : كما نحن بحاجة لادراك(هرمية تشكيل) مراتب مريدي هذه المشيخات الصوفية وكيفية ممارساتهم الدينية  وتراتبيتهم الصوفية وان احدهم ينبغي ان يطيع شيخه طاعة عمياء مطلقة وان راى شيخه يزني او يشرب الخمر فعليه ان يكذب بصره ولا يتهم شيخه بفعل المنكر و ...... حتى وصول احدهم لنيل شهادة الخلافة من شيخه ليمثله وطريقته في هذه البقعة المجتمعية او تلك من الارض !,

ثالثا: بحاجة نحن ايضا لمعرفة التطورات التاريخية لهذه المشيخات الصوفية ولماذية صعود ، وهبوط سياسيا واجتماعيا و ... هذه الطرق الصوفية لاسيما النقشبندية والكيلانية باعتبار انهما الطريقتان الاكبر اليوم في واقع الاجتماع الكردي ، وماهي الاسباب والعوامل لهذا الصعود والهبوط !.

وهكذا يسرد (( بربسون )) الكثير من المحاور ،  التي في ادراكها ومعرفتها صناعة لمفاتيح الشخصية الكردية الجبلية بصورة عامة  والشخصية الكردية العراقية بصورة خاصة !!.

في اسباب وعوامل صعود الطريقة النقشبندية وتوسعها سياسيا واجتماعيا في العصر الحديث يطرح بربسون عاملين اساسيين لهذا الصعود الحديث :

الاول : سبب وعامل تاريخي حديث ، وهو ان   في نهايات الخلافة العثمانية لجئت السلطة العثمانية قبل سقوطها وابان اندلاع الحرب العالمية الاولى الى اتخاذ اجراء تاديبي ، وعقابي لامراء القبائل الكردية فالغت الامارات القديمة وعينت امراء قبليين جدد ، وانزلت العقوبة والملاحقة بكثيرمن زعماءالقبائل الكردية انذاك ، لاسباب تمردهم الدائم على النظام  والسلطة ، وبهذا الاجراء الاخيرالغيرمدروس للخلافةالعثمانيةضربت الفوضى معظم ارجاء الجغرافيا الكردستانية ، وتفشى القتل والنهب والسلب و........ في المناطق الكردية مما اضطر (( المنظمات الصوفية ، لاسيما الطريقة النقشبندية ))  باعتبارها من المنظمات اوالمؤسسات التي تحوزعلى نوع من التنظيم البدائي الذي  يوازي التنظيم القبلي ان تسد الفراغ الحاصل ، ولتقوم باعباء وظائف القبيلة وفرض نظامها على المجتمع    من جديد ، وبهذا استطاعت هذه الطرق الصوفية من الصعود اجتماعيا وسياسيا على حساب امراء القبائل الكردية في ابان شروع بدايات القرن التاسع عشر الميلادي مماهيئ لهذه الطرق الصوفية وبزعمائها الروحيين والفكريين ان يلعبون دورا سياسيا ممثلا للاجتماع الكردي الحديث حتى اليوم !.

ثانيا: في الطريقة النقشبندية بالخصوص كان(للملا خالد البغدادي 1225 هج / 1825م ) دور تاريخي في تطور الطريقة النقشبندية ، بل ان صاحب كتاب (( النقشبندية نشاتها وتطورها لدى الترك / للدكتوة بديعة محمد عبد العا ل)) ترى ان الملا خالد هو قائد المرحلة الثالثة في تطور النقشبندية الحديثة حتى يومنا المعاصر !!.

و(ملا خالد) هذا رجل ولد في قرية قه داغ من اعمال السليمانية 1192 هج ، وكالعادة حلم بالتقائه بشيخ الطريقة (( هذا نفس رواية حلم شيخ الطريقة شاه نقشبند ))  في مكة وبالفعل ذهب ملا خالد الى مكة ثم الى الهند ابان الاحتلال الانجليزي لها لياخذ الطريقة عن (الشيخ عبدالله دهلوي) وليعود من بعد ذالك  الى كردستان لينشر طريقته الجديدة وبالفعل احدث ( الملا خالد ) هذا ضجة سياسية واجتماعية ابان عودته لكردستان واستطتاع ((بتقنين)) بسيط جدا ان يوسع من نطاق فاعليه الطريقة النقشبنديةعلى حساب الجيلانية في كردستان وهذه التقنية هي الاتي :

(( معروف الى يومنا هذا في الطرق الصوفية لا سيما الجيلانية ،   ان اجازة المشيخةالصوفية كانت ولم تزل في كردستان تنحدرمن خلال الوراثة العائلية للمشيخة ((كالعائلة البرزنجية او الطالبانية في مشيخة الجيلانية ، والبرزانية في الطريقة النقشبندية)) لكن الملاخالد استطاع بعد عودته من الهند ان يكسر هذا التابو التقليدي في الطرق الصوفية ليوزع الشهادات المشيخية الى طلابه كيفما كانواوبهذاحقق التوسع السريع لبث طلبة الطريقةالنقشبندية بين صفوف المجتمع الكردي ليتوسع في بناء ( تكياته وخانقاناته )  وليتوسع كذالك بطرح افكاره وتصوراته التي استطاعت استقطاب العدد الاوسع من دراويش الكرد ومريديهم .

وهكذا استطاع ( الملا خالد) ان ينقل النقشبندية نقلة نوعية كبيرة ابان بدايات القرن التاسع عشر وافول القرن الثامن عشر الميلادي !.

نعم عاد بعد رحيل (الملا خالد البغدادي ) زعماء الطريقة النقشبندية متاثرين بقيميهم القبلية الكردية ، ليرتدواعلى الاصلاح الذي طرحه ( الملا خالد ) في موضوعة توريث مشيخة الطريقة النقشبندية لسابق عهدها لتعود وراثية كما كانت حتى اليوم .

  ان من اهم المميزات التي تفصل  او تميز النقشبندية عن غيرها من الطرق الصوفية لاسيما منها الجيلانية ، ان النقشبندية هي الطريقة الوحيدة الصوفية في العالم الاسلامي ،  التي تنتهي سلسلت طريقتها الى الخليفة الاول ابي بكر عن الرسول الاعظم محمد ص بينما عموم الطرق الصوفية الاسلامية ينتهي نسب وسبب طريقتها الى علي بن ابي طالب ومنه الى الرسول الاعظم محمد ص وهذا الاختلاف ربما له اسباب وجذور سياسية ترجع الى تاريخ الصراع الاموي العلوي من جهة ، والصفوي الشيعي والعثماني السني من جانب اخر ولذالك نجد ان الصوفية النقشبندية ، مع انها قريبة من كل الطرق الصوفية ،  في موضوعة ، تعظيم الاولياء ، واعتماد الالهام  والرياضة لاكتساب العلوم والقرب من الله سبحانه و ...الخ الا انها تبقي هي والمنتمين لها يؤكدون على تصوفهم السني التقليدي ،  ودفاعهم عن السنية الاسلامية في قبالة العرفانية او الصوفية الشيعية بتطرف وغلو  !.                       

__________________________________________

راسلنا


مدونتي فيها المزيد

الثلاثاء، أغسطس 04، 2015

(في سوسيولوجيا المجتمع الكردي العراقي .. الكرد والتصوف ) 11

في القسم السابق من بحوثنا ودراستنا هذه للمجتمعية الكردية العراقية اشرنا الى ظواهر مميزة ثلاث في (تركيبة البنية الدينية للمجتمع الكردي العراقي ) وهي :
اولا : ظاهرة التداخل المعتقدية الدينية التاريخية من الزرادشتية ، الى مابعد الاسلام .
ثانيا: ظاهرة الهرطقة /دخول افكار جديدة او بدع على الدين/داخل المجتمعية الكردية العراقية .
ثالثا : ظاهرة غلبة الطرق والمناهج الصوفية فكريا ، وسلوكياعلى التوجهات الدينية والممارسات الطقسية لهذه المجتمعية الجبلية .
وذكرنا انذاك الاسباب والعوامل الجغرافوية والمجتمعية التي انتجت ورفدت بروز هذه الظواهر وتغذيتها لتستمر داخل تركيبة الاجتماع الكردي العراقي القديم وحتى الحديث ومن اهمها :
اولا : ابتعاد المجتمعية الكردية العراقية لفترات مطاولة تاريخيا او عدم قدرة هذه المجتمعية للتحول ، او التطورللمجتمعات الحضرية المدنية ، التي تتمتع ب (( الضبط المعتقدي الفكري من خلال وجود مؤسسات دينية داخل هذه المجتمعات الحضرية ، وظيفتها ان تهتم بتنقية العقائد ، والمحافظة عليها من الداخل الفكري اوالبدع))بخلاف المجتمعات البدائية البدوية العربية والنصف بدوية الجبلية البعيدة عن هذه الاجواء المدينية المقيدة ، مما يسمح لها وضعها الاجتماعي البدائي باستمرارالافكار التقليدية التاريخية ، واندماجها في الجديد الآني او يسمح بدخول افكار جديدة الى الداخل العقدي المجتمعي !.
ثانيا : وضعها الجغرافي الطبيعي الجبلي الوعر ، الذي يعتبر مصدٌّ رئيسي وعائق اساسي لقيام وحدة اجتماعية متصلة تخلق نوعا من المدينية المتنوعة هو ايضا عامل اخر ساهم ولم يزل بعزل المجتمعية الكردية العراقية وتركها صيد سهل لدخول الافكار وخروجها العقدية منها والدينية بشكل سلس وبدون عوامل ضبط ومراقبة اجتماعية من مؤسسة او نظام ،وهذا اهم العوامل التي هيئت الارضية الاجتماعية وجغرافية الجبل العراقي لرتوع الهرطقات ومن ثم حمايتها ( توفير الحماية لها ) من ان تنالها يد السلطة السياسية المركزية ، او السلطة الدينية او المجتمعية المدينية !!.
(( 27 ))
يمكن القول في دراسة المجتمع الكردي العراقي القديم ، والحديث ان من اهم ظواهره المجتمعية الدينية التي استمرت لفترات قرون تاريخية متواصلة هي ظاهرة (( غلبة الطابع ، والفكر الصوفي/ اذا فسرنا التصوف على انه التنقية الروحية الفردية )) على كل بناه الفوقية ، والافقية والتحتية من سياسية والى الاجتماعية فنية واقتصادية ...الى اسرية والى الفردية !!.
حيث يشعر الفرد الكردي العراقي بصورة خاصة حتى اليوم بانه خلق ليكون درويشا ((الدرويش :مفردة كانت ولم تزل تطلق على المتصوفة الكرد خلال حقبة الحكم العثماني ، الذي دام لاكثر من ستمائة سنة لهذه الجغرافية ، وهذا بعكس متصوفة ايران الصفوية التي اطلق على مريديها عثمانيا بالقزلباش )) او انه (( الفرد الكردي )) قدره حتم عليه ان يكون مريدا لهذا الشيخ الصوفي وتابعا لهذه الطريقة او تلك !!.
يمكننا كذالك رصد (( اذا استثنينا الزرادشتية تاريخيا باعتبارها ايضا حركة تصوف روحية ، حاولت تنقية الروح للوصول )) ان اكابر علماء ومفكري و(مخترعي) الطرق الصوفية ، فيما بعد ولادة الاسلام او الذين اداموا حركة التصوف داخل العالم الاسلامي ونظرّوا لها و .. حتى اليوم كثيرهم اما كرد بالاصل وامامنحدرين من اصول جبال الكرد في منطقة كردستان فمعروف على هذاالصعيد ان امثال(الصوفي المشهورالجنيد ابو القاسم/ 297/ هجرية / من مدينة نهاوند الكردية ، وكذا : شيخ الاشراق السهروردي المقتول على يدصلاح الدين الايوبي 586 هج/من مواليد مدينة سهرورد الكردية ويتبع في احد الروايتين عبد القادر الجيلاني البغدادي 561 هج كذالك باعتبار انه من مواليدجيلان القزوينية في شمال ايران الكردية و..الخ) فكل هؤلاء المنظرين للتصوف داخل الاطار الاسلامي هم كانوا ، اما كردا مباشرة ، او من اصول كردية مما يعطي ، او يؤشر لاي باحث اجتماعي انطباعا قويا ببحث العلاقة الاجتماعية والروحية والتربوية والفكرية والجغرافية ، بين الكرد والتصوف !!.
طبعا في المناهج العلمية لمدرسة علم الاجتماع الحديثة تقيّم الافكار وتبعيتها والمعتقدات وانتمائها للمجتمعات وليس العكس ، اي انه حتى لو لم يكن هناك اي عالم من علماء التصوف داخل الاطار الاسلامي او في تاريخه ينحدر او يتصل بالاصول الكردية كما ذكرنا اعلاه ، فهذا ايضا لايعني انه ليس هناك صلة اجتماعية قوية بين الكردوالتصوف ففي هذاالاطاريكون الميل والانتماء الاجتماعي هو الحاكم ، والدليل على علاقة هذا المجتمع او ذاك مع التصوف او باقي الظواهر الدينية وليس وجود علماءومفكرين من هذاالمجتمع او ذااك هو الدليل والقرينه !!.
ومن هذا المنطلق يكفي دراسة ( توجهات ) الاجتماع الكردي العراقي الدينية بصورة خاصة تاريخيا ، وحتى اليوم ومن ثم نرصد توجهاته الفكرية وميلها لهذا النوع من الظاهرة الدينية او تلك ، سواء كانت توجهات فلسفية عقلية او فقهية سلوكية شرعية ، او صوفية روحية او ....الخ ، لندرك ماهية توجهات هذا المجتمع الدينية ،فالتوجه والانتماء لايحدده كثرة المفكرين والعلماء داخل اي مجتمع ، بل يحدده الميل والتوجه الاجتماعي العام كما هو موجود بالفعل في حالة الاجتماع الكردي بصورة عامة في المنطقة الجغرافية الكردستانية ، او حالة الاجتماع الكردي العراقي بصورة خاصة ،والتي اثبت تاريخها بانها مجتمعية تميل وتتوجه الى الطابع الصوفي في المعتقدية القداسيةالدينية وليس الى الطابع الفلسفي العقلي ، او الفقهي الشرعي ، او العلمي التجريبي المادي او ... !!.
(( 28 ))
من خلال البحث التاريخي والدراسة المجتمعية لكرد العراق تصادفنا ظاهرة متجددة داخل او في تركيبة الاجتماع الديني الكردي العراقي وهي ( ظاهرة التصوف بمفهومه الانساني العام وليس التصوف بمفهومه الاسلامي الخاص ) ، وهذه الظاهرة التي حكمت الذهنية الفكرية ، والسلوكية الكردية العراقية تاريخيا منذ الزرادشتية (وربما ما قبل ذالك) وحتى مابعد الاسلام هي ظاهرة بارزة لعيان البحث الاجتماعي وفارضة لنفسها عليه بنفس الوقت !!.
اي وبمعنى اخر اكثر التصاقا بمناهج البحث الاجتماعي العلمي الحديث : هو ان المجتمع الكردي العراقي وعلى ابعاد متواليته التاريخية كان هو دائما من يفرض نمطيته الفكرية والسلوكية الاجتماعية على جميع الاديان التي تفد الى منطقته الجبلية الوعرةوحتى وان كانت هذه الاديان تمتازبالميل المادي وليس العكس !!.
فمثلا: ليس الفكرالزرادشتي باعتباره امتدادا للعقيدة المزدية / 573 ق م / في حقيقته التاريخية كان متصوفا الا ان التصوف((كظاهرة تخلقها البيئة الجبلية الجغرافية والاجتماعية الكردية ، وتشكل الافكارحسب ضوابطها )) هو ميزة جبلية بامتياز ، ولذالك طيعت الزرادشتية جبليا في جوانب من فكرها الديني العقدي ، لتكون مصنعا لانتاج تصوف روحي فردي ينسجم مع البيئة الجبلية التي تفرض (الوحدة والتوحد في عظيم حياة الفرد والجماعة الجبلية الكردية) باعتباره ( تصوف التوحد مع الجبل) اهم مفردة من مفردات التصوف الديني الزرادشتي !!.
في اليهودية باعتبار انها الديانه التي استوطنت جبال الكرد لقرون متوالية بل واثرت فيه فكريا ، وعقديا بشكل لم تزل تاثيراته ، حتى اليوم قائمة ، ومع ان اليهودية كثقافة دينية وفكرعقدي عُرف عنه الميل المادي والدعوة له في كل افكارها ، حتى الغير مادية كتجسيد الله بصورة انسان مادي مع ذالك فان في دراستناللمجتمعيةالكردية اليهوديةالتي استوطنت الجبل لقرون طويلة نكتشف من خلال الدراسة التي نضدها (اريك بروار ورافائيل باتاي/ يهود كردستان / دارئاس للطباعة ، والنشر/ ط الاولى/ اربيل 2002م / جزئان ) بان يهود كردستان كانوا ولم يزالوا من متصوفة اليهود الذين اخترعوا لانفسهم طريقة صوفية يهودية (متقشفة) تميل الى تنقية الروح والجسد للوصول الى الكمال الديني اليهودي !!.
مسيحيي الكرد ، او المسيحيون ، الذين سكنوا المناطق الجبلية قبل ان تصبح الغلبة فيها للكرد لم يخرجوا عن القاعدة ايضا ، حيث يطلّع الدارس للمسيحية الكردية الجبلية وخاصة العراقية انها(مسيحية صوفية) تعيش الزهد والتقشف في حياتها الاسرية والاجتماعية وتبتكرمن المناهج والافكاروالعقائد الروحية ما يساهم في تنمية الفرد ، ويساعد الجماعة على تنقية الجسد والروح معا من دنس وشوائب المادة وقذاراتها الدنيوية !!.
الايزيدية ساكنة الجبل العراقي الحديث (البعد التصوفي ) ظاهر للعيان بشكل بارز وفي التنقية الاجتماعية اكثر وضوحا ، فمما لاريب فيه ان الايزيدية او اليزيدية بدأت مشروعها الصوفي على يدمتصوفها الاكبر (عدي بن مسافر) الذي شطح بتصوراته الدينية الصوفية الى اقصى اليمين الصوفي ، ليخترع لمريديه صوفية تنعكس على افكار مريديها بثورة على الموروث الاسلامي العام في موضوعة(ابليس او الشيطان)بشكل جديدومبتكر ليصبح المغضوب عليه طاووس الملائكة كمميز للصوفية الايزيدية !!.
اما ما يتعلق بالكاكائية / بالاساس تنتمي هذه الفكرة لعشيرة برزنجه / والعلي الاهية العلوية و ... فهي كلها منتجات الجبل سواء كان كرديا او غير كرديا في سوريا ، وتركيا وايران والعراق ، ومعروف بهذا الصدد ان مبتكروا هذه الافكارهم متصوفه ك((فخرالعاشقين سلطان اسحاق البرزنجي / مولود 671 هجرية )) الصوفي من مدينة السليمانية المعروف بالنسبة للكاكائية ، وهكذا في العلويةالتي هي امتدادللصوفية الايرانية الصفوية اوهي الجانب المتطرف من التيار الشيعي العام التي تؤمن بشكل متطابق مع العقائدوالافكار الايزيدية والكاكائية بتناسخ الارواح وتعظيم الاولياء و ...الخ !.
من كل هذا نستنتج : ان التصوف هو منتج بيئي جبلي بامتياز ، قبل ان يكون منتجا فوقيا فكريا ينزل من الاعلى ، الى قواعد المجتمع ، بل هو منتج قاعي اجتماعي يصعد من قاع البيئة الاجتماعية الجغرافية ليشكل الفكر الاجتماعي الديني كيفما شاء ، ولهذا صهر المفهوم الديني تاريخيا وحتى اليوم في الجبل العراقي بقالبه الصوفي ليكون التصوف هو عنوان الدين والمقدس !.
اليوم تتغلب طريقتان من التصوف على المجتمعية الكردية العراقية ، وهما ( الطريقة النقشبندية والاخرى الجيلانية ) ولهاتين الطريقتين تاريخ معقد في تشكيل بنية الاجتماع الكردي العراقي الحديث وكذا صعود ، وهبوط احدى هاتين الطريقتين الصوفيتين سياسيا واجتماعيا وقبليا... ايضا اسباب وعوامل لابد من دراستهابشكل دقيق وواعي لتتضح صورةالاجتماع الكردي العراقي وماهية الظواهر الدينية المتحكمة في اليات عمله العقدية !!. __________________________________________
راسلنا
alshakerr@yahoo.com
مدونتي فيها المزيد
http://7araa.blogspot.com/