الثلاثاء، يوليو 09، 2013

((ورقة الملك فيصل الاول لانشاء الدولة العراقية الحديثة)) المقالة الخامسة . حميد الشاكر

((ورقة الملك فيصل الاول لانشاء الدولة العراقية الحديثة)) المقالة الخامسة  . حميد الشاكر

لا اعلم حسب اطلاعي المتواضع على مسيرة ، وتاريخ  حياة الملك فيصل الاول رحمه الله الفكرية والسياسية والعلمية... في الحجاز وفي تركيا ومن خلال تجواله في اوربا ، لفترة من الوقت وحتى استقراره في العراق : إن كان الملك (( فيصل الاول))  ملك العراق في العصرالحديث قد اطلع على ادبيات وافكار ، وفلسفات العالم الاوربي السياسية الحديثة ، أم لا ؟!، والتي نظرّت وتحدثت عن :
اولا: تاريخ نشأة الدولة وكيفية قيام كيانها  داخل تركيبة الاجتماع الانساني ؟
ثانيا : العوامل والاسباب التي دفعت المجتمعات الانسانية تاريخيا  لصناعة مؤسسة  الدولة ؟.
ثالثا : ماهية العلاقة  بين تلك الاسباب والعوامل ، التي حتمت وجود الدولة داخل المجتمع وارتباطها بوظيفة الدولة باتجاه المجتمع  في العصر الحديث ؟.
رابعا : مفهوم العقد الاجتماعي ، وتنظيمه للعلاقة بين الدولة  والمجتمع ؟.
...... الخ ؟!.
حقيقةً لم احط علما بماهية ومنسوب واطلاع فكر وثقافة الملك فيصل الاول على هذه الافكار والمفاهيم  والفلسفات الاوربية الحديثة ، التي مهدت لفكرة الدولة الحديثة ل(( لغرب الصناعي)) السياسي  اولا ، وادراك مفهوم كيفية بنائها ؟ ،. وحدود وظائفها ؟ ، واختلافها عن مفاهيم الدولة التقليدية ما قبل العصر الصناعي الاوربي ....  الخ ثانيا ؟ .
كما انني على غير يقين ما اذا كان الملك فيصل الاول مطلعاعلى هذا الفكر بكل مفاصله الفلسفية او السياسية ليكون رصيدا فكريا ومعينا سياسيا له في بناء الدولة العراقية الحديثة ، او تاسيس مشروعها الفريد انذاك ؟!.
أم ان الرجل كماوصفته في المقالة الاول هورجل سياسي بالفطرة وانه كما وصفه ((احمد حسن الزيات)) أقرب الى خلفاء الصدر الاول منه الى ملوك اليوم لاغير ؟.
لكن ما انا متيقن منه تماما ان الملك فيصل الاول كان يدرك بعمق (( معنى ومفهوم الدولة الحديثة)) ويميز بوضوح وظائف هذه الدولة ، وكيف ينبغي ان تكون لكافة  مواطنيها ؟ ، وماهو الطاقم الاداري (( التكنقراط )) النشط الذي ينبغي ان يديرها ؟ ، ولماذا هي يجب ان تكون مؤسسة ادارية خدمية للمجتمع لاغير بعيدا عن اي مؤثرات ايدلوجية او دينية او مذهبية او قومية او طبقية ... الخ  تؤثر على مشروعها ووظائفها وشرعيتها داخل المجتمع الانساني الحديث !!.

نعم بامكاني ان استخلص (من فكر)  المرحوم الملك فيصل الاول السياسي نفسه هذه المعاني والمفاهيم السياسية للدولة الحديثة لاكون مطمئناوواثقا من ان فكرالملك فيصل في انشاء دولة العراق الحديثة  كان يقوم او يحاول ان يقوم على :
اولا :  ( حيادية الدولة )  بين مواطنيها .
ثانيا : وعلى المهنية في مفهوم ادارة الدولة ، وكيف ينبغي  للعاملين داخل هذه المؤسسة ان يكونوا موظفين لخدمة مشروع الدولة فحسب .
ثالثا : ان يديرهذه الدولة من يملكون الفكر المعاصر والحياة النشطة القادرة على دفع الدولة والمجتمع الى الامام بدون اعاقة  او شلل او ارتداد بها الى الخلف   !.
رابعا : ان الدولة الحديثة  تقوم على المواطنة وليس على اي بعد فكري او ايدلوجي او ديني او طبقي او قومي .... اخر .
والحقيقة ان هناك ما هو اكثرمن هذه المحاورالفكرية التي تتميز بها مفاهيم الدولة الحديثة ، لكن هذا هو ما بان وبرز لنا واضحا من خلال ورقة الملك فيصل الاول على صعيد فكره السياسي الذي استهدف اقامة الدولة العراقية الحديثةعلى اُسس كان يرى الملك فيصل انهاالانسب لسيسولوجيةالمجتمعية العراقية المعقدة ، وتراكيبها المتناقضة فكريا ومصلحيا !!.
ومن هنا كانت وصايا الملك فيصل الاول  واضحة تماما ، ومؤكدة بالقطع على المفاهيم الاربعة المذكورة انفا ، والتي هي :
اولا : حيادية الدولة .
فالملك فيصل كان حريصا بشكل ملفت للنظرعلى ان يشعر الشعب العراقي بكل تراكيبه الاجتماعية على ان الدولة على حياد تام بين مواطنيها  وبعيدة عن اي ميل ديني او قومي او طائفي او طبقي .......  يكسر بحيادها لهذا الطرف او الفئة او الطائفة او القومية ....   على تلك ولهذا وجدنا منطوق الورقة يتحدث بصراحة عن ضرورة الالتفات من قبل العاملين بالدولة الى ( مشاعر العراقيين)  لا سيما العراقيون من الشيعة( كنموذج ) الذي ينبغي ان يشعروا : بان الدولة هي ايضا لهم ، كما هي لباقي المكونات العراقية ( سنية كلدانية اثورية كردية.... ) بلا تمييز او فصل او تفضيل لهذا الطرف على ذاك !!.
وقد خصّ الملك فيصل الاول في ورقته الشيعة العراقيين بالذكر وضرورة ان يشعرهذا المكون العراقي ب(حيادية وعدالة الدولة) بسبب ان الملك كان مدركا تماما لما قاساه  هذا المكون العراقي من (التمييز الطائفي) في العهد العثماني المباد وكيفية ان السُلط العثمانية التي كانت قائمة في العراق كانت من العسف والتمييز الطائفي بحيث همشت من دورهم وعزلت من فاعليتهم في ادارة الشأن العام العراقي وعمقت من عقدهم ضدالدولة ومشروع الحكم القائم ولهذا افرد الملك فيصل حديثا معمقا حول شعورالشيعة هذا وضرورة ان تقوم الدولة ، بمؤسساتها الحكومية الجديدة على تذويب هذا الشعور من خلال الاهتمام بالشيعة العراقيين ، وبمقدساتهم ، وانخراط ابنائهم في السلك الخدمي العسكري والسياسي والثقافي ....... للدولة ، كي يساهم هؤلاء في المقابل في بناء مشروع الدولة العراقية الحديثة العادلة ، والحيادية بايجابية وبلا عقد نفسية مسبقة !!.
وكل هذا جاء في (الفقرة الثالثة) من مقدمة ورقة الملك فيصل الاول عندما ذكرت الاتي :
((العراق مملكة تحكمها حكومة سنية ، مؤسسة على انقاض الحكم العثماني وهذه الحكومة تحكم قسما كرديا اكثريته جاهلة ، بينه اشخاص ذوو مطامع شخصية يسوقونه للتخلي منها (الحكومة ) بدعوى انها ليست من عنصرهم واكثرية شيعية جاهلة منتسبةعنصرياالى نفس الحكومة الا ان الاضطهادات التي كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقاعميقا بين الشعب العربي المنقسم الى هذين المذهبين  كل ذالك جعل مع الاسف هذه الاكثرية ، او الاشخاص الذين لهم مطامع خاصة ...... يظهرون بانهم لم يزالوا مضطهدين لكونهم شيعة ويشوقون هذه الاكثرية للتخلي عن الحكم ...)) .
ثم يعرّج الملك فيصل الاول على هذه النقطة  مرة اخرى في الفقرة الثانية من تفصيل الورقة ، ليضع المعالجات الكفيلة بتخفيف وطأة الشعور الشيعي العراقي بالتهميش وبانحياز الدولة لفئة على اخرى قائلا :
(( علينا ان نطمئن معنويات اخواننا الشيعة بالكيفية الاتية ، 1 ، توحيد ايام الصيام والافطار ..، 2 ، تعمير العتبات المقدسة حتى يشعروا بان الحكومة غير مهملة لتلك المقامات..، 3 ، رجال الدين الشيعة ( المراجع ) واشكالية ابتعادهم عن الانتفاع من موارد الدولة وجعل وقف خاص لهم ليتمكنوا من ادارة شأنهم المالي بعيدا عن الدولة ....... الخ / باختصار من ورقة الملك فيصل )) !.
وبالمحصلة وبالابتعاد عن التفاصيل التي ينبغي تسليط الاضواء عليها ليفهم قارئناالمحترم ما الذي كان يقصده الملك فيصل الاول ب((الاكثرية الشيعية الجاهلة ، والاكثرية الكردية .....)) ، وانه كان قاصدا الاكثرية الامية التي كانت مهيمنة على مجمل الشعب العراقي ( احصاء سنة 1922 م ، لوزارة المعارف /  خمن بان 5% ، فقط الذين يقراون من الشعب العراقي / انظر السويدي / مذكراتي / ص 100 / ط الثانية دار الحكمة ) يمكننا وعي هذه الاجراءات الفيصلية(الابتدائية) داخل الدولةالعراقية الحديثة بشأن المكونات العراقية المتنوعة ، ومناهضة شعورها بالغبن ، وضرورة ان يشعر الشعب العراقي ب(عدالة وحيادية)الدولة ليسهل انفتاح هذه المكونات على مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة بايجابية !.
واكثر من ذالك فان برنامج الملك فيصل الاول السياسي  وحسب ما ذكرته الورقة نفسها كان ذاهبا (هذا البرنامج )الى ادماج جميع المكونات العراقية بخطة عمل شاملة ،  تلملم شتات العراقيين في بودقة نظام تعليمي ووظيفي موحد ، يربط من متفرقات الثقافة والفكر ، والتعليم في العراق لينصهر هذا المجتمع بمجرى (( خطة عمل موحدة ))  بامكانها تنظيم التراتبية العراقية التعليمية والوظيفية لمكونات الاجتماع العراقي الوطني الموحد !!.
وهذا ما اشارت له (( الفقرة السادسة )) من التفصيل الذي تحدث عن نظام التعليم المدرسي والوظيفي  في العراق ، وضرورة ان يكون لكل العراقيين وان يصل الى كل مفاصل وشرايين العراق الجغرافية بلا تمييز بالقول :
((ارجوان تكون قضيةالمدرسة مطمئنة لكل سكان العراق بانهم سيشتركون فعلا في خدمات الدولةوالاشتراك في خيرهاوشرها مع اهل بغدادوالموصل / يشير الملك الى سياسة العثمانيين الطائفية ،  التي ميزت بعض المدن في التعليم والوظيفة طائفيا وحرمت الاخرين !!/ بصورة متساوية وتزول تهمة الحكومة السنية ، او العربية كما يقول اصحاب الاغراض من اكراد وشيعة )) !.    
نعم كذالك فان هذا الفكر الفيصلي الذي دونه الملك في هذه الورقة هو ايضا يدلل على علو فكر الملك السياسي على جميع العناوين  والمفردات القومية او الطائفية او الدينية ... النوعية داخل الاجتماع العراقي الحديث ، ويكفي دليلا على ذالك هذه اللغة التي تتحدث بصراحة عن ((الحكومة سنية )) في مقابل مكونات اجتماعية عراقية اخرى ، من حقها ان تشعر بالتهميش ومن واجب الدولة ان توفرالسبل لها للتعبيرعن ذاتها سياسيا وفكريا وعاطفيا من خلال التفات الدولة الى هذا الشعوروسلّ الاحتقان من بين اضلعه التاريخية ليحل محله الشعور ب(( حيادية الدولة العراقية )) الحديثة مكانه وليأخذ كل مكون (( من المكونات العراقية الاجتماعية)) موضعه الطبيعي في بناء هذه الدولة !!.
اقول هذه اللغة من قبل الملك فيصل الاول تدلل ايضا على ان هناك عقلية (( رجل دولة )) ينظر من علٍ لكل المكونات العراقية ويوازن بين مواقعها الاجتماعية ، والسياسية والاقتصادية ، ولا يهمل ما تشعر به هذه المكونات الاجتماعية وان كان خاطئا او واهما... ، الا انه يجب التعامل معه بشفافية كي تذوب جميع مفاعيله السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية ...... تحت مضلة الدولة المدنية التي هي ((  فن ادارة المجتمع وتقويته وتطويره وتماسكه واستقراره وتطلعه... الخ اكثر مما هي صانعت مصالح وتكتلات اجتماعية ومؤامرات وانقسامات حزبية او جماهيرية ))   !!.

ثانيا : المهنية في الدولة
...................
_____________________________
مدونتي تحتضن المزيد تحت هذا الرابط

إرسال تعليق