الاثنين، سبتمبر 09، 2013

((محنة الدرس الفلسفي في جامعاتنا العلمية وحوزاتنا الدينية)) 2/ 2

((محنة الدرس الفلسفي في جامعاتنا العلمية وحوزاتنا الدينية)) 2/ 2 حميد الشاكر






كيف نعي ظاهرة (التقارن) التاريخية بين ولادة مشروع الفلسفة العربية والاسلامية( 173 هجرية) وبين ولادة وانشاء الحضارة في تلك المرحلة وبكل ابعادها الانسانية السياسية والاقتصادية والفكرية الثقافية والاجتماعية والادبية والفنية .... ؟.



كما انه كيف لنا وعيَّ ظاهرة سقوط هذه الحضارة ( 656 هجرية) متقارنة مع اسقاط مشروع الفلسفة والاجهاز على فلاسفتها بالتآزر بين قوى التكفير السلفية ، وقوى الفساد والانحطاط السياسية ؟.



هذا هوالسؤال الذي توقفنا عنده في السابق ليكون منصة من خلالها نتعرف على ماهية مشروع الفلسفة وفعلها الدينامي في بناء اي حضارة انسانية !.



طبعا للذين يحاولون فهم وادراك ماهية الفلسفة وبشكل عام وقبل ان نجيب على سؤالنا ذاك ، عليهم ان يدركوا انهم لا يتمكنون من فهم ماهية الفلسفة الا اذا تناولوا الفلسفة على انها (مشروع) جماعي ومدرسة اكاديمية فكرية متكاملة وليس انتاج فردي مبعثر وظاهرة منزوية عن الاجتماع والحضارة !.

اي ان دارس الفلسفة والباحث في ماهياتها والمتتبع لمقاصد فلاسفتها ..... لايمكن له ان يعي ((ماهي الفلسفة )) باطارها وحركتها العامة ، اذا لم يكن منذ البداية ينظرللفلسفة على انها (نهر جار ومتدفق وتشكل عملية اتصالية) متوالية تنتقل بمشروعها من هذه الامة الى تلك بلا انقطاعات كبيرة !!.

هكذا يمكننا ان نفهم اول خطوات الفلسفة بمشروعها الفكري البنائي الذي لاينتمي لأي لغة قومية او دينية او اثنية او ..... غير اللغة الانسانية العقلية الفكرية التي تعنى بالارتقاء بالفكرالانساني وكيفماكانت جغرافيته او وضعه الاخر !!.

كما ويمكننا من خلال هذه النظرة ل( مشروع الفلسفة )ان نعي ماهية انتقال هذا المشروع من امة الى اخرى ك( باكيج ) واحد وليس كافكارمشتتة من جهة ؟.

وكيف ان الامة التي تتهيئ ذهنيا لاستقبال مشروع التفكير والابداع وبناء الحضارة الانسانية هي الاحق بحط ترحال مشروع الفلسفة ،ليساهم في بناء ونهضة هذه الحضارة الانسانية ، بغض النظر عن تسميتها ، مرة باليونانية واخرى بالاسلامية وثالثة بالاوربية .... !.

ان من اهم مميزات ((المشروع الفلسفي الانساني )) انه مشروع ولد ديناميا حركيا لايدرك معنى الشيخوخة والاستسلام للموت ولهذا تجد بوادر ولادته المتجددة متنقلة مع ولادة الحضارات الانسانية واينما كانت ، فعندما كانت دورة الحضارة للامة اليونانية تاريخيا ،واستعدت هذه الامة لاستقبال انماط التفكير المتفجر بالابداع والبناء والتطور فسرعان ما تشكلت براعم الفلسفة وتفتحت ازهارها الندية لتدفع من نهضة هذه الامة حضاريا وتقود مشروع مدنيتها الكبير في البناء العقدي والسياسي والقانوني والهندسي ...انذاك !!.



وما ان دبت الشيخوخة في مفاصل هذه الامة ،وادارت بظهرها لفن التفكير بصناعة الحياة ، والانسان ، وولدت في المقابل امه جديدة ( تقدس العقلنة ) وتتطلع للتفكير في اقطار السموات والارض والانفس والافاق.... كما ورد في النص القراني الاسلامي الحث على التفكير ، وتقديسه والايمان بالعقلنة ومنتجاتها العلمية ... انتقلت الفلسفة بكل بضاعتها للعالم العربي الاسلامي لتفرض نفسها (( كممون)) لايمكن لحضارة ان تقوم بدونه ، وبالفعل ولدت الفلسفة على يد الكندي في بغداد لتدخل معها افاق التفكير الرحبة والواسعة للرؤية السياسية والقانونية والهندسية والطبيع والعمرانية ... ولتشد من ازر نهوض الحضارة العربية والاسلامية !!.



ونفس السنة والقانون التاريخي الذي سارعلى الامة اليونانية في شيخوختها الحضارية سار هو الاخر على شيخوخة وهرم الحضارة العربية الاسلامية ومغادرة مشروع الفلسفة لهذه الامة الهرمة والبحث عن امة هي في طور الولادة ، وتقديس الفكر والايمان بالعقلنة ، ومنتجاتها العلمية ، فكانت اوربا وهي تستعد للتفكيرالفلسفي المتطلع والرحب والواسع محطة الفلسفة القادمة التي ستساهم هذه الفلسفة بمشروعهاالانساني بايصالها لعصرالصناعة وبناء الحضارة الصناعية في وقتنا المعاصر .... !!.



اذاً الفلسفة ((مشروع)) له خصائصه ومميزاته ، وكذا له قوانينه وحاضناته الطبيعية الانسانية التي كلما توفرت اجتماعيا وانسانيا وجدت الفلسفة نفسها مدفوعة للدخول على بناء خط الحضارة في هذه الامة من جهة ، ووجدت الامة نفسها طالبة لهذا المشروع ، الذي لاغنى لاي امة ، تحاول النهوض الحضاري بدون الاستعانة به وباستراتيجياته الفكرية !.



نعم من الجانب الاخر ، لفعل مشروع الفلسفة في البناء الحضاري الانساني لايمكن اغفال خصيصية : ان الفلسفة وتاريخيا كانت ((أمّا )) لجميع العلوم الانسانية القديمة قبل ان تستقل هذه العلوم اليوم ليصبح كل علم مستقل بذاته وهذا يعطي تاريخيا للفلسفة صفة الشمول والجامعة العلمية المتكاملة انذاك !.

ما يعني : ان الفلسفة لم تكن فقط شانها شأن التعريف الحديث للفلسفة عندما جردت من كافة صفوفها العلمية (( رياضيات وهندسة وطب وكيمياء وفلك وطبيعيات ...)) لتعرّف على انها (( فن معرفة عمل الذهن الانساني )) او على انها : (( فن معرفة طرق التفكير البشري للوصول الى الحقيقة )) !!.

بل كانت الفلسفة جامعة علمية متكاملة وكان الفيلسوف يبرع باكثر من علم بالاضافة لفلسفته ، فابن طفيل او ابن سينا او ابن رشد او الفارابي ... كان فيلسوفا الى جانب كونه موسيقيا ، او طبيبا ، او فلكيا ، او عالم بالطبيعة او سياسيا او عالما بالقانون والحقوق ...... وهكذا ، كما كانت الفلسفة جامعة علمية متكاملة كان الفيلسوف برفسورا يحمل اكثرمن شهادة جامعية ويبرع باكثر من مجال علمي ، وهذا ما جعل من الفلسفة مشروعا لايمكن ان تقوم حضارة في التاريخ الانساني اذا لم تستعن بمنتجاته العلمية فالحضارة على اي حال هي تلك المجموعة العلمية المتكاملة ، والناهضة داخل فعل اي امة من رؤية سياسيةوقانونية وحقوقية ومن طب يعالج الابدان وعمران ينهض من خلال الهندسة بالبناء ، ومن موسيقا وادوات صناعة وانتاج .... وباقي التطور الطبيعي لاي حضارة في فن صناعة التقدم والتطور الانساني وكل هذا كانت توفره الفلسفة انذاك من خلال مشروعها المتكامل بقيادة الفلاسفة اللذين هم الاقدر بادارة صنعتهم ومشروعهم الحضاري !!.



ان هذه الرؤية ، لمشروع الفلسفة وفلاسفتها هي ، التي تقربنا خطوة لوعي وادراك مقولتنا الانفة الذكر حول (ضرورة وحتمية التقارن) بين المشروع الفلسفي تاريخيا من جهة والمشروع الحضاري من جانب اخر وهي ايضا التي تساعدنا على فهم الرابطة بين اي امة تحترم العقلنة ومنتجاتها الفكرية والعلمية ، وبين مشروع الفلسفة القائم اساسا على فن التفكير ، والابداع فيه وعلى هذا ذكرنا : انه لاتوجد امة مفكرة بلا مشروع فلسفة ، ولامشروع فلسفة يصلح ان يكون في امة لاتقدس العقلنة والتفكير !!.



في اوربا وفي بدايات نهضتها الفكرية (( 1214 م /بداية مع روجر بيكون وحتى فرنسيس بيكون / 1626 م )) كانت الفلسفة هي اللاعب الاساس في الساحة العقلية والعلمية الاوربية انذاك وكانت الفلسفة العربية الاسلامية مع الارسطية اليونانية ، التي غادرت اخر معاقل الفلسفة العربية الاسلامية في المغرب العربي الاسلامي تنتقل الى اوربا لتكون هي الشغل الشاغل للعقل الاوربي الجديد وما ان فجرت الفلسفة (اليونانية الاسلامية ) صاعق التفكير الاوربي حتى اتجهت العقلية الاوربية للبحث عن الجديد والانتاج من الفكر العلمي ، وكما هي سنة ، وقوانين الصراع والتدافع الانسانية ناهضت قوى الاستبداد السياسي ، والظلام الكنسي هذا المشروع الفلسفي الجديد بحجج مختلفة سياسية ودينية ، ومن الطبيعي كما ذكرناه سابقا ان يصطدم مشروع الفلسفة التجديدي مع الوضع القائم القديم فالفلسفة مشروع قائم ومركب على البحث عن الجديد ، في الفكر وفي النظام السياسي ، وفي القانون والحقوق والواجبات ...، كما انه مشروع يؤمن بالعلم ومنتجاته الفلسفية والتجريبية مما يطرح موضوعة التصادم مع ((الخرافي والاسطوري))الشعبي والديني شيئ شبه المؤكد !.



ان اخطرماواجه مشروع الفلسفة من مناهضات وحروب علنية في تاريخها الطويل ، وحتى اليوم هو ليس تلك الاساليب التقليدية التاريخية التي كانت تتهم الفلسفة مرة باثارة القلق السياسي او بالزندقة واخرى بضررها الفادح على عقيدة الجمهور الدينية ، مع انه لم تزل هذه الاساليب تناهض مشروع الفلسفة وتحاول ابعاده حتى اليوم عن الحوزات الدينية والجامعات الرسمية السياسية ، بنفس الحجج والمنطلقات ، ولكن ما هو الاخطر هو تلك الدعوة التي اطلقت ضد مشروع الفلسفة الحديثة باسم العلم التجريبي الحديث ومفاد هذه التهمة الجديدة لمشروع الفلسفة قائمة على((ان الفلسفة باسلوب تفكيرها الارسطي الاستنباطي هي احد عوامل تجميد الفكر الانساني ، وابتعاده عن التفكير العلمي التجريبي المتطور والنافع )) !!.



والحقيقة ان هذه التهمة هي وليدة (( تيار تجريبي مادي علمي حديث)) بدأ تقريبا في نهايات القرن السابع عشر الميلادي ليتخذ من الفلسفة ومشروعها هدف جديد ، لمناهضت كل ما هو (غير تجريبي) ولا استقرائي في التفكير ومناهج العلم !.

والحقيقة نحن الان ليس بصددمناقشةهذا التيارالتجريبي المناهض للمشروع الفلسفي الحديث لان قادة (الفلسفة الارسطية الاسلامية العقلية) في العصر الحديث قد باحثواهذا التيار العلمي المادي واوضحواخطل هذا التيارباتهامه للفلسفة ومشروعها ، بكل ماهو لا يمت بصله لفن التفكير الفلسفي ومناهجه المختلفة المقاصد عن مقاصد ومناهج التفكير التجريبي العلمي !.

لكن بقيت هذه الدعوة المادية العلمية هي : من اشد الاساليب ايلاما ووجعا لمشروع الفلسفة اليوم ،ومناهضة ايضا لعودة مشروع الفلسفة ليتخذ وضعه الطبيعي في بناء الحضارة الانسانية المعاصرة بشكلها الفكري المختلف !!.



نعم ان هذه الدعوة ربما كانت هي السبب التي دفعت ( مثلا ) جامعة بغداد للاداب ، التي تاسست في 1948م ان تلغي (تدريس مادة الفلسفة) في هذه الجامعة سنة 1954م وربما هي ايضاوتحت وطأة الخداع الذي مورس ضد الفلسفة الحديثة ان تدفع بالكثير من المواقف العلمية المتشنجة لتتهم الفلسفة بانها سبب تخلف الكثير من الدراسات العلمية والاكاديمية !!.



والحقيقة انه يكفي هنا ، للرد على هذه المزاعم الباطلة القول : ان حضارة انسانية يقودها العلم التجريبي فقط اليوم بلا فلسفة ورؤية فلسفية لا تختلف كثيرا في انغلاقها الفكري عن عالم ، كانت تقوده النفعية السياسية والسلفية الدينية بلا فلسفة فكرية !.

ان مشروع الفلسفة لم يكن في يوم من الايام مشروعا نخبويا ، او فئويا او مختصا بحقل علمي دون اخر ، ليناهضه الماديون اليوم تحت ذريعة مناهج التفكيرالعلمية اوغيرالعلمية بل ان مشروع الفلسفة ومنذ ولادته وحتى اليوم هو مشروع امة وجمهور ومجتمع ، قبل ان يكون مشروع معامل تجريب وتحليل او مشروع سياسة فحسب او مشروع قوانين واجتهاد وبناء ، ولهذا ما من امة ينزوي عنهاالمشروع الفلسفي اوهي تنزوي عن مشروع التفكير الفلسفي الا كانت امة ميتة وتابعة ومنقادة ولا فعل لها في هذه الحياة !!.

هذا ما يقدمه المشروع الفلسفي اليوم ، لاي امة تحاول اعادة بناء حضارتها الانسانية الغاطسة !.

وهذا ما يقدمه المشروع الفلسفي لكل ابعاد الحياة الانسانية عقديا في امكانية مشروع الفلسفة من تجديد الوعي الديني واصلاحه ،وسياسيا بطرح حكومة الفلاسفة والمفكرين القادرين على فهم الادارة والقيادة ،وقانونيا بقدرته على وعي القانون وماهية وظائفه ومقاصده وفنيا واقتصاديا وتربويا واجتماعيا وعلميا ......الخ !!.

هذا هو مضمون المشروع الفلسفي الذي عندما غيّب مع الاسف في العصر الحديث اصبحت الالة واذرع المصانع والرسمال ... هو المتحكم في عقل الانسان واساليب تفكيره ، بدلا من ان يكون الانسان هو سيد الالة وسيد العالم من حوله !!.



alshakerr@yahoo.com



مدونتي

http://7araa.blogspot.com/





إرسال تعليق