السبت، فبراير 09، 2013

كذبة علم الاجتماع العراقي ومؤسسه علي الوردي / القسم الثالث والعشرون

كذبة علم الاجتماع العراقي ومؤسسه علي الوردي / القسم الثالث والعشرون


حميد الشاكر



(( حي ابن يقظان قصة عقل داخل انسان أم قصة انسان داخل غابة ؟ ))



********************************



خامسا :

ليس هناك من اشكالية علمية او فكرية او فلسفية : ان يتناول اي مفكر او عالم مشروع الفلسفة الارسطية العربية الاسلامية تاريخيا ، وحتى عصرنا الحديث بالنقد والملاحقة والتفكيك ، ولكن بشرط ان يكون هذا الناقد لمشروع هذه الفلسفة الارسطية الاسلامية وبكل فلاسفتها العقليين الكبار من ارسطوا وافلاطون .... حتى الكندي والفارابي وابن سينا ... الى ابن طفيل وابن رشد ... نهاية بالطباطبائي والصدر محمد باقر ومطهري على مستوى مقبول من المعرفة والادراك بهذا المشروع الفلسفي ، وتاريخه واهدافه ومصطلحاته ومفاهيمه وتوجهاته ومواضيعه .... وباقي الضروريات !!.

اما ان يتصدى لمشروع الفلسفة الارسطية الاسلامية نقدياوبشكل استهزائي مستفز امثال المرحوم علي الوردي الذي لم يتمكن من قراءة نص فلسفي واحد بشكله الدقيق والصحيح (( نص / قصة حي ابن يقظان )) لفيلسوف المغرب ((ابن طفيل )) فهذه اشبه بالكارثة الفكرية والفلسفية والثقافية والعلمية التي حطت على راس ثقافتنا وفكرنا العراقي الحديث !!.



نعم قد اوضحنا في القسم الحادي والثاني والعشرين من ابحاثنا هذه كيف ان علي الوردي ، ولافتقاره المعرفي الفلسفي ، بل وتطفله العلمي على مشروع الفلسفة الارسطية الاسلامية قد ذهب في طريق خاطئ تماما عندما فهم وناقش نص (( قصة حي ابن يقظان )) على اساس قشرتها المادية ليناقش من ثم ويبحث وينتقد هذه القصة على انها قصة تتحدث عن انسان عاش في غابة ، واكتشف المعرفة من خلال التأمل الفكري والعقلي المحض ، والبعيد عن كل ادوات المعرفة البشرية الواقعية الذي يهبها المجتمع للعقل الانساني ،ولهذا يستغرب علي الوردي ويتساءل بكيف لانسان يعيش في غابة منعزلة ان يصبح فيلسوفا ويصل الى اعمق الحقائق الفكرية ؟؟!!.

بينما كانت حقيقة القصة ، وجوهر نصها الفلسفي الارسطي الاسلامي كما يفهمها اهل الاختصاص بالفلسفة والملمين بادوات مصطلحاتها الفكرية ومفاهيمها العقلية متحدثا بشكل اساس عن قصة (( عقل يعيش داخل انسان ، وليس قصة انسان يعيش داخل غابة )) منذ ولادته حتى نموه الى التقائه من خلال الحواس بالعالم الخارجي ...... والى تكوينه لارقى المفاهيم العقلية الفلسفية التي تتحدث عن مفهوم (( واجب الوجود وممكن الوجود وممتنع الوجود )) !!.

وطبيعي ان هذه المصطلحات ومفاهيمهما الفكرية ومراتبها العقلية .... لايفهمها ولا يدرك مساراتها وتراتبيتها العقلية الا من تخصص او ادرك بعمق :

اولا : ماذا تعنيه هذه المصطلحات في الفكر الفلسفي الارسطي الاسلامي بالتحديد ؟.

ثانيا : ولماذا ؟ وكيف ؟ وباي دليل ؟ ..اصبح الفكر وتصوراته واحكامه وتصديقاته بالنسبة للعقل الانساني ذا مراتب متعددة واولويات يتقدم بعضها على بعض منها :

أ : ماهو اولي صوري معتمد بالكلية على الحس والمادة في الواقع الخارجي وله تصديقاته المنطقية .

ب : ومنها ماهو قريب في مفاهيمه الكلية من المنطق العقلي وادواته كمفهوم المقارنة والكليات التركيبية .

ج : ومنها ماهو منتزع بشكل مركب من الحس والمادة ولكنه بعيد خطوة عن هذا الحس والمادة ومركباتها !!.



وهكذا هي هذه الفلسفة التي قليلها جهل وكثيرها وعي وادراك واحاطة ، لاتقبل بالمشتغلين بها الا من كان ذا كعب راسخ في هذا العلم العقلي الذي نقل البشرية من عصورها السحرية والخرافية المظلمة الى عصورها التنويرية العقلية والحضارية بكل ماتعنيه كلمة حضارة من معنى ومفاهيم !.



نعم (( قصة حي ابن يقظان)) حلقة فكرية اتت لاتمام حلقات سبقتها في مشروع الفلسفة الارسطية العربية الاسلامية كما انها رتبة هيئت لما بعدها وحتى اليوم لتكون مرقاة من خلالها نتصل تاريخيا وفكريا وذهنيا وعقليا .. بمشروع الفلسفة هذا الذي اصبح له حتى اليوم من العمر مايناهز الالفين والخمسمائة عام تقريبا وهو يتربع على عرش العقلانية الانسانية المثمرة !.



ومن هنا قلنا انه لايمكن لاي باحث يريد ادراك وفهم النص القصصي الفلسفي ل(حي بن يقظان) وهو بعيد وغائب عن ادراك كليات حركة مشروع الفلسفة الارسطية الاسلامية تاريخيا من جهة او وهو بعيد عن فهم وادراك تطورات مفاهيم ومصطلحات هذه الفلسفة العقلية منذ تاسيسها وحتى اليوم من جانب اخر ، وهذا ماوقع به مع الاسف من جهل مرحومنا علي الوردي بكل ما يتعلق بضروريات فهم الفلسفة الارسطية تاريخيا ومفاهيميا ايضا !!.



والحقيقة ان نص ( حي ابن يقظان ) حاله مع مشروع الفلسفة حال اي منتج فلسفي لاي فيلسوف ارسطي اسلامي انذاك كان يتناول موضوعات الفلسفة المتنوعة من خلال اتجاهين رئيسيين :

الاول : وهو الاتجاه الواسع في تناول مسارات العلوم الانسانية لمواضيع الفلسفة الارسطية الاسلامية او ما يتصل بها .

الثاني: وهوما اختص به العلم الفلسفي من(دراسة للذهن والعقل البشري)في مساراته وتوجهاته وقدراته وتراكيبه للتصورات الانسانية وطبيعتها ومنطقها .



اي وبمعنى اخر: ان الفلسفة بمشروعها العام وباعتبارانها كانت تاريخيا امًّا لجميع العلوم الانسانية ورحما لولادة هذه العلوم (( طب كيمياء رياضيات طبيعيات ...الخ )) فقد كانت تبتدأ حلقات مواضيعها الفكرية بشرح وجهات نظرها من خلال ماتقوله هذه العلوم الانسانية ،ومعروف على هذا الصعيد تاريخيا ان الفلسفة كانت هي الاطار الشامل لكل افكار وتصورات هذه العلوم الانسانية قبل ان تنفصل حديثا هذه العلوم عن الفلسفة ، وتستقل بمناهجها العلمية التجريبية ، ولهذا جاءت قصة (( حي ابن يقظان)) لابن طفيل في بداياتها داخل سياق الفلسفة ومواضيعها (( كما هي رسائل اخوان الصفا ايضا )) ، وهي متدرجة في تناولها لوجهات نظر اكثر من علم من هذه العلوم الانسانية والتي يمكن حصرها بالاتي :

1 : علم الجغرافية ( عندما تحدث ابن طفيل عن الاقاليم الجغرافية ) .

2 : التربية (حنان الظبية لحي وهو طفل ).

3 : الطب ( تشريح حي لامه الظبية ) .

4 : الكيمياء ( تفاعلات العناصر الاربعة ).

5 : الفيزياء العلوم الطبيعية ( الحديث عن الزمن وعلاقته بالحركة ..)) .

6 : علم الحياة .

7 : علم الاجتماع .

8 : الرياضيات .

9 : الاخلاق ( تعلق حي ابن يقظان بامه الظبية ) .

10 : الفللك .

11 : المنطق والفلسفة .

12 : علم نشوء الكون .

13 : ماوراء الطبيعة .



اما الجانب الاخر من معادلة الطرح الفلسفي والذي يعتبر هو الجانب الاساس للمشروع الفلسفي ومنطقه الارسطي الاسلامي فكان هو دراسة ((طبيعة الذهن الانساني)) في ولادته وحركته ونموه وقدراته وتطوره وابداعه وتركيبه للمفاهيم واستحصاله على المعلومة ، وكيفية اتصاله بالواقع ....الخ وهذا الجانب تكفلت به قصة (( حي ابن يقظان )) بشكل ادبي قصصي خيالي رائع ومتميز حيث اننا ندرك (قصة العقل البشري) في داخل سياق هذه الحكاية الفلسفية من خلال اول مفردة لذكر هذا الطفل ((حي )) الذي اختلفت الرواية داخل القصة حول وجوده ، بين من يقول انه توّلد من خلال التولد الذاتي الطبيعي من الارض بفكرة التدرج والانتخاب الطبيعي (( النشوء والارتقاء لنظرية تشارلس دارون في العصر العلمي الحديث )) ، وبين من يقول انه تولد من اب وام كانايعيشان بالقرب من الجزيرة التي احتضنت حي بعد ان رمته امه في البحرخشية انتقام سلطان غشوم منه ومن ابيه وامه !!.



وهكذا تبدأ مخيلة قصة ابن طفيل ((متجسدتا بتخيل طفل يبدأمشروع حياته العقلية في جزيرة منقطعة)) لتناول ((طبيعة العقل البشري)) في ولادته بعيدا عن كل المؤثرات الاجتماعية التي تحيط بالانسان لتسيطر من ثم على كل تفكيره وتصوراته وربما تعيق نموه الطبيعي ، الذي لو ترك لتجربته العقلية الحرّة والطبيعية لكان اكثر نموا طبيعيا منه اذا كان نموه العقلي مسيطرا عليه اجتماعيا وتربويا واسريا وغير ذالك !!.

اذاً ومنذ بدايات القصة برمتها يريد(ابن طفيل) ان يطرح اشكالية فلسفية اجتماعية متصلة (( بصناعة العقل البشري وطبيعته الفسلجية )) وهي : ان العقل وطبيعته الانسانية له بعدان في عمله الفكري :

الاول : وهو البعد الذاتي للعقل البشري ففي طبيعة هذا العقل توجد مقومات طبيعية تؤهل هذا العقل ذاتيا من الاتصال بالواقع الخارجي المادي المحيط به من خلال ما موجود من ادواته الحسية البشرية الفسلجية والمتصلة تلقائيا بمدركات هذا العقل من قبيل (( السمع النظر الشم اللمس التذوف ...)) !.

ثانيا : وهو البعد التربوي الاسري والاجتماعي ، والذي هو عبارة عن (سلم حضاري تاريخي) متأخر زمانيا ونسبيا في حياة الانسانية بشكل عام عن سلم البعد الذاتي الحسي للانسان وعقله !.

ولهذا وفي قصة((حي ابن يقظان)) صاغ ابن طفيل هذه الحقيقة التاريخية الانسانية اولا والعقلية البشرية ثانيا باروع صياغة عندما ابتكر قصة (طفل هو حي ابن يقظان) الذي ساقه قدره ليبدأ لنا حكاية الانسان وعقله الطبيعي وهو عاريا عن مؤثرات المجتمع وتكويناته المتأخرة تاريخيا عن مسيرة الانسان وتطوره في هذا العالم !.

وهذه في الحقيقة هي نفس النظرية الحديثة حول الاسرة والمجتمع ل(( ول ديورانت )) في قصة الحضارة ، واعتبار ان سلم التطور البشري بدأ فرديا قبل ان يصل لنظام الاسرة ومن ثم المجتمع ، ليصبح اخيرا هذا المجتمع هو احد حلقات انتقال الارث الفكري والعقلي للانسان من جيل الى جيل بدون عناء هذا الانسان لبدايةالبحث بنفسه عن الارث والتقاليدوالافكار والتصورات .... وصناعتها !.



ينطلق ابن طفيل في رائعته الفلسفية (( حي ابن يقظان )) الى ان اول شيئ ادركه العقل البشري داخل حي ابن يقظان بعد ان مرّ بمراحل ادراك (( العلم الحضوري / ادراك حيّ لاناه ومن ثم لمسموعه ومنظوره وملموسه ........... )) هو ادراكه لمبدأ (( السببية )) عندما وفجأة يفقد (( حيّ ابن يقظان / وهو ابن سبع سنين )) أمه الظبيه بالموت ولتفقد الحركة والحياة فيما بعد وعندها يستغرب حيّ من هذه الظاهرة الجديدة ، ويتسائل : لماذا لاتتحرك وليس فيها حياة وحركة امه الظبيه الحنون ؟!.



مبدأ ان ((لكل سبب مسبب )) يطرحه ابن طفيل عقليا في ((حي ابن يقظان)) على اساس انه طبيعة من طبائع العقل البشري والتي هي ايضا طبيعة من طبائع حتى العقول الحيوانية البسيطة والغير معقدة ، فهذا المبدأ العقلي هو ليس بحاجة الى تربية وتعليم ليدرك الانسان ماهيته ويعمل بمقتضاه ، بل انه من البداهة بحيث ان الانسان ، والحيوان يدركه لمجرد وجوده في هذا العالم ، لكن الفرق بين العقل البشري وطبيعته والعقل الحيواني وبساطته ان للعقل الانساني القدرة على سؤال ((لماذا)) ليبدأ مشروع بحثه الى مابعد الظاهرة الحسية ليكتشف قوانينها الواقعية ،بينما يبقى العقل الحيواني جامدا عند الاحساس والشعور لظاهرة السببية والعمل بمقتضى قانونها بدون ان يكون مهيئا عقليا للبحث والاستقصاء الى مابعد الظاهرة المادية !.



وهكذا يبدأ ((عقل حي ابن يقظان)) مسيرته الذاتية في هذه القصة لينتقل فيما بعدها لاستحصال المعرفة العقلية البشرية ومن خلال تدرجها الذي تؤمن به الفلسفة الارسطية الاسلامية في كيفية بناء المعرفة الانسانية ومراحل تطورها العقلية من الحسي المادي الى العقلي المفاهيمي التركيبي بالتالي :

اولا : النظر .

ثانيا : الملاحظة .

ثالثا : المراقبة .

رابعا : المحاكاة .

خامسا : الاكتشاف .

سادسا : المصادفة .

سابعا : الحاجة .

ثامنا : التجربة .

تاسعا : الاختبار .

عاشرا : المقارنة .

احدعشر : الحدس .

اثنا عشر : التصرف .

ثلاثة عشر : القياس .

اربعة عشر : الاستنتاج .



فكل هذه المسيرة العقلية لاستحصال المعرفةالانسانية مذكورة قصصيا في حي ابن يقظان من قبيل اكتشاف حيّ للنار مصادفة عندما هبطت صاعقة نارية من السماء لتحدث نارا ، او من قبيل محاكاة حي ابن يقظان للحيواناتفي اتخاذه للمسكن والسلاح ...الح حتى وصول حياة حي العقلية في عزلته الى مفهوم ((واجب الوجود)) والذي هو من ارقى المفاهيم العقلية في الفلسفة الارسطية الاسلامية !!.

عند هذا المنعطف من القصة ينتقل ابن طفيل الى ابتكار او ادخال عنصر (( أسال )) الرجل المعرفي الصوفي المتأول الطالب للعزلة عن المجتمع والهارب من ضوضائه والمتوجه الى الخلوة في نفس الجزيرة التي يعيش فيها ((حي ابن يقظان )) ولكن بدون ان يعلم ان في هذه الجزيرة انسانا اخر يعيش ، وهو لايدرك عن العالم الخارجي الاجتماعي اي شيئ الا ذهنه وعقله وذاته لاغير ، ولمرحلة وجيزة من الزمن يلتقي اسال صدفة بحيّ ابن يقظان !!.

طبعا مفصل ان يقف ابن طفيل عند مفهوم (( واجب الوجود )) في عقل حيّ ، لينتقل منه لادخال عنصر (اسال ) في الحكاية بحاجة الى وقفة فكرية عميقة وطويلة تبدأ بسؤال : لماذا توقف ابن طفيل عند هذا المفصل ليدخل عنصر (اسال او المجتمع ) في حياة (( حيّ )) ولم يستمر في قصته الى النهاية فقط بسرد حياة هذا الانسان المنعزل ؟ ، لكن ليس هنا هو مكان طرحها الان بالتفصيل باعتبار ان التفصيل يخل بطرحنا المختصر لهذه القصة ولكن يكفي الاشارة هنا الى ان : (( الفلسفة الارسطية الاسلامية ، وكما ذكرناه انفا تؤمن بان مصادر المعرفة الانسانية منه ماهو ذاتي وطبيعي للعقل البشري ومنه ماهو اجتماعي لهذه المعرفة )) ، ولهذا ادخل ابن طفيل في نهاية قصته (( حي ابن يقظان )) بُعد المجتمع في حياة حيّ والذي هو متمثلا ب ((اسال)) هذا الانسان الذي اتى من عمق الصراعات الاجتماعية ليشارك (حيّ) عزلته الطبيعية ليعود بها وبعقله من تراكمات الاجتماع الى بساطة وبدائيات الطبيعة !!.



في القصة يتعرف (اسال) على انسان لايعرف لغة ينطق بهاومع ان اسال حدّث (حيّ) باكثر من لغة انسانية الا انه لم يستطع ان يتفاهم معه لعدم ادراك ومعرفة حيّ لاي لغة بشرية مع انه كان يدرك ويعلم ويفهم (( لغة الحيوانات وتعبيراتها واصواتها ومقاصدها من هذه الاصوات)) الا انه وبسبب انه لم يعش داخل اسرة ومجتمع فقد تعلم اللغةالبشرية مطلقا مما اضطر (اسال ) لتعليم حي ابن يقظان لغة البشر من خلال المسيات واسمائها ليستطيع ان يتفاهم معه !!.



وهنا ايضا نحن بحاجة فكريا وفلسفيا وعلميا الى وقفة مطولة مع هذا المفصل من القصة لنتسائل : بلماذا لم يستطع حي ابن يقظان في قصة ((ابن طفيل)) من ابتكار اللغة البشرية والنطق بها من خلال تاملاته وقدراته العقلية التي لها قدرات ذاتية في التامل والاستنتاج الا انها عجزت عن صناعة اللغة او استنتاجها ؟.

او يمكن السؤال بالاتي وهو : ماهي رؤية فلسفة ابن طفيل الارسطية الاسلامية في موضوعة اللغة ؟.

ولماذا يرى ((ابن طفيل والفلاسفة الارسطيون الاسلاميون)) : ان موضوع اللغة والنطق هو شيئ مختلف عن موضوع العقل وطبيعته الاستنتاجية ولهذا اضطر ابن طفيل ادخال عنصر المجتمع من خلال (اسال ) ليكون هو معلمه للغة البشرية ؟.

طبعا هنا بحث عميق مجمله ان اللغة من ضمن معطيات المجتمع باعتبارها اداة اتصال فكرية واجتماعية بين انسان واخر في الرؤية الارسطية الاسلامية ولهذا طرحها ابن طفيل متأخرة عن قصة الانسان العقلية الفردية كي لاتشوش على جوهر القصة وهو مسيرة العقل البشري الطبيعية في اللقصة ،فالقصة ناظرة الى الانتقال بالعقل البشري طبيعيا من موضوع الذهن البشري فلسفيا الى موضوع التقاء هذا الذهن اخيرا بالمجتمع وبباقي الاذهان البشرية الاخرى ، ولهذا اخّر ابن طفيل موضوعة اللغة لتكون هي من اواخر مراحل مسيرة العقل الانساني ، ليس باعتبار ان اللغة مجتمعيا في الفلسفة الارسطية ليست ذات قيمة معرفية كما يفهمه الجهال بالفلسفة وادوات تعبيرها ، بل لان اللغة تاريخيا في حياة الانسان العقلية هي بالفعل نتيجة وجود الاسرة والمجتمع في حياة الانسان الفرد من جهة ، ولانها مجرد اداة اتصال خلفت الاشارة كاداة اتصال لغوية غير ناطقة في حياة البشرية من جانب اخر !.



لا اريد فعلا ان اطيل على قارئي العزيز في شرح قصة حي ابن يقظان عقليا وفلسفيا ،وما في هذه القصة من علوم ونظريات غاية في الروعة والتألق فهذا بحاجة الى دراسة وتوسعة لايحتملها بحث مختصر ولكن اريد ان اصل الى ان القصة بتركيبتها الفكرية الفلسفية العلمية ، وبتركيبتها الادبية الروائية بالفعل من اندر القصص الفلسفية التي استطاعت ان تطرح فكرا فلسفيا باسلوب شيق ومتامل ودقيق بالفعل حتى اليوم ، ولهذا تنتهي القصة بعودة ((حيّ ابن يقظان مع صديقه اسال )) الى المدنية والمجتمع ومشاكله ، وهم متوافقان تماما على ان : (( ما يجود به العقل الانساني الفلسفي من مفاهيم ويصل اليه من حقائق فكرية وعلمية تتوافق تماما مع ما توصلت اليه الشرائه بوحيها اللاهوتي الديني الصحيح )) ، وان العقل الانساني ينبغي ان يكون رائدا ومؤلا وفاهما لنصوص وافكار وحقائق الوحي والشريعة ، وهو الاقدر على وعي الشريعة ومقاصدها واهدافها ، وبهذا عاد (حيّ واسال ) لطرح مشروع توافق المنقول والمعقول او توافق الوحي والعقل للناس اجمعين ولكن الناس بسطاء وكسبة ومشغولون بهموم الدنيا وصراعاتها وليس لهم القدرة الذهنية او العلمية لفهم هكذا طروح ومشاريع عقلية واسلامية تبتغي الوصول للحقائق ، فيقرر الصديقان بالرجوع الى جزيرتهما المنعزلة (( والتي هي رمز لتكوين مجتمع فلاسفة وعلماء صغير يتداول داخله ارقى الافكار والتصورات العلمية والفلسفية ، حالهم في ذالك حال اهل الحل ، والعقد في السياسة واتخاذ قرارات الادارة للمجتمع )) !!.

هذه هي المحاورالرئيسية لقصة حي ابن يقظان لابن طفيل وهذه هي مسيرة العقل البشري وطبائعه منذولادته انسانيا تاريخيا حتى وصوله الى مانحن عليه اليوم حضاريا ومجتمعيا انسانيا فهل يحق بعد هذا كله لمتطفل كالمرحوم علي الوردي ان يتهم هذا المشروع الفلسفي بانه مشروع خرافي لايؤمن بالمجتمع ولايؤمن بالواقع الخارجي لالسبب الا لان المشروع اعلى واعمق من عقلية المرحوم علي الوردي السطحية القشرية لاغير ؟.



يضرب لنا مثلا المرحوم علي الوردي على رؤيته كدليل وبرهان (عقلي) على فساد راي ابن طفيل في حي ابن يقظان بالعثور على طفل في اباد وهويعيش مع الذئاب ليقلد الذئاب في كل شيئ وليستنتج من هذه الحادثة المرحوم علي الوردي: انه لايمكن لانسان ان يعيش بعيدا عن المجتمع فينتج فلسفة راقية كما ينتجها حي ابن يقظان في قصة ابن طفيل ؟.

ولم يدرك هذا المرحوم البسيط ان نفس مثاله هذا الذي ذكره في كتابه (مهزلة العقل البشري ) هو دليل على نظرية ابن طفيل الفلسفية ولا يصلح ان يكون اداة ضدها !!!.

وهذا ما سنبينه فيما بعد في القسم القادم ليطلع القارئ على بساطة ذهن المرحوم علي الوردي ، وعلى عجزه التام على قدرة حتى تحليل الظاهرة الذي ينتخبها لتؤيد رايه فضلا عن قدرته على وعي الظاهرة او نقد فلاسفتها !!!.



___________________________________

alshakerr@yahoo,com

مدونتي ( حراء ) تتشرف بزيارتكم للمزيد

http://7araa.blogspot.com/











إرسال تعليق