السبت، فبراير 02، 2013

كذبة علم الاجتماع العراقي ومؤسسه علي الوردي / القسم الحادي والعشرون

كذبة علم الاجتماع العراقي ومؤسسه علي الوردي / القسم الحادي والعشرون
حميد الشاكر
(( علي الوردي / يهرف بما لايعرف ))
6
********************************
عندما يقرأ اي قارئ يمتلك الوعي والاحاطة ، او يكون من اهل الخبرة والتخصص في الفكر الفلسفي ومصطلحاته ومفاهيمه ومواضيعه وتحليلاته واهدافه .... لما كتبه ودونه المرحوم علي الوردي نقديا حول الفلسفة بصورة عامة ومنطقها الارسطي بصورة خاصة فإن هذا القارئ (الواعي والمحيط ادراكا) نوعا ما بالفلسفة وشؤونها الفكرية لايلبث ان يتسائل بحيرة وذهول حول :
هو هل فعلا ان علي الوردي يدرك او قد ادرك ماهية الفكر الفلسفي وتوجهات مصطلحاتها الفنية واهداف مشروعها الانساني ولهذا هو يتكئ على منصة علمية متينة جدا تؤهله لان يهزئ بالفلسفة بهكذا طرح نقدي عنيف جدا لها ؟.
أم ان هذا الرجل بالفعل يمتلك قلما سرديا لاغير ، وهو يكتب حول الفلسفة ومواضيعها بعقلية الناقل للنقودات الفكرية من هنا وهناك ، وخاصة الغربية المادية منها بدون ان تكون له اي امكانيات فكرية وعلمية وحتى ذهنية (( تحليلية )) تؤهله لقراءة الفلسفة فضلا عن الكتابة حولها او نقدها او الابداع في مجالها ؟.
قلنا لو قرأ اي قارئ واعي ومحيط بالفكر الفلسفي في مقدمة سطرنا الاول لنقودات علي الوردي للفلسفة لاضطر للتساؤل ولم نقل غير المدرك للفكر الفلسفي او المحيط بمفرداته ومصطلحاته فلماذا ؟.
لأن غير الواعي والملمّ والمدرك بماهية الفلسفة وموضوعاتها وتوجهات مصطلحاتها الفكرية هو الاخر أميّا بمشروع الفلسفة فكيف له التساؤل او البيان بما سرده الوردي نقديا حول الفلسفة ، او الاستبيان عن ما كتبه الوردي بهذا الصدد ولهذا يمكننا القول اوحتى القطع ان معظم قرّاء علي الوردي اللذين اعجبوا بنقد الوردي للفلسفةهم من طبقة الجهلاء بالفلسفة ومشروعها الفكري التاريخي والمعاصر الكبير فانطلت عليهم بسبب قصورهم المعرفي للفلسفة هذه الافكار التي سطرها الوردي في كتبه تحت عناوين : نقد الفلسفة وفلاسفتها من افلاطون الى ارسطو ومنطقه ، الى الشيخ الرئيس الى الفارابي الى ابن طفيل الى ابن رشد ... الخ .
اما من حصل على مسكة وعي وادراك للفلسفة وفكرها ومشروعها فحتما سيتوقف ليتسائل مع نفسه ومع غيره بكيف يطرح علي الوردي هذه النقودات للفلسفة ومنطقها الارسطي من جهة ، ولمشروعها وموضوعاتها وافكارها من جانب اخر وبهكذا اسلوب كتابي ومضمون سطحي لايقال عنه الا انه ينم عن جهل بكل مفردات الفلسفة ، وتوجهاتها الفكرية ومفاهيمها العلمية ؟.
نعم يتذكر القارئ الكريم اننا ، وخلال عشرين قسما بحثيا تناولنا فيه علي الوردي من جوانب شتى بدءا من حياته وتحصيله العلمي وتوجهاته الايدلوجية ..... وحتى انماط واساليب كتابته وما تناوله وما لم يتناوله في كتبه ومؤلفاته ، وكان واضحا للقارئ المحترم اننا ركزنا على محوري من محاور فكر المرحوم الوردي العام الا وهما :
اولا : محور علم الاجتماع الحديث .
ثانيا : ومحور الفلسفة ومشروعها الانساني العلمي والفكري الكبير .
وقد اشرنا فيما سبق حول المحور الاول في علم الاجتماع ان علي الوردي لم يكتب اي شيئ علمي حول علم الاجتماع بما هو ((علم ومنهج وموضوع ونظرية واطار وفلسفة وتاريخ .....الخ )) ، واكتفى بالكتابة والتأليف (( باسم هذا العلم )) او تحت يافطاته ومسمياته وعناوينه .. ليوهم القارئ العراقي بالخصوص والقارئ العربي بالعموم ان كل ما كتبه علي الوردي وحلله وفككه مجتمعيا وفكريا وفلسفيا وتاريخيا ونفسيا .... كان منطلقا من قواعد واسس ومناهج علم الاجتماع الحديث !!.
بينما الحقيقة كما بيناها سابقا ان كل منطلقات وقواعد علي الوردي الفكرية ليس لها اي علاقة بالعلم الاجتماعي الحديث ولا حتى تحليلاته يمكن ارجاعها لمنطلقات ورؤى وتصورات ونظريات علم الاجتماع الحديث ، واثبتنا ذالك بالدليل العلمي !!.
ومن هنا يمكن ان يدرك قارئنا المحترم لماذا نحن لم نكتب حول نقودات علي الوردي لعلم الاجتماع الحديث واكتفينا بمحور (( نقد علي الوردي للفلسفة ومنطقها )) ، بشكل مكثف وطويل وذالك : لان الوردي هو من الاساس لم يكتب حرفا واحدا عن العلم الاجتماعي الحديث ولا عن مدارسه ، ولا عن مواضيعه ، ولا عن توجهاته ولا عن افكاره ولا عن تصوراته .... فكيف له ان ينتقد من هذا العلم ، او يطور من فحواه او يتناول فكرة من افكاره او .... بالبحث والتدقيق وهو لم يطرح شيئا حوله من الاساس ؟؟؟!.
أما في المحور الثاني فكان للمرحوم علي الوردي ميدان اخر وصولات وجولات مع الفكر الفلسفي ، وما تناولته الفلسفة من افكار ومواضيع وتوجهات وتصورات .... لاحقها الوردي بفكره وقلمه ناقدا مرة ومستهزءا مرّات ومرات ، ولكن مع الاسف كانت ملاحقات الوردي للفلسفة وموضوعاتها نقديا من السفاهة والسطحية او من المضحكات حقا لاهل الاختصاص والوعي والادراك الفلسفي !!.
وربما هذا هو سبب عزوف الكثير من فلاسفة العراق ك(( الصدر محمد باقر )) ، وهو من المعاصرين لطرح المرحوم الوردي وفلاسفة الشرق ك ((مطهري)) وهو كذالك من المعاصرين للوردي وممن اشار لمؤلفات المرحوم الوردي واتهمه بالجهل في مضمار الفكر الاسلامي والمادي معا في كتابه ((المجتمع والتاريخ )) جعلهم يعزفون عن تناول ما طرحه الوردي في المضمار الفلسفي بالخصوص لانه في الواقع ومن وجهة النظر العلمية الفلسفية طرح ونقد لايستحق الالتفات فعلا !!.
ولكن مع الاسف هذا الطرح الذي هو بالفعل لايستحق الالتفات علميا وفلسفيا من اكابر فلاسفتنا المعاصرين هو الذي روجت له حركات واحزاب وايدلوجيات مادية ماركسية شيوعية وقومية عراقية هدّامة اجتماعيا وفكريا وسياسيا ... ، لتطرحه على الجمهور العراقي والعربي والاسلامي على انه : هو الطرح العلمي والنظري والفلسفي المعاصر والذي يمثل اطلالات المستقبل وافاقه القادمة ... خداعا واستغلالا لسذاجة وبساطة العامة بمثل هكذا مواضيع فلسفية لايفقهها ويدركها الا اصحاب الرسوخ في هذه الفلسفة وعلمها ومشروعها الانساني الخطير من جهة ، وخدمة لمصالحها الايدلوجية والسياسية والحزبية من جانب اخر باعتباران علي الوردي قد تبنى ايدلوجيات هذه الاحزاب الفكرية السياسية في تحليله المجتمعي طبقيا والفكري ديالكتيكيا صراعيا ( كما ذكرناه سابقا ) للمجتمعية العراقية !!.
وهذا مايدفعنا نحن اليوم لتحمل مسؤولياتنا الفكرية والعلمية والثقافية ، للتصدي لهذا العبث الايدلوجي الوردي المسوّق باسم علم الاجتماع والفكر ونقد الفلسفة !!.
صحيح ربما الان من يتصدى لدعوانا هذه ورمينا المرحوم الوردي بتهمة (( ركاكة التحليل الفكري والقصور الذهني )) بفهم الفلسفة ومواضيعها المعقدة ليطالبنا ويسألنا من جانبه عن الدليل العلمي او الفكري الذي يوضح لقراءنا الافاضل ماهية هذه الركاكة في تحليل الوردي للفلسفة ومشروعها الفكري من جهة ،وماهية العجز الذهني للوردي الذي يبين للقراء الافاضل كيف ان الوردي قد تورط في طرح فكر فلسفي واجتماعي معقد وهو في الحقيقة غير مؤهل له عقليا لادراكه وفهمه فضلا عن نقده والاستهزاء به من جانب اخر ؟.
وهنا نحن ملزمون ان نطرح بعض الافكار الفلسفية الغير معقدة فكريا ، والتي تناولها علي الوردي نقديا لنوصل الرسالة الى القرّاء الافاضل ، وليروا هم بانفسهم : هل كان الوردي واعيا في طرحه لبعض المواضيع الفلسفية المتصلة بالعلم الاجتماعي الحديث ، او الذي اعتقد المرحوم الوردي انها متصلة بالعلم الاجتماعي الحديث ؟.
ام انه كان ببغائيا ينقل من الكتب نظريات (( تحليلية اجتماعية وفكرية )) بشكل سطحي ، ثم يطبق ما لم يدركه بوعي علمي على واقعيات اجتماعية وفكرية تناولتها الفلسفة بشكل ينم عن عدم ادراك لاعلمي ولافلسفي ولا حتى تطبيقي عملي ايضا ؟.
ولنأخذ مثالا الفيلسوف الاندلسي القرطبي الاشبيلي ، ورجل الدولة والادب والطب والفلك والرياضيات ....والذي عرف لاتينيا بابي بصير 1100م/ 1185م / ابن طفيل ابو بكر محمد بن عبد الملك القيسي فقد نال هذا الفيلسوف الكبير قسطه الوافر من استهزاء قلم المرحوم الوردي حاله طبعا في ذالك حال ابن سينا والفارابي وابن رشد ... وغيرهم من الفلاسفة الذي تناولهم معول الوردي الهدام لصرح الفلسفة ، فقد عقد المرحوم علي الوردي فصلا كاملا في كتابه (( مهزلة العقل البشري )) والذي اسماه ايضا ((مهزلة العقل البشري/الفصل الثامن)) ليؤكد على ان هذا الفصل هو زبدة كتابه ((مهزلة العقل البشري)) والمعبر عن كل هذه المهزلة ليتناول فيه ابن طفيل بالذات ، ورائعته الفلسفية ((حي ابن يقظان )) بشكل نقدي يعتقد المرحوم الوردي انه استطاع من خلال هكذا طرح نقدي ان يثبت للقاصي والداني عقم الفلسفة واسلوب منطقها الارسطي الاسلامي الفاشل !!.
في بداية الفصل الثامن من كتاب علي الوردي (( مهزلة العقل البشري )) تناول الوردي ابن طفيل بهذه الاسطر :
(( كتب ابن طفيل الفيلسوف الاندلسي المعروف قصة فلسفية بعنوان (( حي ابن يقظان )) /وكان يقصد من كتابة هذه القصة ان يشرح للقارئ طبيعة العقل البشري كما يفهمها هو /،وقد تخيل ابن طفيل فيها انسانا ولد وترعرع في جزيرة منعزلة حيث ارضعته ظبية وظل ينموا في تلك الجزيرة .. يقول ابن طفيل : /ان عقل هذا الانسان اخذ ينمو بنمو بدنه حتى تم نضوجه في تلك الجزيرة واستطاع ان يفكر ويستنتج حتى توصل بتفكيره المجرد / الى كثير من الحقائق الكونية /... !.
يريد ابن طفيل بهذا / ان يبين للقارئ : ان العقل البشري جهاز فطري وانه ينمو من تلقاء ذاته / ، فلا حاجة به الى التدريس والتلقين / ويبدو ان ابن طفيل يرى بان : / العقل البشري حين ينمو بعيدا عن سخافات المجتمع واباطيله يصبح اسلم تفكيرا واصح استنتاجا / 1 )).
ثم يعقب علي الوردي على هذه القصة بكل مافيها من اراء فلسفية بالقول :
(( ولاريب ان هذا الرأي هو رأي الفلاسفة القدماء جميعا / فابن طفيل اذن لم يأت بشيئ جديد / ...... والغريب ان كثيرا من كتابنا ومفكرينا لايزالون متاثرين بهذه القصة ويعتبرونها الكلمة الاخيرة في / قضية العقل البشري . انهم لا يزالون يؤمنون بان /العقل موهبة طبيعية / تنمو من تلقاء ذاتها سواء عاش الانسان في مجتمع ام عاش منذ ولادته وحيدا منعزلا / 2 )) .
بعد ذالك يبدأ علي الوردي هجومه النقدي على هذه الافكار الفلسفية بالقول :
(( اما الابحاث العلمية الحديثة فهي تكاد تجمع على خطأ هذا الراي / حيث ثبت اليوم ان العقل البشري صنيعة من صنائع المجتمع / وهو لاينمو او ينضج الا في زحمة الاتصال / 3 )).
ويطرح بعد ذالك علي الوردي دليله العلمي الذي اثبتته الابحاث الحديثة لنقض فكرة ابن طفيل بالتالي :
(( وما قصة حي ابن يقظان التي ابتدعها خيال فيلسوفنا الرائع الا وهم او خرافة لاوجود لها في عالمنا الذي نعيش فيه . عثر احد الرعاة عام 1927 على طفل بشري في عرين للذئاب بالقرب من مدينة الله اباد في الهند وكان الطفل يبلغ من العمر عشر سنوات تقريبا ، وقد توصل الباحثون الى حقائق مدهشة في شأن هذا الطفل اذ وجدوا انه يسلك سلوك الذئاب فهو ينبح مثلهم وياكل الحشيش ويمشي على اربع وقد يهاجم البشر فيعضهم / 4 )) .
وينتهي علي الوردي الى هذه النتيجة :
(( ان اي انسان لاينمو عقله الا في حدود القالب الذي يصنعه المجتمع له / ومن الظلم ان نطالب انسانا عاش بين البدائيين مثلا ان ينتج لنا فلسفة معقدة كفلسفة برجسون او رياضيات عالية كرياضيات انشتاين . .. فاذا جاء احد بعد ذالك براي جديد يخالف ما اعتادوا /الفلاسفة / عليه اندهشوا ونسبوا اليه السفه والمكابرة او البلادة / 5 )) .
((يؤسفنا ان نقول ان ابن طفيل كان مغرورافقد كان مؤمنابصحة تلك المقولات المنطقية التي اعتاد عليها في محيطه الفلسفي وظن انها ستبقى صحيحة الى الابد / 6 )).
هذه هي خلاصة فكرة ((الفصل الثامن)) من كتاب ((مهزلة العقل البشري)) للمرحوم علي الوردي في نقد الفيلسوف ابن طفيل وفكره وقد تعرض الوردي لابن طفيل كذالك نقديا ايضا في كتابه (( منطق ابن خلدون )) في (( الفصل العاشر )) لكن بشكل سطحي ، وما نؤاخذه على هذه النقودات الوردية وبالخصوص هنا لابن طفيل ورؤيته الفلسفية هو الاتي :
اولا : صحيح هو ان ابن طفيل كان يقصد من قصة ((حي ابن يقظان )) ان يشرح قصة طبيعة العقل البشري كما يفهمها هو كما اشار له المرحوم الوردي ، لكن علي الوردي لم يشرح لقراءه هو : ماهي قصة طبيعة العقل البشري في فلسفة ابن طفيل بشكل خاص وفي قصة الفلسفة الارسطية الاسلامية بشكل عام ليتضح للقارئ بصورؤة عامة :هل قصة طبيعة العقل البشري في الفلسفة الارسطية الاسلامية هي نفس قصة طبيعة العقل البشري في العلم المادي التجريبي القديم والحديث ؟.
ام ان لكل قصة منحاها وفحواها واهدافها ومنهجها .... المختلف بين القصتين ؟.
بمعنى اخر : ان علي الوردي هنا وهو يكتب نقدا لرؤية ابن طفيل الفلسفية لقصة طبيعة العقل البشري يصرح من جانب اخر من غير التفات او شعور منه طبعا باميته الفكرية وقصوره المعرفي المنهجي بموضوعة طبيعة العقل البشري الذي يفرق بين قصة العقل في الفلسفة واختلافها عن قصة طبيعة العقل البشري في باقي المدارس الفكرية والعلمية القديمة والحديثة !!.
فهنا وعند ابن طفيل نحن امام (( قصة طبيعة العقل البشري )) ولادة ونموا وسيرا وفكرا واستنتاجا وتحليلا وادراكا ومعرفة .... في المدرسة الفلسفية الارسطية والاسلامية تحديدا ، ولسنا نحن هنا امام (( قصة طبيعة العقل البشري )) في المدرسة السفسطائية القديمة والحديثة ، او امام (( قصة طبيعة العقل البشري )) علميا وحسب معطيات العلم الحديث الذي يضع دماغ الانسان تحت مقاصل اشرطة الجراحين ، ومعداتهم التقنية الحديثة والدقيقة ، لنرى : كيفية اعمال الاعصاب في المخ ومدى استجاباتها للانفعالات الحسية والنفسية للانسان ماديا وفسلجيا وبيلوجيا !!.
بل موضوعنا محدد تماما حسب ما طرحه ابن طفيل وهو تناول (( طبيعة العقل البشري )) فلسفيا وحسب المدرسة الفلسفية الارسطية الاسلامية ، التي ينتمي لها ابن طفيل وكذا الكندي وابن سينا والفارابي وابن رشد ........ وحتى صدر المتألهين والطباطبائي ، والصدر ومطهري في العصر الحديث ، والتي تدرس الذهن الانساني من خلال ولادته وكيفية نموه واتصاله بالخارج والواقع حسيا ، وتركيبه للمفاهيم وترشيفه لهذه المفاهيم كمفاهيم ثانوية واخرى اولية ، وكيفية قدراته على الابتكار والاستنباط ....الخ !!.
طبعا لم يذكر على الوردي هذه المقدمة المنهجية العلمية ليضع قارئه بالصورة الصحيحة من بحث (( طبيعة العقل البشري )) فلسفيا وذالك لا لسبب ، الا لكون الوردي نفسه لايعي الفرق بين دراسة (( طبيعة العقل البشري )) بين ماهو فلسفي وما هو اخر علمي تقني تجريبي مادي او اجتماعي ، فلكل منحى علمي ومعرفي منهجه الخاص في هذا الاطار ، ولكن من اين لهاوي في قراءة الفكر الانساني كعلي الوردي رحمه الله ان يدرك هذه الفروقات العلمية المنهجية بين العلوم ومصطلحاتها حتى يكتب فيها او يشيرلها قبل ان يتناول الافكار الفلسفية التي هي اكبر واعمق بكثير من حجم ذهنه الفوضوي الضيق الذي يخبط خبط عشواء في مسائل الفكر والفلسفة والعلوم !!.
ثانيا : هذا الخبط عشواء في فكر المرحوم علي الوردي هو كارثة ((الوردي الفكرية))عندما يتناول الفلسفة ومدرستها وارائها بالنقد والتحليل ، وهو احد اهم اسباب تناقضات وازدواجيات الوردي الفكرية ، التي تصنع بين كل سطرين من كتابات الوردي تناقضات مضحكة مبكية ، فبينما يذكر الوردي بالتحديد : (( ان ابن طفيل كان يشرح قصة طبيعة العقل البشري كما يفهمها هو )) يعتبر ان هذا (( الشرح ، او الفهم )) لطبيعة العقل البشري لاينبغي لابن طفيل ان يفهمه كما تفهمه مدرسته الفلسفية بالتحديد ،بل كان عليه ان يفهم العقل البشري فقط من خلال مشارط الجرّاحين الطبية المادية فحسب ، او من خلال المدرسة الاجتماعية الحديثة لاغير ولهذا يشير الوردي ل((فهم ابن طفيل لطبيعة العقل البشري)) على اساس انه مسبة اوتهمه ينبغي الاشارة لها لفضح عوار تصورات ابن طفيل لطبيعة العقل البشري وهذا ان دل على شيئ فانما يدل على جهل مطبق في مادة الفكر والعلوم والفلسفات الانسانية لدى المرحوم الوردي وضرورة ان تقرأ كل فكرة او ظاهرة حسب منهجية المدرسة الفكرية التي تنتمي اليها ، ونحن عندما ندرس ظاهرة من قبيل ظاهرة (( طبيعة العقل البشري )) فلا ينبغي مطلقا احتكار البحث في وجهة نظر معينة سواء كانت علمية او اجتماعية او فلسفية او حتى دينية ، فلكل مدرسة منهجها الخاص ورؤيتها المختلفة الزوايا لكل فكرة في هذا العالم الانساني !!.
لكن وعلى عادته الفكرية الضيقة المرحوم الوردي ، وبدلا من انفتاح فكره او وعي فكره واستيعابه لتنوعات الرؤى الانسانية بهذا المجال ، راح ينتقص من فكرة الفلسفة بالتحديد في هذا المضمار لالشيئ الا لجهل المرحوم الوردي بهذه الحقيقة العلمية والفكرية والاجتماعية والفلسفية ، التي تفترض : ((طبيعية التنوع الفكري للبشرية حسب تنوع توجهاتها المدرسية والفكرية والمنهجية في تناول القضايا والافكار والظواهر الانسانية)) ليرغم قارئه (( المرحوم علي الوردي اخيرا )) على انتهاج نفس اسلوبه الفكري المتحجر الذي يرى ضرورة رؤية اي شيئ من خلال منظار واحد لاغير !.
ثالثا : عندما يشير ابن طفيل في قصته ((حي ابن يقظان)) كما اشار له علي الوردي في نقده الى :(( ان العقل البشري جهاز فطري وانه ينمو من تلقاء ذاته)) فهل هناك مايشير علميا وفكريا وفلسفيا الى عدم صواب هذه الجزئية من فكرة طبيعة العقل البشري ونموه ذاتيا ؟.
بمعنى هل فعلا ان طبيعة العقل البشري او تعريفه على اساس انه جهاز طبيعي او فطري قابل للنمو ذاتيا كما كان يعتقده ابن طفيل وباقي الفلاسفة الارسطيين الاسلاميين قبله وبعده هو التعريف العلمي والفكري والفلسفي الصائب بهذا الصدد ؟.
أم ان العقل البشري وطبيعته ما هو الا صناعة اجتماعية مئة بالمئة وليس له اي امكانية نمو ذاتية طبيعية كمايحلو للمرحوم علي الوردي ان يحلق في خياله المادي حول قراءة العقل البشري ؟.
طبعا الماديين الماركسيين التجريبيين الحسيين المتطرفين في العصر الحديث والذي ينتمي لمدرستهم المرحوم علي الوردي ، وبسبب اشكالياتهم الفكرية مع المدرسة الفلسفية المثالية كمدرسة الفيلسوف الالماني (( كانت )) التي تؤمن بالافكار الفطرية التي لاعلاقة لها بعالم الحس والمادة ، اكدوا على ان العقل وطبيعته ماهو الا صناعة مادية اجتماعية مئة بالمئة ، وما عمله الا (( تصوير )) الواقع الخارجي للانساني ((وتركيب)) هذه الصور للاستنتاج منها وصناعة المعرفة الانسانية فيما بعد ولكن فيلسوفنا((ابن طفيل)) الذي لم يدرك من فكره الفلسفي المرحوم الوردي الا القشريات السطحية البدائية لاهومثالي سوفسطائي قديم لايؤمن بالواقع الخارجي للانسان ، ولا هو مثالي حديث من امثال (( كانت وباركلي )) ولا حتى هو عقلي اوربي فلسفي من مدرسة (( ديكارت )) ليؤمن بان هناك افكار فطرية مستقلة عن الواقع والحس !!.
بل ان ((ابن طفيل)) فيلسوف ارسطي اسلامي ،وينتمي لمدرسة تؤمن بان : العقل البشري يولد عندما تولد مع بدنه او حاسة مادية تتصل بالواقع الخارجي لتلتقط ((صور المحسوسات )) لتكون لها رصيدا متزايدا من المعرفة الانسانية ، ومن خلال هذا الرصيد ((الحسي المعرفي)) للانسان تنمو قدرات الانسان العقلية الطبيعية باضطراد من هذه المعرفة الحسية ، ليشكل العقل منها ((الحافظة )) ثم (( الذاكرة ثم المفكرة )) وطبعا لولا وجود قدرات نمو ذاتية طبيعية فطرية للعقل الانساني لما تمكن من عكس (( الصور الحسية )) اولا ، ثم (( تركيب هذه الصور )) وبعملية من الطبيعي ان تكون ذاتية للعقل البشرية ، لان هذا التركيب للصور الحسية لايمكن ان يكون قادما مع الحس المادي للانسان من الخارج ، بل هو قدرات ذاتية يتميز بها (( العقل الانساني )) بالتحديد عن العقل الحيواني ،الذي يتمكن من الاحساس بالواقع الخارجي لكن عقله لايمتلك القدرة الذاتية لتطوير هذه الصور ومن ثم تركيبها والاستنتاج منها ، ولهذا فرق العقل الانساني بقدراته الذاتية الطبيعية عن قدرات العقل الحيواني الغير مؤهلة طبيعيا لهذا التطور النوعي بكون عقل الانسان تركيبي حافظ واستنتاجي !.
الخلاصة : عندما تؤكد المدرسة الفلسفية التي ينتمي لها ((ابن طفيل )) والتي صاغ منها ابن طفيل قصته الرائعة (( حي ابن يقظان )) : ان في طبيعة العقل الانساني (( امكانية )) تفاعل مع الخارج الواقعي للانسان تؤهله لصناعة معرفة هي ارقى من المادة التي تعكسها الحواس المادية للانسان لكن جذورها تبقى حسية ، فان هذه المدرسة لاتريد ان تنفي دور الواقع الخارجي للانسان الطبيعي وغير الطبيعي ولا سيما منه (( الاجتماعي )) في تركيبة العقل البشري وصناعته ، بل تريد فقط ان تؤكد ان في هذا العقل (امكانيات)عملاقة بامكانها ان تصنع فكرا علميا وفكريا وفلسفيا هواعلى بكثير مما يقدمه الواقع المادي الطبيعي او الاجتماعي للعقل الانساني وماهذه النقلات الفكرية والفلسفية والعلمية العملاقة التي طورت من العالم الانساني ومنظوراته المختلفة الا نتيجة هذا الابداع العقلي وطبيعته ، التي تتمكن من تجاوز الواقع المادي للانسان لتستكشف للانسان ماهو اعمق من المادة وحركتها ك((قوانين الكون والطبيعة والمجتمع )) فان اكتشاف مثل هذه القوانين من خلال العقل البشري وتوظيفها لتطوير الواقع البشري هو الدليل على ان ((امكانية العقل البشري )) هي دائما اسرع من اي قدرات طبيعية في هذا الكون !!.
اما لو قلنا كما يفهمه الوردي من العقل البشري وطبيعته بان العقل البشري ماهوالا صنيعة مادية اجتماعية لاغير، ومن دون ان يكون لهذا العقل البشري اي امكانيات ذاتية ابداعية اعلى من الواقع الاجتماعي والمادي فكيف لنا ان نفسر التطور العقلي الهائل لهذه البشرية ؟.
طبعا لا نستطيع ان نقول ان هناك امكانيات وقوانين في الطبيعية المادية هي التي طورت من حياة العقل البشرية ، لانه بهذه التصورات سنصبح نكتة سمجة لكل صاحب فكر عندما ننتزع الابداع وقدرة التطور من امكانيات العقل البشري وطبيعته الحرة والقادرة والمفكرة ، لنهبها للجماد والمواد من الطبيعة الخارجية لنقول ان قوانين الكون هي التي تطور حياة الانسان وعقله وليس العقل الانساني وقدراته وامكانياته هي من تكتشف هذه القوانين وتوظفها لتطوير حياة البشر !!!.
مع العلم ان الرؤية الاولى التي تذهب (لامكانية العقل البشري على الابداع والتطور)هي رؤية الفلاسفة الارسطيين الاسلاميين اما رؤية ((الحول الفكري)) في ان الكون والعالم المادي هو المطور الحقيقي للعقل البشري وطبيعته وامكانياته ، فهي الرؤية المادية الماركسية المغلقة التي تؤمن بطردية حركة العقل للواقع ، والتي يؤمن بها (مع الاسف) علي الوردي في فهمه للعقل البشري وطبيعته المصنوعة فقط اجتماعيا وللقارئ الحكم !!.
اذا لاي شيئ غير علمي ولا هو فكري انتقد علي الوردي رؤية الفلسفة للعقل البشري وطبيعته وامكانياته الذاتية ؟.
وهل كان يدرك علي الوردي ما سردناه توا من رؤية المدرسة الفلسفية(الارسطية الاسلامية) للعقل وطبيعته وامكانياته الذاتية واختلاف هذا البحث عن باقي مدارس العلوم والفلسفات الاخرى ؟.
أم انه ، وكما يقال في الامثال العراقية الشعبية (( يهرف بما لايعرف )) ؟!!!.
رابعا : .... لعدم الاطالة سنتناول باقي نقاط الوردي ضد ابن طفيل .
_____________________
1 : مهزلة العقل البشري / علي الوردي / الفصل الثامن / ص 132 / بلا طبعة .
2 : نفس المصدر / ص 132.
3 : نفس المصدر / 133 .
4 : نفس المصدر / ص 133.
5 : نفس المصدر / ص 133 .
6 : نفس المصدر / 143 .
********************
alshakerr@yahoo,com
مدونتي ( حراء ) تتشرف بزيارتكم للمزيد
http://7araa.blogspot.com/
 
 
إرسال تعليق