السبت، أكتوبر 01، 2011

(( من التمهيد الفلسفي لفكر السيد محمد باقر الصدر )) 6 حميد الشاكر


لايشكك الامام محمدباقرالصدرفي تمهيده الفلسفي لكتاب فلسفتنا بالنظام الديمقراطي الراسمالي وانه كان في يوم من الايام ، ولم يزل ربما عند كثير من المستفيدين من هذا النظام للحظة انه النظام الاصلح ، والامثل لادارة العالم الانساني كما ان الامام ( رحمه الله ) وفي معرض تقديمه للنظام الديمقراطي الراسمالي ايضا لا يشك انه النظام الاجتماعي الذي ناضل مريديه والمؤمنون به كثيرا من اجل الاطاحة بنوع من الظلم ، والدكتاتورية السياسية ، التي كانت جاثمة على قلب اوربا وانه النظام الذي حاول التخلص من الكابوس الكنسي الديني المتحجرالذي كان يكتم على انفاس المجتمعات المسيحية الاوربية وهوالنظام الذي اعلن الثورةعلى التخلف الاقتصادي ومستوى المعيشة المتدنية للفرد الاوربي ، وهو النظام الاجتماعي كذالك الذي بشرّ بالحرية والازدهار والتقدم والتطور والكرامة البشرية .... وغير ذالك !!.

كل هذا لم ينكره الامام الصدر ( رض ) في تمهيده الذي تناول النظام الديمقراطي الراسمالي الحديث عندما قال : (( ولنبدأ بالنظام الديمقراطي الراسمالي .هذا النظام الذي أطاح بلون من الظلم في الحياة الاقتصادية ، وبالحكم الدكتاتوري في الحياة السياسية ، وبجمود الكنيسة وما اليها في الحياة الفكرية ، وهيأ مقاليد الحكم والنفوذ لفئة حاكمة جديدة حلت محل السابقين ،وقامت بنفس دورهم الاجتماعي في اسلوب جديد )) . 1 .

ثم بعد ذالك يشرع الامام الصدر بطرح ابرز المعالم الفكرية ، للنظام الديمقراطي الراسمالي ، بل وقد طرح الامام الصدر في شرحه لاساس النظام الديمقراطي قبل ان يبدأ بنقد هذا النظام، والمذهب الاجتماعي الحجر الاساس الذي اعتمد عليه كل النظام الفكري والاجتماعي الراسمالي الديمقراطي الا وهو حجر ( الايمان بالفرد ) او الايمان بالفردية كحجر اساس لاثاني له ولاثالث في اقامة كل البناء المجتمعي الديمقراطي الراسمالي منذ قيام هذا النظام في العالم الاوربي الحديث وحتى اليوم !!.
اكثر من ذالك ، فان الامام باقرالصدر ( رض ) عندما اراد الابتداء بالحديث عن النظام الديمقراطي الراسمالي ، وماهية اسسه الفكرية ، وذكر الفردية كاساس اهم ووحيد بهذه المنظومة المذهبية للنظام الديمقراطي الراسمالي لم ينس ان يشير الى ايمان هذا النظام المطلق بالفردليس باعتباره اساس المذهب الاجتماعي الديمقراطي الراسمالي فحسب بل ولانه من الناحية الفكرية الاخرى للراسمالية ذاهبة لرؤية ان الفردهوالضامن الحقيقي لمصالح المجتمع باعتباران مصالح الفردالفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية....الخ هي نفسها الكفيل الوحيد الذي يسرّب الى مصالح المجتمع الكلية كذالك وبدون اي تناقض او تضارب او صراع بين الوجودين !!.
وعلى هذا الاساس الجوهري لفكرة النظام الاجتماعي الراسمالي الديمقراطي للفرد ومن خلال هذه الرؤية ، التي لاتجعل هناك اي فاصل بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع دعت الراسمالية الديمقراطية الدولة وكافة مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية لحماية الفرد ومصلحته وحريته ونشاطه ......الخ ، وان لاتكون الدولة كمؤسسة مالكة للسلطة والادارة الشكلية معيقة او مقيدة او متدخلة في نشاط الافراد وحرياتهم وتطلعاتهم داخل المجتمع الا بقدر حفظ النظام بين الافراد فحسب !!.

يقول الامام الصدر وهو يشرح لنا اسس النظام الاجتماعي الديمقراطي الراسمالي ونظرته للفرد ومصالحه ومايترتب على هذه النظرةالتقديسية للفردية داخل المجتمع وفي اطار ماينبغي على الدولة القيام به : ((وقد قامت الديمقراطية الرأسمالية على الايمان بالفرد إيمانا لاحد له ...... وبأن مصالحه الخاصة بنفسها تكفل – بصورة طبيعية – مصلحة المجتمع في مختلف الميادين ... وان فكرة الدولة إنما تستهدف حماية الافراد ومصالحهم الخاصة فلايجوز أن تتعدى حدود هذا الهدف في نشاطها ومجالات عملها .)) . 2 .

إن مايميز طرح الفيلسوف الصدر رحمه الله لمبادئ النظام الديمقراطي الراسمالي واسسه وقواعد منطلقاته الفكرية ، سواء كان في تمهيده الفلسفي هذا لكتاب فلسفتنا او ماتناوله بشكل اوسع في كتابه اقتصادنا انه طرح وللمطلعين بشكل دقيق للفكر التاسيسي للنظام الراسمالي فاق حتى طرح اؤلئك المؤمنين بهذا النظام الراسمالي نفسه في روعة التنسيق واناقة العبارة ووضوح المقاصد !!.

اي ان الملتفت لما طرحه الاباء المؤسسين اسلوباورشاقة للكلمةووصولا الى الغاية بشكل لاتعقيد فيه لفكر النظام الراسمالي الديمقراطي الحديث من (أدم سميث) والى (ريكاردو) وحتى (بنتام) و (جيم ستوارت ميل)....الخ وغيرهم من فلاسفة نظروا للاقتصاد الراسمالي الكلاسيكي وتحدثوا عن فكرة الفردية والفلسفة النفعية كرديف مساند للاطروحة الراسمالية الديمقراطية ، يجد ان في طرح الفيلسوف الصدر امام ما طرحه هؤلاء المفكرين الاقتصاديين وغيرهم من الفلاسفة الراسماليين النفعيين طرحا يتميز بالوضوح ولملمت مابعثره ( ريكاردو ) او ما حاول ايصاله ماركس حول الاقتصاد الديمقراطي الراسمالي نقدا الا انه تعثر في ذالك !!.

اما اسلوب الامام الصدر الذي صاغ لنا فكرة النظام الديمقراطي الراسمالي وقدمها بشكلها البسيط والواضح والغير معقدبمفردات الفلسفة ودعاة التقعيرفي الفكروكذالك ما لملمه الامام الصدرمن شتات هذا الفكر وصياغته بقالب يتمتع بالاختصار الكبير وبنفس الوقت بالطرح الشامل تقريبا لمفاصل النظام الديمقراطي الراسمالي العامة فكل هذا تميز به اسلوب الامام الصدرفي طرحه الفكري العام ، ليس فقط للنظام الراسمالي الديمقراطي فحسب ، بل انه مُميز بارز في كل فكر الامام الصدر الذي ناقش اكثر من نظام ونظام اجتماعي ، واكثر من مفردة فلسفية ، واخرى اجتماعية على هذا الصعيد ، وكأنما يبدو لكل قارئ لشرح الصدر وطرحه وهو يتناول النظم الاجتماعية ، ومنها النظام الراسمالي الديمقراطي الحديث ، انه أمام مفكر استوعب بشكل تام دقائق ، وجميع مفاصل الفكر الذي يتحدث عنه بالاضافة لشعور القارئ وهويقرأ للامام الصدرللوهلة الاولى وفي مقدمات شرحه لاي فكرةاونظام اجتماعي انه امام انسان مؤمن بهذا النظام الذي يطرحه شرحا ، او من المدافعين المتحمسين عن فكره وقواعده واسسه ومنطلقاته !!.

وهذا ان دلّ على شيئ فانه يدل على ان الامام الصدر ، ليس فقط انه من مميزاته الكثيرة ، انه فيلسوف احدث مايشبه الطفرة الفكرية ، للمدرسة العراقية الاسلامية المعروفة بالتقليدية العميقة ، بل انه مفكر تمكن من التفوق على فكر الاخرين الذي لاينتمي له ، بنفس القدرة التي تمكن من خلالها في فكره الاسلامي الذي هو مؤمن به ويدعوا اليه وينظر له كمخلص لهذه البشرية الغارقة في الضياع !!.

نعم قرأنا للكثير ممن حاول ان يشرح لنا الراسمالية باسسها ومداخلاتها وتعليلاتها وكذا اهدافها وغاياتها الفكرية والاجتماعية والسياسية ،لكننا لم نصادف من يختصر الراسمالية الديمقراطية بخطوطها العامة بوريقات معدودة ليوصل للامة ماهية هذه الراسمالية الديمقراطية ، وكيفية لعبها على متناقضات فكرية ، لا تظهر في الوهلة الاولى الا لذوي الفكر الثاقب والقريحة الفكرية الناقدة والبصيرة !!.

وهذا بالفعل ماقام به الامام الصدر تجاه الراسمالية الجشعة التي تاجرت بالمفاهيم الانسانية الراقية كالحرية والديمقراطية كمتاجرتها بالسلع وترويج قوانين السوق وطرحها للخلاص البشري بصورة مخادعة وكاذبة !!.
http://7araa.blogspot.com/
alshakerr@yahoo.com
1: فلسفتنا / للسيد الصدر / مصدر سابق / ص 13.
2: فلسفتنا / للسيد الصدر / مصدر سابق / ص 13 .

الجمعة، سبتمبر 30، 2011

(( من التمهيد الفلسفي لفكر السيد محمد باقر الصدر )) 5 حميد الشاكر


يتجه الامام الصدر في تمهيده الفلسفي بعد ان بين اهمية النظام الاجتماعي لتركيبة المجتمع وخطريته على هذا التركيب وان نضال الشعوب وجهادها المتواصل كان منصباًمن اجل الوصول الى اقامة نظام اجتماعي صالح .... الى الدخول في مناقشةالمذاهب الاجتماعيةالقائمة في العصرالحديث ليناقش منها اثنين بصورة مباشرة ، ويتحدث عن اثنين من هذه المذاهب بصورة نظرية وليقول :
(( إن اهم المذاهب الاجتماعية ، التي تسود الذهنية الانسانية العامة اليوم ويقوم بينها الصراع الفكري ، والسياسي على اختلاف وجودها الاجتماعي في حياة الانسان هي مذاهب اربعة :
1 : النظام الديمقراطي الرأسمالي .
2: النظام الاشتراكي ( آنذاك ) .
3 : النظام الشيوعي .
4 : النظام الاسلامي )) . 1 .
والحقيقة اننا بحاجة ، وقبل ان نناقش رؤية الصدر الفكرية وكذا مناقشته المذهبية للرأسمالية الديمقراطية اولا ومن بعدهامناقشة الاشتراكية المادية الماركسية ان نقف قليلا عند ماعناه او قصده الصدرمحمد باقر عندما ابتدأ طرحه التمهيدي هذا بمناقشة المذهب الاجتماعي ولنسأل :
ما الذي قصده الامام الصدر بالنظام الاجتماعي ومناقشته ؟.
ولماذا تحول الامام الصدربلا فواصل من قوله بوجود اربعة مذاهب انسانية بحاجة الى مناقشة ، الى دخوله لمصطلح النظام الاجتماعي ؟.
وهل ان مصطلح النظام الاجتماعي يختلف في فكرالامام الصدرعن مصطلح المذهب الاجتماعي ؟.
أم انه لافرق منهجي في فكرالامام الصدربين قولنامذهب اجتماعي او نظام اجتماعي ؟.
اخيرا : ما هو مقصود الامام الصدر بالنظام الاجتماعي ؟.

والحقيقةولكون منهجيةالامام الصدردقيقة بانتخاب المصطلحات الاجتماعية كما هي الفلسفية والسياسية والاقتصادية في مناقشاته الفكرية ، فان الامام في هذا الموضع لم يترك فاصلا ، للتمييز بين مناقشته للمذاهب الاجتماعية وحديثة عن هذه النظم الاجتماعية ، وكأنه ومنذ البداية يعلن : ان حديثه عن المذاهب الاجتماعية المقصود منه ، والمراد هو حديثه عن هذه النظم الاجتماعية التي تقوم بادارة المجتمعات الانسانية برؤية مذهبية تدعو لها وتعلن للعالم انها المذاهب الاكثر صلاحا ، لادارة الانسانية فكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا !!.
ولهذا ذكر في معرض حديثه عن هذه النظم او المذاهب الايدلوجية الاربعة بان :((العالم يتقاسمه اليوم اثنان من هذه الانظمة الاربعة (بالحكم) فالنظام الديمقراطي الراسمالي هو اساس الحكم في بقعة كبيرة من العالم ، والنظام الاشتراكي هو السائد (انذاك) في بقعة كبيرة اخرى... اما النظام الشيوعي والاسلامي فوجودهما بالفعل فكري خالص ...)) . 2 .

اما ماهو (( المذهب الاجتماعي )) كمصطلح بحث ودراسة في وعي الامام الصدر (رض) ؟.
فالامام الصدرقدس سره الشريف قدشرح مقصوده المنهجي من(المذهبية ) في كتابه النوعي (( ااقتصادنا )) للتمييز بينه وبين مصطلح (( العلم )) في مجال الاقتصاد كي لاتختلط المفاهيم والمصطلحات على كل من يريد البحث في الراسمالية الديمقراطية او في المادية الاشتراكية الماركسية ، ومن هنا ذكر الامام انه و : (( كما يقسم الاقتصاد الماركسي الى علم ومذهب كذالك ينقسم الاقتصاد الراسمالي الى هذين القسمين ، ففيه الجانب العلمي ، الذي تحاول الراسمالية فيه ان تفسر مجرى الحياة الاقتصادية واحداثها تفسيرا موضوعياقائما على اساس الاستقراء والتحليل وفيه ايضا الجانب المذهبي الذي تدعو الراسمالية الى تطبيقه وتتبنى الدعوة اليه )) . 3 .
وهكذا فهمنا كما يقول اهل الحكمة : ان العلم هو معرفة ماهو كائن كما هو كائن في موضوعيته الكونية والطبيعية الخارجية ، اما المذهب فهو معرفة ماينبغي ان يكون وكيف ينبغي ان يقوم او هو الرؤية الفكرية المستخلصة احياناوالمعتمدة في بعض الاحيان على الرؤية العلمية الموضوعية او على ماهو كائن بالواقع القانوني ، والكوني الطبيعي ، والاقتصادي ، والتاريخي بسننه والفسلجي والنفسي الفردي او الاجتماعي !!.

فالمذهبية الذي تحدث عنها الامام الصدرفي تمهيده الفلسفي في الراسمالية وفي الاشتراكية المادية والذي سوف يتحدث عنها في الاسلام والشيوعية هي تلك الطريقة ، او النظام الاجتماعي الذي يدير المجتمع برؤية مذهبية ايدلوجية ترى ان هذا النظام هو ماينبغي ان يقوم على ادارة المجتمع وهو ماينبغي ان يكون المعتقدية الفكرية الايدلوجية ، التي يبشّربها اصحاب هذا النظام والقائمين على تطبيقه !!.

اما ماهو الفصل والربط بين العلم ، والمذهب داخل اي نظام اجتماعي فهذا الحيز من المناقشة حول فكر الصدر التمهيدي ليس موقع شرح ذالك وانما هدفنا لمعرفة مفهوم الصدر فحسب في مصطلح (المذهب الاجتماعي) والى اي توجه فكري هو يشير !!.

نعم ما يحاول مناقشته الامام الصدر (قدس)في الوريقات الاوائل من تمهيده الفلسفي لكتاب (( فلسفتنا )) هو المذاهب الاجتماعية التي تعتبر هي قوام الانظمة السياسية التي تمتلك رؤية مذهبية فلسفية من جانب ورؤية علمية موضوعيةفي جانب اخرسواء كانت هذه الرؤيةالعلمية في جانبها التاريخي كما طرحته الاشتراكية ، والشيوعية الماركسية المادية في مفهوم الحتمية التاريخية باعتبارها رؤية علمية ، او ما طرحه النظام الراسمالي من رؤية اقتصادية اعتقدت الراسمالية انها رؤية علمية وايضا حتمية لقانون السوق والاقتصاد العالمي !!.

ولهذا تطرح الديمقراطية الراسمالية نفسها ، كمذهب اجتماعي ، يقوم على علم اقتصادي ،وفلسفة نفعية ويستطيع هذا المذهب الراسمالي الديمقراطي ان يشرح للانسان كل ماهية وجوده العالمية ، وكذا ماينبغي عليه ان يقوم به في هذه الحياة انسجا ما مع رؤية هذه الديمقراطية الراسمالية !.
وصحيح وكما ذكرالامام الصدر ( رض ) ان الديمقراطية الراسماليةلاتمتلك رؤية كونية كاملة وشاملةكما امتلكته الماركسية الماديةفي شرح ماهوكائن للانسان وماينبغي عليه كونه ، لكن ومن الجانب الاخر يمكن استنباط رؤية الديمقراطية الراسمالية لكل الوجودالانساني من خلال رؤيتها المذهبية التي طرحت المادية بشكلها البشع والمشوه بصورة غاية في المكر والخداع !!.


1: فلفستنا / للسيد الصدر : دار التعارف / ص 12 .
2 : نفس المصدر .
3 : اقتصادنا / للسيد محمد باقر الصدر / دار التعارف / ط السابعة عشر / ص 253.


http://7araa.blogspot.com/

alshakerr@yahoo.com

الخميس، سبتمبر 29، 2011

(( من التمهيد الفلسفي لفكر السيد محمد باقر الصدر )) 4 حميد الشاكر


عندما يطلق على الامام الشهيد محمد باقر الصدر وفكره صفة العبقرية ، او عندما ينال السيد الشهيد الصدر رحمه الله تعالى هذا الاهتمام الكبيرمن قبل الفكر العراقي والعربي والاسلامي وحتى العالمي فلا يعني هذا مطلقا ان هناك دوافع عاطفية او حسابات سياسية ، او ممالآت اخلاقية ، دعت هذا الكمّ الهائل من الاهتمام بالصدر فكرا ومفكرا ، كانت تقف خلف تقييم فكر الامام الصدر وماطرحه من اطروحات لفتت انظار العالم بصورة عامة والفكر العراقي بصورة خاصة !!.
لكن مايقرب من الصواب القول الفصل فيه : ان الامام الصدر ، بالفعل كان مختلفا عن عصره ومختلفا في فكره وتقدميا في طرحه وعبقريا في تناوله ولهذا استحق هذه التقدمة الفكرية ونال بجداره هذه الصدارة العلمية التي وصف بهاالامام الصدر ولم يزل حتى اليوم وبعد مرور عقود من انتقاله للرفيق الاعلى وهو لم يزل يتربع على عرش الفكر الاسلامي بلا منازع !!.
والحقيقة ان مايميز فكر الامام الصدر وعلمه وطرحه عن باقي اقرانه من العلماء والمفكرين داخل العراق ، ومن ثم العالم الاسلامي وخارجه انه استطاع وبموهبة الاهية غير عادية ان ينقل الاسلام كله بفكره ومدرسته ، واطروحته ، وتصوراته واحكامه .... نقلة نوعية غير مسبوقة قبله ، بحيث انه والوحيد من بين ركام هائل من المفكرين والعلماءوالمثقفين استطاع التمردعلى التقليدية الدينية الاسلامية وكسر تابوهاتها ، التي جثمت على صدر الاسلام فكرا وممارسة لاكثر من الف سنة من الجمود والتخلف والتبعية ولينقل من ثم هذا الاسلام الى العصر الحديث او مايسمى بعصر الحداثة وقيام مابعد الدولة الحديثة وفلسفة الحكم والعقيدة !!.
ونعم عاصر الامام الصدر زمانيا ، ومكانيا الكثير من العلماء والمفكرين والمثقفين الذي كتبوا والفوا اكثرمما طرحه الامام الصدر بمئات المرّات في العالمين العربي والاسلامي من مؤلفات وكتابات واطروحات تخدم الاسلام تراثاوفقها وعلما وحديثا واصولا ...الخ ، لكن ما نتحدث عنه حول الصدر هو ليس كمية المؤلفات والكتب التي طرحها الامام الصدر في الاسواق ليكون مصيرها الى رفوف المكتبات بفائدة ضئيلة ، وليس ما نشير له حول الصدر غزارة المنتوج واعادة انتاج الاسلام في فكره التقليدي وتطلعاته المكررة بل مانشير له هو (النوعية) النادرة في فكر الامام الصدرالذي فتح الابواب والنوافذ والافاق لاسلام ليس فقط يستطيع الانتقال لمعايشة العصر والتطور معه ، بل ولأسلام ينتصرعلى الحداثة ويخطو خطوة متقدمة على روح العصر وفلسفته واقتصاده وقانونه ودولته ..... ليطرح من ثم اسلام القرن الواحد والعشرين بدون ان يضطر الامام الصدربالتفريط ولوبذرة واحدة من اصالة الاسلام الفكرية ومنبعه المحمدي الصافي العين والمأخذ !!.
وهذا هو في الواقع الذي جعل من فكر الصدر ، وطرحه الاسلامي ظاهرة مختلفة وتستحق الالتفات والاشادة بها ، وتقديمها للعالم بشكل مميز !!.
وكذا عندما نقول ان من مميزات فكر الامام محمد باقر الصدر انه فكر وفي جانب من جوانبه المتعددة وفضلاعن انه نقل الاسلام بفكره الاصيل كله نقلةنوعية بحيث يمكننا الجزم ، انه اعطى روحا او حياة مختلفة للطرح الاسلامي ، ليساوق العصر وطروحاته يمكننا ايضا ان نظيف الى ذالك ، ان فكر الامام الصدر رض وطرحه تميز كذالك بقدرته على نقل المتحجراو المعقد اوالمتخصص الغارق في الانزوائية من كونه فكرا لا يمكن ان يتناوله الا مجموعة صغيرة من فئات المجتمع الاسلامي العلمية الى كونه فضاءا واسعا بالامكان ان يعمّ نفعه لجميع من يريد الاطلاع عليه وفهم الاسلام بصورته الاكاديمية العامة ، ذات الفائدة الاسلامية الاشمل ، والاكثر عصرنة وحداثة لروح اللحظة !!.

وهذا بالفعل ماحققه الامام الصدر ( مثلا ) في اعقد العلوم الاسلامية والفقهية التي تسمى بعلم الاصول ، حيث ان هذا العلم وغيره من العلوم الاسلامية الاخرى التي كانت حكرا على طلبة العلوم الدينية او منزوية الفهم الا على اصحاب الاختصاص الحوزي من فقهاءواصوليين داخل اعقدالمجالس البحثية في الفكرالاسلامي استطاع الامام الصدر وبفضل جهود الصدر الشخصية ، ومن خلال كفاءة طرحه العصرية استطاع هذا المفكر الملهم ، ان يصوغ علما اسلاميا من اعقدالعلوم الاسلامية ليعيد انتاجه بشكل مختلف وليهيئ من ثم علم الاصول ليكون علما اكاديمياوجامعيا قادرا اي طالب علم سواء كان اكاديميا ، او حوزويا من تناوله ومن ثم فهمه واستيعاب مضامينه المهمة للاطروحة الاسلامية التي يعتمد فقهها وحكمها الاسلامي على هذا العلم الجليل !!.
ونفس القول ينسحب على باقي فكر الامام الصدرايضا ففي الاقتصاد الاسلامي لم يكن احد ممن عاصر الامام الصدر ، فضلا عن مَن سبقه فكريا وعلميا ان يطرح لنا اقتصادا اسلاميا بهذه الطريقة الحداثية ، التي ليس فقط استطاعت اللحاق بركب عصرالتكنلوجيا والعلم والفلسفة فحسب بل ولتتفوق على روح هذا العصر وتطرح رؤية اسلامية اقتصادية ....، تستشرف المستقبل ، ومن ثم لتطرح معالم الاقتصاد الاسلامي لالف سنة قادمةكماازعمه شخصياوهي تحتكر زعامة التأسيس للاقتصاد الاسلامي الحديث بلا مجادل !!.
ونعم ايضا تحدثت كتب الفقه التقليدية كثيرا عن المكاسب المحرمة منها ، والمحللة وتحدثت عن الارض والثروات والانتاج والاستهلاك والتملك ، والاحتكار والبيع والتجارة والاقتصاد ....... ، لكن كل هذا كان منتجا فكريا وفقهيا واسلاميا يصلح تماما ، للمجتمعات الاسلامية ماقبل الحداثة ، وقيام الدولة داخلها وعصر التكنلوجيا والفلسفة الجديدة وعندما كنا نقرأ الاقتصاد الاسلامي في كتب الفقه التقليدية نصاب بانفصال تام عن الحياة والعيش بواقعية في داخلها في العصر الحديث !!.
اما بعد طرح الامام الصدر للاقتصاد الاسلامي ، وبعد ان نظم الصدر اقتصادنا الاسلامي المبعثر داخل كتب الفقه القديمة والحديثة ، وقدمه للعالم بشكل متكامل وداخل اطار الدولة ومن ضمن مؤسساتها ، واردف ذالك بنظرية بنكية اسلامية عندئذ اطلعنا على اسلام مختلف واقتصاد اسلامي يجمع بين الابعاد العلمية والاخرى المذهبية ، ومن ثم لنبصر اخيرا موقع اقدامنا من منظومة الفكر الاقتصادي الراسمالي والاشتراكي المعاصر ولنفخر ان اسلامنا لم ياتي لزمان دون اخر وان في اسلامنا الذي طرحه وصاغه الامام الصدر حوامل التطور والتقدم الذاتية التي تصادق على مقولة انه خاتم الاديان السماوية وان الاسلام بالفعل دين ودلة وانه جاء كخلاصة وزبدة لتجربة جميع الانبياء والمرسلين حتى اليوم !!.

هذا هو ماقدمه الامام الصدر (رض) للاسلام في العصر الحديث ، وهذا هو ايضا ماجعل من الامام الصدر، ان يكون ظاهرة فريدة خُلقت في اجواء عراقية لم تكن توحي بمثل هكذا طفرات فكرية عراقية وعربية واسلامية غير مسبوقة كذالك !!.
ان الامام الصدرومن خلال تناوله لاكثر من فكرة وفكرة اسلامية وانسانية استطاع ليس فقط التجديد للفكر الاسلامي كما يطرح بعض المفكرين مصطلح التجديد للفكر بل العبقرية الحقيقية للامام الصدر : انه تجاوز مستوى التجديد ، ليعبرالى الضفة الاخرى من عبقرية التاسيس لجميع الفكر الاسلامي الاصيل كذالك فالامام الصدر هوالمؤسس والمجدد لفكر فلسفي اسلامي عصري ، ومتطور كما انه هو المؤسس والمجدد لفكر اقتصادي وكذا فكرا اصوليا فقهيا ولاننسى انه رائد تاسيس مدرسة تفسيرية قرانية تحاول الانتقال بالقران ونصوصه ، وفكره من التجريدية التجزيئية الى الموضوعية ، وهكذا ان اخذنا الصدر في حيزه الاجتماعي ، لنقول ان الصدر صاحب رؤية تأسيسية وتجديدية للمجتمع الاسلامي وكيفية تراكيبه ونظمه القانونية والسياسية والتربوية !!.
http://7araa.blogspot.com/
alshakerr@yahoo.com