الخميس، سبتمبر 29، 2011

(( من التمهيد الفلسفي لفكر السيد محمد باقر الصدر )) 4 حميد الشاكر


عندما يطلق على الامام الشهيد محمد باقر الصدر وفكره صفة العبقرية ، او عندما ينال السيد الشهيد الصدر رحمه الله تعالى هذا الاهتمام الكبيرمن قبل الفكر العراقي والعربي والاسلامي وحتى العالمي فلا يعني هذا مطلقا ان هناك دوافع عاطفية او حسابات سياسية ، او ممالآت اخلاقية ، دعت هذا الكمّ الهائل من الاهتمام بالصدر فكرا ومفكرا ، كانت تقف خلف تقييم فكر الامام الصدر وماطرحه من اطروحات لفتت انظار العالم بصورة عامة والفكر العراقي بصورة خاصة !!.
لكن مايقرب من الصواب القول الفصل فيه : ان الامام الصدر ، بالفعل كان مختلفا عن عصره ومختلفا في فكره وتقدميا في طرحه وعبقريا في تناوله ولهذا استحق هذه التقدمة الفكرية ونال بجداره هذه الصدارة العلمية التي وصف بهاالامام الصدر ولم يزل حتى اليوم وبعد مرور عقود من انتقاله للرفيق الاعلى وهو لم يزل يتربع على عرش الفكر الاسلامي بلا منازع !!.
والحقيقة ان مايميز فكر الامام الصدر وعلمه وطرحه عن باقي اقرانه من العلماء والمفكرين داخل العراق ، ومن ثم العالم الاسلامي وخارجه انه استطاع وبموهبة الاهية غير عادية ان ينقل الاسلام كله بفكره ومدرسته ، واطروحته ، وتصوراته واحكامه .... نقلة نوعية غير مسبوقة قبله ، بحيث انه والوحيد من بين ركام هائل من المفكرين والعلماءوالمثقفين استطاع التمردعلى التقليدية الدينية الاسلامية وكسر تابوهاتها ، التي جثمت على صدر الاسلام فكرا وممارسة لاكثر من الف سنة من الجمود والتخلف والتبعية ولينقل من ثم هذا الاسلام الى العصر الحديث او مايسمى بعصر الحداثة وقيام مابعد الدولة الحديثة وفلسفة الحكم والعقيدة !!.
ونعم عاصر الامام الصدر زمانيا ، ومكانيا الكثير من العلماء والمفكرين والمثقفين الذي كتبوا والفوا اكثرمما طرحه الامام الصدر بمئات المرّات في العالمين العربي والاسلامي من مؤلفات وكتابات واطروحات تخدم الاسلام تراثاوفقها وعلما وحديثا واصولا ...الخ ، لكن ما نتحدث عنه حول الصدر هو ليس كمية المؤلفات والكتب التي طرحها الامام الصدر في الاسواق ليكون مصيرها الى رفوف المكتبات بفائدة ضئيلة ، وليس ما نشير له حول الصدر غزارة المنتوج واعادة انتاج الاسلام في فكره التقليدي وتطلعاته المكررة بل مانشير له هو (النوعية) النادرة في فكر الامام الصدرالذي فتح الابواب والنوافذ والافاق لاسلام ليس فقط يستطيع الانتقال لمعايشة العصر والتطور معه ، بل ولأسلام ينتصرعلى الحداثة ويخطو خطوة متقدمة على روح العصر وفلسفته واقتصاده وقانونه ودولته ..... ليطرح من ثم اسلام القرن الواحد والعشرين بدون ان يضطر الامام الصدربالتفريط ولوبذرة واحدة من اصالة الاسلام الفكرية ومنبعه المحمدي الصافي العين والمأخذ !!.
وهذا هو في الواقع الذي جعل من فكر الصدر ، وطرحه الاسلامي ظاهرة مختلفة وتستحق الالتفات والاشادة بها ، وتقديمها للعالم بشكل مميز !!.
وكذا عندما نقول ان من مميزات فكر الامام محمد باقر الصدر انه فكر وفي جانب من جوانبه المتعددة وفضلاعن انه نقل الاسلام بفكره الاصيل كله نقلةنوعية بحيث يمكننا الجزم ، انه اعطى روحا او حياة مختلفة للطرح الاسلامي ، ليساوق العصر وطروحاته يمكننا ايضا ان نظيف الى ذالك ، ان فكر الامام الصدر رض وطرحه تميز كذالك بقدرته على نقل المتحجراو المعقد اوالمتخصص الغارق في الانزوائية من كونه فكرا لا يمكن ان يتناوله الا مجموعة صغيرة من فئات المجتمع الاسلامي العلمية الى كونه فضاءا واسعا بالامكان ان يعمّ نفعه لجميع من يريد الاطلاع عليه وفهم الاسلام بصورته الاكاديمية العامة ، ذات الفائدة الاسلامية الاشمل ، والاكثر عصرنة وحداثة لروح اللحظة !!.

وهذا بالفعل ماحققه الامام الصدر ( مثلا ) في اعقد العلوم الاسلامية والفقهية التي تسمى بعلم الاصول ، حيث ان هذا العلم وغيره من العلوم الاسلامية الاخرى التي كانت حكرا على طلبة العلوم الدينية او منزوية الفهم الا على اصحاب الاختصاص الحوزي من فقهاءواصوليين داخل اعقدالمجالس البحثية في الفكرالاسلامي استطاع الامام الصدر وبفضل جهود الصدر الشخصية ، ومن خلال كفاءة طرحه العصرية استطاع هذا المفكر الملهم ، ان يصوغ علما اسلاميا من اعقدالعلوم الاسلامية ليعيد انتاجه بشكل مختلف وليهيئ من ثم علم الاصول ليكون علما اكاديمياوجامعيا قادرا اي طالب علم سواء كان اكاديميا ، او حوزويا من تناوله ومن ثم فهمه واستيعاب مضامينه المهمة للاطروحة الاسلامية التي يعتمد فقهها وحكمها الاسلامي على هذا العلم الجليل !!.
ونفس القول ينسحب على باقي فكر الامام الصدرايضا ففي الاقتصاد الاسلامي لم يكن احد ممن عاصر الامام الصدر ، فضلا عن مَن سبقه فكريا وعلميا ان يطرح لنا اقتصادا اسلاميا بهذه الطريقة الحداثية ، التي ليس فقط استطاعت اللحاق بركب عصرالتكنلوجيا والعلم والفلسفة فحسب بل ولتتفوق على روح هذا العصر وتطرح رؤية اسلامية اقتصادية ....، تستشرف المستقبل ، ومن ثم لتطرح معالم الاقتصاد الاسلامي لالف سنة قادمةكماازعمه شخصياوهي تحتكر زعامة التأسيس للاقتصاد الاسلامي الحديث بلا مجادل !!.
ونعم ايضا تحدثت كتب الفقه التقليدية كثيرا عن المكاسب المحرمة منها ، والمحللة وتحدثت عن الارض والثروات والانتاج والاستهلاك والتملك ، والاحتكار والبيع والتجارة والاقتصاد ....... ، لكن كل هذا كان منتجا فكريا وفقهيا واسلاميا يصلح تماما ، للمجتمعات الاسلامية ماقبل الحداثة ، وقيام الدولة داخلها وعصر التكنلوجيا والفلسفة الجديدة وعندما كنا نقرأ الاقتصاد الاسلامي في كتب الفقه التقليدية نصاب بانفصال تام عن الحياة والعيش بواقعية في داخلها في العصر الحديث !!.
اما بعد طرح الامام الصدر للاقتصاد الاسلامي ، وبعد ان نظم الصدر اقتصادنا الاسلامي المبعثر داخل كتب الفقه القديمة والحديثة ، وقدمه للعالم بشكل متكامل وداخل اطار الدولة ومن ضمن مؤسساتها ، واردف ذالك بنظرية بنكية اسلامية عندئذ اطلعنا على اسلام مختلف واقتصاد اسلامي يجمع بين الابعاد العلمية والاخرى المذهبية ، ومن ثم لنبصر اخيرا موقع اقدامنا من منظومة الفكر الاقتصادي الراسمالي والاشتراكي المعاصر ولنفخر ان اسلامنا لم ياتي لزمان دون اخر وان في اسلامنا الذي طرحه وصاغه الامام الصدر حوامل التطور والتقدم الذاتية التي تصادق على مقولة انه خاتم الاديان السماوية وان الاسلام بالفعل دين ودلة وانه جاء كخلاصة وزبدة لتجربة جميع الانبياء والمرسلين حتى اليوم !!.

هذا هو ماقدمه الامام الصدر (رض) للاسلام في العصر الحديث ، وهذا هو ايضا ماجعل من الامام الصدر، ان يكون ظاهرة فريدة خُلقت في اجواء عراقية لم تكن توحي بمثل هكذا طفرات فكرية عراقية وعربية واسلامية غير مسبوقة كذالك !!.
ان الامام الصدرومن خلال تناوله لاكثر من فكرة وفكرة اسلامية وانسانية استطاع ليس فقط التجديد للفكر الاسلامي كما يطرح بعض المفكرين مصطلح التجديد للفكر بل العبقرية الحقيقية للامام الصدر : انه تجاوز مستوى التجديد ، ليعبرالى الضفة الاخرى من عبقرية التاسيس لجميع الفكر الاسلامي الاصيل كذالك فالامام الصدر هوالمؤسس والمجدد لفكر فلسفي اسلامي عصري ، ومتطور كما انه هو المؤسس والمجدد لفكر اقتصادي وكذا فكرا اصوليا فقهيا ولاننسى انه رائد تاسيس مدرسة تفسيرية قرانية تحاول الانتقال بالقران ونصوصه ، وفكره من التجريدية التجزيئية الى الموضوعية ، وهكذا ان اخذنا الصدر في حيزه الاجتماعي ، لنقول ان الصدر صاحب رؤية تأسيسية وتجديدية للمجتمع الاسلامي وكيفية تراكيبه ونظمه القانونية والسياسية والتربوية !!.
http://7araa.blogspot.com/
alshakerr@yahoo.com

الاثنين، سبتمبر 26، 2011

(( من التمهيد الفلسفي لفكر السيد محمد باقر الصدر )) 3 حميد الشاكر


لاريب إن الكتاب والمفكرين والعلماء والمثقفين .... ممن تناول حياة وفكر الامام الصدر رضوان الله تعالى عليه قد تناولوا العديد من الزوايا والآفاف لسيرة هذا العلم الفذ الشخصية ، وكذا المناحي الفكرية ايضا الذي تميز بها طرح السيد الشهيد رحمة الله تعالى عليه !!.

فالسيد محمد باقر الصدر حاضرٌ بعمق في اقلام وفكر ممن تناوله بالبحث سيرةً شخصيةً وكذا سياسيةً وفلسفية وتجديدية وقرآنية تفسيريةً ، وفقهية اجتهادية واصوليا وبحثا علميا ومشروعا تاسيسيا وصراعا حضاريا ودولة اسلامية ومواجهةً ومدرسةوتجربة تاريخيةوابداعا ومعرفة واسسا منطقية واقتصادا وعملا تنظيميا وتغييرا ونهضةً دينية ..... كل هذا تناوله العلماء والمفكرون والكتاب والمثقفون حول الصدرتغطيةً لحياة وجهاد وفكر السيد الشهيد محمد باقر الصدر !.

لكن لم اصادف فيما قرأت حول الصدر فكرا ومفكرا ، وعلى حدود اطلاعي المحدود وحتى الآن ممن كتب اولامس موضوع ((النظام الاجتماعي )) في فكر الامام الصدر ليرصد له بحثا اوقسما او فصلا مستقلا في كتاباته حول فكر الامام مع ان السيد الصدر محمد باقر نفسه لم يخلو فكره في اي طرح طرحه سواء كان فلسفيا او فقهيا او اقتصاديا او اصوليا ، او سياسيا من الاشارةوتناول فكرة(النظام الاجتماعي) واهميته وحيويته للحياة الاجتماعية المحلية والعالمية ، كما تناوله مثلا في تمهيده الفلسفي لكتاب فلسفتنا الذي هو بين ايدينا الان !!.

وعلى هذا الاساس كان تناولنا للتمهيد الفلسفي لفكر الصدر باعتبار ان هذا التمهيد يصلح ان يكون منصة جيدة لتناول فكرة ((النظام الاجتماعي )) في فكر الصدر وكيقية تناول الصدر رحمة الله عليه لها ؟، ولماذا نظر الصدر للنظام الاجتماعي على اساس انه (( مشكلة العالم التي تملأ فكر الانسانية اليوم )) !!.

طبعا حسب مانذهب اليه فإن موضوعة (النظام الاجتماعي ) في فكر الامام الصدر لها اكثر من بُعد واعمق من قصة عابرةً ،ولهذا وجدنا هذا الاهتمام الكبير في فكرالصدر للنظام الاجتماعي واعتباره كما تناولناه سابقا بانه هو مشكلة العالم ، والانسانية في الحديث من التاريخ ، والقديم منه وان النظام الاجتماعي داخل في حسابات الحياةا لانسانية ومؤثربها بشكل مفصلي وان النظام الاجتماعي هوالمشكّل الحقيقي لحياةالانسان وهويته لا بلّ ان النظام الاجتماعي هوالمعادلةالحقيقية في تطورحياة الانسان اوتراجعها واندحارها الى الابد ، ولهذا رأى الامام الصدر، وبشكل لالبس فيه : ان مشكلة النظام الاجتماعي هي من دفع الانسانية : (( الى خوض جهاد طويل وكفاح حافل بمختلف الوان الصراع وبشتى مذاهب العقل البشري التي ترمي الى اقامة البناء الاجتماعي وهندسته ...)) 1.

اي ان السيد الشهيد كان يرى في تمهيده الفلسفي هذا ، إن جهاد البشرية الطويل ونضالها المستمر كان هدفه الاول والاخير هو اقامة نظام اجتماعي صالح يضمن للمجتمع كرامته وسعادته وتطوره !!.

وهذا يعني فيما يعنيه : ان الامام الصدر كان ينظر (( للنظام الاجتماعي )) انه المحورالذي تدور حوله حياة البشرية كلها وفي صلاحه تصلح البشرية وتنعم بالامن والاستقرار والكرامة والحرية الحقيقية وفي فساده تعاني هذه البشرية من ويلات الظلم ، والانحراف والغرق بالرذيلة ، والانحطاط الى ما لانهاية !!.

إن هذه الحقيقة للنظام الاجتماعي في فكر الامام الصدر، وابرازها من قبلنا ستحلّ الكثيرمن الغاز فكر الصدر وفلسفته التي التبس بعض مواردها على الكثير ممكن كتب حول فكر الصدر السياسي ،بل اننا سنزعم بثقة ان ادرك هذه الحقيقةلفكرالصدرورؤيته نحوالنظام الاجتماعي في محوريته التغييرية العالمية ستُطلع جميع من كتب حول حياة الصدر الفكرية ، والحركية على سرّ مواقف الصدر السياسية الجهادية ، التي تبناها في حياته الشاقة التي امتلأت بالجهاد المتواصل من اجل تغيير النظام الاجتماعي والسياسي القائم في العراق واحلال النظام الاسلامي محله ،فبغير معرفة رؤية الامام الصدر هذه ، لموضوعة النظام الاجتماعي ، واهميته ومحوريته التغييرية العالمية في فكر الصدرلايمكننا فهم الصدر فكرا والذي وظف كل هذا الفكر من اجل التنظير للنظام الاجتماعي الاصلح للمجتمع ،ومفكرا عندما حمل على عاتقه مسؤولية الشهادةمن اجل الوصول الى اقامة هذا النظام الاجتماعي الصالح الذي كان الامام يرى انه يتجسد في النظام الاسلامي في هذه الحياة !!.

ونعم من جانب آخر كان هناك من عمالقة الفكر الاسلامي الحديث من يرى المشكلة العالمية والانسانية وجذورها الحقيقية بشكل مختلف عن ما اسس ونظرّ له الامام الصدرفي فكرة محورية النظام الاجتماعي التغييرية العالمية فهنالدينا( للمقارنةاختلاف رؤيةالصدرعن غيره) المفكرالاسلامي الجزائري (مالك بن نبي) الذي يرى ان المشكلة العربية والاسلامية ومن ثم الانسانية العالمية تختصربانها (مشكلة افكار) قبل ان تكون مشكلة (نظام اجتماعي ) كما يذهب له الصدر ، وعندما طرح (( مالك بن نبّي)) رؤيته حول المشكلة العالمية المعاصرة في كتابه (مشكلة الافكار في العالم الاسلامي) كان ذاهبا الى القول الصريح ب: ((ان العالم الاسلامي يعاني من مشكلة افكارلامشكلة وسائل ونظم واليات )) !.

أما الامام الصدرفطرحه كان مختلفامن الناحيةالنظرية لمالك بن نبّي وايضا من الناحيةالعمليةفبينما كان توجه بن نبّي الى ان كل شيئ ينبغي ان يكون او هكذا هو في الرؤية الاسلامية على اساس انه وسائل توصل الى الافكار والارتقاء نحوها ، كان الامام الصدر اكثر واقعية فكرية عندما كان يرى ان الغاية العظمى والهدف الاسمي لكل شيئ في هذا العالم وبمافي ذالك الافكار ومواضيعها ومداميكها ينبغي ان تكون وسائلا ومقدمات للوصول الى اقامة (( نظام اجتماعي صالح )) يؤطر بسياجاته وجدرانه ومنصاته وقواعده كل الوجود البشري لينهض به ويبحر بهم نحو شاطئ الامان !!.

ومن هنا قال الصدر وهو يتحدث عن النظام الاجتماعي الاصلح في تمهيده الفلسفي واعتباره غاية الغايات الانسانية ومنتهى اشواط النضال البشرية : (( لنعرف الغاية التي يجب ان ينتهي اليها الشوط والساحل الطبيعي الذي لابد للسفينة ان تشق طريقها اليه ، وترسوعنده لتصل الى السلام والخير وتؤوب الى الحياة مستقرة ، يعمرها العدل والسعادة ، بعد جهاد وعناء طويلين وبعد تطواف عريض في شتى النواحي ومختلف الاتجاهات ))!.2.


1: فلسفتنا للامام الصدر / دار التعارف للمطبوعات لبنان / الطبعة الرابعة عشر / ص 11.
2: نفس المصدر / ص 12.


مدونتي http://7araa.blogspot.com/

alshakerr@yahoo.com

السبت، سبتمبر 24، 2011

(( من التمهيد الفلسفي لفكر السيد محمد باقر الصدر )) 2 حميد الشاكر


عندما طرح السيد الصدر في تمهيدكتابه فلسفتنا فكرة ( المشكلة العالمية ) المعاصرة ليختصرها في انها مشكلة (( نظام اجتماعي ))عقبنا على لمسة الامام هذه ، بانها ليست مشكلة عالمية عصرية فحسب ، وانما هي مشكلة أزلية انسانية غارقة في القدم والى اليوم وذالك منطلقا من حاجة الانسانية الى النظام الاجتماعي في كل وقت ، وبحث هذه الانسانية الدؤوب للوصول الى التكامل فيه لضمان الحياة الافضل والاسعد !!.

والحقيقة ان السيد الصدر نفسه (( قدس)) هو مَن ذكر في تمهيده الفلسفي هذه الحقيقة حول مشكلة العالم ، والنظام الاجتماعي الاصلح باعتبار انهما مشكلة قديمة قدم الوجودالاجتماعي في حياة الانسان الفرديةعندما ذكر في تمهيده القول ((وهذه المشكلة عميقة الجذور في الاغوار البعيدة من تاريخ البشرية ...)) 1 !!.
أما كيف ان هذه المشكلة العالمية لنظام الاجتماع عميقة الجذور التاريخية ؟.
ولماذا كان النظام الاجتماعي مشكلة انسانية عالمية ؟.
وهل يعني هذا ان الانسان بدأ مسيرته البشرية على هذه الارض بلا نظام اجتماعي ثم تطور وجوده البدائي ليشعر بحاجته الى هذا النظام ؟.
أم ان حاجة الانسان للنظام الاجتماعي بدأت مع اول خطوة للانسان على هذه الارض وبلا فاصل زمني بين وجود الانسان ونظامه الاجتماعي ؟.
ومتى برزت مشكلة النظام الاجتماعي الاصلح ؟.
ولماذا اصبح النظام الاجتماعي الاصلح ضمان استقرار ، وتطور المجتمع وسعادته ؟.
وماهي المآسي ، والعذابات التي تترتب على شذوذ المجتمع وانحرافه عن نظام المجتمع الاصلح ؟.
فكل هذا طرحه الامام الصدر (( قدس)) في اول صفحة من تمهيده الفلسفي العميق !!.
نعم الامام الصدر وفي مواضع اخرى من فكره الشامل ومؤلفاته الاسلامية الكثيرة ( مثل المدرسة القرآنية ) تناول تاريخية اشكالية النظام الاجتماعي في حياة الانسان التاريخية واستند في ذالك على الرؤية التاريخية القرآنية التي تَرجع بمشكلة (النظام الاجتماعي) الى تاريخ اول تشكّل اجتماعي لهذا الانسان في هذه الارض ، والذي اسماه الامام الصدر رحمة الله تعالى عليه (بالانتقال من دور الحضانة والبدائية ، الى دور الوحدة وبعده دور التشتت والانقسام ) 2 !!.
او بلغة القرآن لصياغة مشكلة النظام الاجتماعي وتاريخهاالطويل في قوله سبحانه وتعالى(( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ..... / البقرة 213)) .
باعتبار ان دور الوحدة مثل دور البدائية ماقبل النظام الاجتماعي وحاجته ودوربعث الرسل لقيام الدولةوالسلطةبعدما تعقدت الحياةالاجتماعية سياسيا واقتصاديا ، وانزال الكتب كشرائع ونظم ، وقوانين تنظم من ادارة المجتمع المعقد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا فيما بعد دور البدائية الساذج !.

او كقوله سبحانه في سورة الحديد / آية 25 / ، وهي تتحدث عن وظيفة الرسالة او القانون والنبوة او القيادة والسلطة التنفيذية في قيمومة النظام الاجتماعي في حياة الانسان بالقول (لقد ارسلنا رسلنا بالبينت وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناسُ بالقسط ...) . ، باعتبار ان النظام الاجتماعي المكون من القانون او التشريعات من جهة والسلطة او القيادة والدولة من جانب اخر كان غايته وهدفه هو اقامة العدل بين الناس !.

فهنا وفي الرؤية الاسلامية القرانية ، التي يتبناها الامام الصدر رض على اكثر من صعيد في تشكيل فكره الفلسفي والاجتماعي تتبلور مشكلة النظام الاجتماعي واهميته في حياة المجتمع وحاجة هذا المجتمع الانساني لهذا النظام على اساس انها مشكلة واجهت الانسان من اول لحظة في انخراطه التاريخي بما يسمى (المجتمع) كأطار فرضه على الانسان فطرته الانسانية من جهة وطبيعته الاجتماعية البشرية ، والاقتصادية والسياسية من جانب اخر !!.

اي ان الامام الفيلسوف الصدر عندما نوه الى ان مشكلة النظام الاجتماعي في تمهيده الفلسفي (( هي مشكلة عميقة الجذور ... من تاريخ البشرية )) فانه كان ناظرا الى تلك الابعاد الفكريةالتي يرسمها الاسلام لحركة البشرية وادوارها التي تنقلت بهابداية من حياة البدائية والتي اسماها الامام الصدر بدور((الحضانة )) والتي هي نفسهايصفها القرآن الكريم بدورة الوحدة في قوله سبحانه (( كان الناس امة واحدة )) على اساس ان حياة الانسان قبل بروز التعقيدات الاجتماعية المهمة كانت تسير وفق رؤية موحدة وبسيطة وفردية وساذجة وغير محتاجة الى تنظيم وقانون وسلطة وقضاء... وغير ذالك من حاجات المجتمع المعقدة ، قبل ان تنخرط هذه الانسانية فيما بعد بتعقيدات انشاء العلاقات الاجتماعية المعقدة قانونيا ، وسياسيا بعد انتقالها من مرحلة الفطرة الساذجة ، الى مرحلة التشريعات وانشاء السلطة وقيام المجتمع السياسي والاقتصادي ... المقنن ، والتي فرضت عليها ( اي على العلاقات الاجتماعية ) البحث ، والحاجة لنظام اجتماعي يقيم تلك العلاقات الانسانية وينظم من شأنها اجتماعيا !!.

وبعد ذاك جاء دور النظام الاجتماعي ، وبرز في حياة البشرية ، وتاريخها كمشكلة عالمية بحاجة الى حلّ وبحث بشري وتطلع لتنظيم علاقات مجتمع انتقل من الوحدة والبساطة والبدائية ، الى التزاحم والتعقيد والتدافع .... ولايمكن له السير والتعايش والبناء والاستقرار الا بوجود ما يُنظم علاقات المجتمع فيه الداخلية والخارجية ، ليضمن سير المجتمع على وتيرة واحدة ولغاية وهدف موحد ومعروف !!.
وحتى اليوم بقت الحاجة للنظام الاجتماعي ، حاجة لايمكن لاي مجتمع فيه تعقيدات اقتصادية واجتماعية وسياسية .... الاستغناء عنها ، او تصور ان يقوم مجتمع بلا نظام !!.
وعلى هذاالاساس بنى الامام الصدر رض تصوره لمشكلةالنظام الاجتماعي وتاريخها وخطرها وعمق مدلولاتها الانسانية بالقول :(( ومن الطبيعي أن تحتل هذه المشكلة مقامها الخطير ، وان تكون في تعقيدها ، وتنوع الوان الاجتهاد في حلها مصدرا للخطر على الانسانية ذاتها ... )) 3 !!.

أما لماذا كانت مشكلة النظام الاجتماعي بهذاالخطر من المنزلةفي المشروع الانساني وسعادته او شقاءه ؟.
فان الامام الصدر يجيب وبفكره الذي اوتي جوامع الفكربالقول ((لأن النظام الاجتماعي داخل في حساب الحياة الانسانية ، ومؤثر في كيانها الاجتماعي في الصميم / 4 )) .

اي ان النظام الاجتماعي ليس هو فقط حاجة اجتماعية او اشكالية تاريخية ومعاصرة فحسب بل انه كذالك (( نوعي )) في تاثيره على حياة الانسانية الاجتماعية ، وهو المحدد لشقاء المجتمع وتعثره او سعادته وتطوره !!.

وهذا في الواقع مايرتقي باهمية النظام الاجتماعي في نوعيته بعد وجوده من كونه حاجة فطرية وطبيعية وسياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية لاي مجتمع بشري ، الى كونه هو المحدد الاول والاخير الى نوعية الحياة التي سوف يتحرك في اطارها هذا المجتمع !!.
فالنظام الاجتماعي حسب رؤية الامام الصدر قدس داخل في حسابات الحياة الانسانيةوليس هو حاجة لها فحسب بل هو صانع هذه الحياة وهو مشكلها وهو المتحكم في سيرها وصيرورتها ايضا ،وهو كذالك المنصة التي يستند عليها المجتمع وفي صلاح النظام الاجتماعي او فساده يتقرر مصير حركة المجتمع وتطوره ونموه ، او تحجره وتراجعه وعدم قدرته على تفجير اي طاقة من طاقات المجتمع الخلاقة !!.

بمعنى اخر :يمكننا صياغة رؤية الامام الصدر قدس لاهمية وخطرية النظام الاجتماعي على وجود المجتمع وحركته وتطوره او اندحاره بعد ان ادركنا رؤية الصدر في حاجة المجتمع لهذا النظام الاجتماعي تاريخيا وحتى اليوم بانها الرؤية التي تنظر للنظام الاجتماعي من اكثر من بُعد وزاوية واتجاه فنحن كمجتمع بحاجة الى النظام الاجتماعي بسبب :

اولا: لانه لا وجودلمجتمع بدون نظام يشكل العمود الفقري لجسداي مجتمع ويقيم أوده ويرتب من علاقات الافراد فيما بينهم والبين الاخر .
ثانيا : ان النظام الاجتماعي معادلة حاسمة في رسم صورة المجتمع ، وهو داخل في حسابات الحياة الانسانيةوعلى هذا لايمكن لنا تصور حياة انسانية بلا نظام يُشرف عليها ويعطيها صورة هويتها الانسانية .
ثالثا :النظام الاجتماعي ليس فقط داخل في حسابات الحياة الانسانية ومؤثر عليهابشكل مباشربل انه المعادلةالحقيقية التي بامكانهاصناعة امة متطورة ومدفوعة الى الامام ، ونامية وتتفجر فيها الطاقات الانسانية الخلاقة التي بامكان النظام الاجتماعي الصالح ، ان يفجر من صواعقها الابداعية في كل اتجاه من حياة المجتمع البشرية صناعيا وسياسيا واقتصاديا وفنيا ...!!.

والعكس صحيح ايضا ، اذا كان النظام الاجتماعي اجنبيا عن جسد المجتمع او مفروضا عليه اوغير قادر على الانسجام مع المجتمع وتطلعاته وحركته ....الخ عندئذ يتحول النظام الاجتماعي من منصة وقاعدة لانطلاق المجتمع وانسجامه وتكامله .......الخ الى اغلال وقيود وكوابيس يخلق في كل يوم ازمة للمجتمع وحياته ، ويعرقل من اي نهضة يحاول المجتمع صناعتها الا ان نظامه الاجتماعي لا يساعد على هذا النهوض لانه ، وبسبب علة سلبية فيه هنا ، وعلة غير ايجابية فيه هناك ، لايتمكن من ان يكون نظاما صالحا لحياة المجتمع والانسانيةاو لايتمكن ان يكون ارضية مهيئة لاعداد الانسان فكريا وعقديا واقتصاديا وصناعيا وتكنلوجيا وتربويا ...... كي يصنع حياة مختلفة ومتطورة وحاسمة !!.

إن مشكلة النظام الاجتماعي الاصلح ،واهميته والبحث عنه او كيفية ايجاده وصناعته هي التي (كما يقول الصدر) : (( قد دفعت بالانسانية في ميادينها الفكرية ، والسياسية الى خوض جهاد طويل ، وكفاح حافل بمختلف الوان الصراع ، وبشتى مذاهب العقل ، التي ترمي الى اقامة البناء الاجتماعي وهندسته ورسم خططه ووضع ركائزه ...)) 5 .


مدونتي http://7araa.blogspot.com/
alshakerr@yahoo.com




1: فلسفتنا للسيد الصدر / ص 11
2: التفسير الموضوعي والفلسفة الاجتماعية في المدرسة القرانية / السيد محمد باقر الصدر / تقديم جلال الدين علي الصغير / ص 189
3 : فلسفتنا / التمهيد / ص 11
4 : نفس المصدر .
5: نفس المصدر / ص 11 .