الأربعاء، أغسطس 20، 2014

ظاهرة بناء الاضرحة وتقديسها...... رؤية اجتماعية

لاريب ان ظاهرة بناء ، وتشييد الاضرحة وقبور الانبياء والاشخاص العظماءالصالحين منهم والطالحين كذالك واسباغ الرمزية التقديسية عليهاوتحويل مواقعها الى بُئراستقطاب احتفالية جماهيرية كبروعلى مدى تاريخ الانسانية الطويل وحتى اليوم هي ظاهرة اجتماعية يمكن اطلاق تسمية (( الظاهرة الاصيلة ))  عليها في علم الاجتماع وذالك لما لهذه الظاهرة من صفات ومميزات تؤهلها لتكون ظاهرة ((ثابتة ومستمرة اجتماعيا وتمتلك تجديد ذاتها زمنيا/ حسب شروط الظاهرة الاصيلة في مدرسة دوركايم الاجتماعية)) .
وعلى هذا الاساس يمكن دراسة هذه الظاهرة  من عدة جوانب مهمة في الدراسات الاجتماعية الحديثة، كما ينبغي لهذه الظاهرة ان تحوز على  اهتمام اكثرواكبر مما هو متوفر حولها في الدراسات والابحاث  الاجتماعية العربية والاسلامية والتي نأخذ عليها  انها  دراسات مع الاسف غابت تماماعن تناول الظواهرالاجتماعية العربية والاسلامية المعاصرة اليوم  بروح العلم  وبحثه الاجتماعي لاسيما هذه وتلك من  الظواهر ، التي بدت قراءاتها وتحليلها ، وتفسيرها (( كظاهرة بناء الاضرحة والقبور ، وترميزها قداسيا ، او ظاهرة تفكك بنى المجتمع العربي وانهيار منظومة القيم او
 ..الخ)) يشكل خطرا  او توترا فكريا وعقديا وسياسيا واجتماعيا....،  يهدد نظام  ، وبنية المجتمع العربي والاسلامي  تحت وطأة  وزحمة وصراع الخرافات  والاساطير  التي ما انزل الله سبحانه بها من سلطان ((وهي المشكل الحقيقي لحركات الارهاب ، والعنف والتطرف .....  العربي اليوم )) بتياراتها المنغلقة والمتطرفة التي تقرأ جميع ظواهرالمجتمع العربي والاسلامي وحتى الانساني بشكل عام  وظاهرة تشييد وبناء الاضرحة وتقديسها بشكل خاص بنوع لا يمت بصلة لا لعلم الاجتماع ومعطياته البحثية الحديثة في قراءة وفهم ووعي الظواهر الاجتماعية ولايمت بصلة ايضا لعلم الدين
 والشريعة واللاهوت في الاسلام ، وفكره الحضاري الاجتماعي النقي كذالك !.
وحينئذ سنقرأ ونبحث هذه الظاهرة من عدة محاور اهمها :
المحور الاول : الظاهرة واصالتها تاريخيا  .
الثاني : اسباب هذه الظاهرة ، وترميزها قداسيا وفروقها عن ظاهرة صناعة الوثنية  .
ثالثا: تحديد انتماء هذه الظاهرة اجتماعيا .
رابعا:فهم هذه الظاهرة ببعدها الاجتماعي  !!.
خامسا: الوظائف الاجتماعية لهذه الظواهر  .
سادسا : نتائج العمل الميداني الاجتماعي .


اولا : الظاهرة الاجتماعية  .
عرّف وميز مؤسس المدرسة الفرنسية الاجتماعية  الحديثة (( اميل دوركايم/ 1858/ 1917 م)) الظاهرة الاجتماعية في مؤلفه ((قواعد المنهج )) على اساس انها : كل ضرب من السلوك ثابت كان ام غير ثابت ، يمكن ان يباشر نوعا من القهر الخارجي  على الافراد / انظر قواعد المنهج/ دوركايم /ص 69/ ترجمة د. محمود قاسم / بمراجعة د. السيد محمد البدوي / دار التعارف / ط 1988 !!.
كما فرق الاستاذ (( دوركهايم )) في آخرمؤلفاته الاجتماعية 1912م (الاشكال الاولية للحياة الدينية)بين ماهية الظاهرة القداسية المنتمية لعالم اللاهوت والموت والغيب والمطهر واللامادي... والظاهرة التي تنتمي للعالم الدنيوي المادي  بان ظاهرة المقدس  او ظاهرة المطِهر هي  من اقدم ظواهر المجتمع الانساني ،  ومنتجاته  التي من خلالها استطاع المجتمع الانساني بناء افكار ، وتصورات تعمل على وظيفة خدمة روح المجتمع  ووحدته واستمراره ، وكذا تجديد نشاط افراده والهامهم مادة التضحية والفداء  في سبيل مصالحه وبقاءه . انظر :  سوسيولوجيا الدين ، / دانييل هرفييه
 / ، وليجيه جان بول / ترجمة درويش الحلوجي / الفصل الخامس / ص 222!!.    
فالظاهرة الاجتماعية ، بهذا المعنى هي :  اي سلوك جمعي يمكن ان يطفواعلى السطح والظاهرالاجتماعي في مدة زمنية متقطعة تاريخيا او متصلة زمانيا يهبها (( هذا الاتصال التاريخي ))  الثبات ويميزها بممارسة  نوع من القهر الخارجي  على جميع افراد المجتمع ، الذي يولدوا فيجدون انفسهم خاضعين لهذه الظواهر الاجتماعية المتحكمة بوجودهم الفردي !!.

ومن هنا يكون اي سلوك ((انساني جمعي )) لاسيما السلوك المرتبط بالترميز الطقسي القداسي المتكرر والفارض لهيمنته الاكراهية على الافراد من اهم موادالبحث العلمي لعلم الاجتماع باعتبار ان هذا العلم يدرس هذا السلوك ، ويبحث في اسبابه  (( الاجتماعية اولا ، وليس اللاهوتية التجريدية المنفصلةعن المجتمع))ومدى قرب هذا السلوك وبعده من متطلبات المجتمع ؟!!.

ثانيا : ظاهرة بناء الاضرحة والقبور وترميزها قداسيا .
ولا ريب ان بناء القبور ، وتكريم ساكنيها ، والاحتفال بوداعهم لهذه الدنيا ، على المستوى الانساني العام ، وكذا تشييد الاضرحة لعظماء الانسانية وكبراءهم كانت ولم تزل من الظواهرالسلوكية  الاجتماعية الغارقة في القدم التاريخي حتى اليوم ، والتي زامنت حياة الانسانية على هذه البسيطة ، لاسيما الحياة المرتبطة  (بلغز الموت واسراره) الذي استقطب مخيال الانسان القديم السحري والغيبي !!.
فالموت وفكرته ، بقيت فكرة تستثير المخيال الانساني وتستحلب كل طاقته لأسطرة هذه الحكاية وترميزها بكل ماهوغريب ومختلف بدءا بما للميت من ارواح ،  ربما كانت شريرة (( كما في تصورات الكثير من البدائيين الاستراليين )) التي تتقي شر الاموات بتكريمهم خشية عودة ارواحهم الشريرة ، وايذاء احبائهم من الاحياء او اخذ بعضهم للعالم الاخر للتسلية معهم و .. وحتى اعتقاد الكثير من سكان امريكا الجنوبية  وافريقيا من البدائيين ، بان للاموات عالم غير منقطع عن هذا العالم الدنيوي  وان هناك صلات لايقطعها موت الانسان بين من بقي من احياء الدنيا وبين من انتقل الى
 العالم الاخر !!.                وهكذا تطورت فكرة الموت المرتبطة بعالم اخر (( لان هناك كثير من الشعوب البدائية الرعوية المتنقلة  كالتي في افريقيا وماكان موجودا في الجاهلية العربية قبل الاسلام لاتؤمن بعالم اخر اواستمرار الروح بعد الموت و ..... الخ ،ولهذا لاتثير ظاهرة موت الانسان  واستقرار روحه ودفنه عندهم اي طقسية مخيالية سحرية اومجتمعية دينية )) عند المجتمعات المستقرة زراعيا ومن ثم حضاريا كالحياة السومرية ومن ثم البابلية والمصرية الى نوع من الطقسية التي ارتبطت بشكل مركز في طبقة النبلاء والحكام  والاستقراطيين  الذين يذهبون للعالم الاخر
 بنوع من الاحتفالية والرمزية القداسية التي تعتبر فكرة الموت مجرد  انتقال  من عالم ، الى اخر ، لايفصل  بين ارواح عالم الموتى وعالمنا المعاش اي فاصلة غير الواقع المادي  !!.
في مصر كان عالم الموتى عالم يتجسد ماديا وحسيا ليعيش مع عالم الاحياء من  خلال تشييد الاضرحة ، والمقابر الهرمية العملاقة لعالم الموتى وتكتب القوانين ، والقصص والحكايات  المطولة لذالك العالم الذي يحتاج فيه ساكنوه الى كل مايحتاجه الاحياءفي هذا العالم  فمن الآنية وادوات المطبخ وحلي النساء والرجال وتاثيث البيوت ..... في عالم الموتى السومري  الزراعي ، والبابلي العراقي ، والى حتى قتل الخدم والازواج ،  والوزراء مع موت ملك ، وفرعون  مصر القديمة  ليقيم اموات الملوك مملكاتهم في العالم الاخر ويديرون هذه الممالك ،وبكل ما كان لديهم في هذه
 الدنيا من ادوات واسباب الملك والتمتع والقوة  !!.
وهكذا ، بدت فكرة تشييد الاضرحة ، وبناء القبور، وتكريم موتاها و ...... الخ   فعل سلوكي اجتماعي متطور يدلل في بعض اهم مدلولاته الاجتماعية على( ايمان المجتمع): بان فكرة الموت او موت الانسان بصورة عامة ، ماهي الا مرحلة انتقال من عالم ، الى عالم اخر ربما يفنى الجسد   المادي للانسان بينهما ، لكن تبقى الروح هي المستمر الذي يصل بين العالمين الدنيوي والاخروي  !.
طبعا ظاهرة بناء القبور، وتشييد الاضرحة لموتاها وزيارتهم وتقديم الهدايا لهم ، و.... الخ   ظاهرة من اهم مميزاتها انها ظاهرة مرتبطة بشكل وثيق اجتماعيا  بسحرية طقسية اسطورية.. ما بعد هذه الحياة ورمزيتها المخيالية للانسان ، ولها وظائفها الاجتماععية طبعا وهذه الظاهرة الاجتماعية  مختلفة عن ظاهرة ، او  اسباب ظاهرة صناعة التماثيل والاوثان والاصنام لعظماء وكبراءالمجتمعات الانسانية التي ترتبط بالسلوك الاجتماعي الدنيوي اكثرمن ارتباطهابمخيال المجتمع الاخروي او عن العالم الاخر !!.
اي ان من اهم الاسباب والدوافع المجتمعية التاريخية لظاهرة وجود (( الاصنام والتماثيل ، والهياكل الوثنية الكبرى )) كانت في معظمها اسباب ودوافع ((سياسية دنيوية وليست اخروية روحية )) وصُنعت وابدعت هذه الظواهرالاجتماعية  للتدليل على((الهيمنة السياسية او التماسك السياسي المجتمعي من جهة وبسط نفوذالسلطة وحضورها اجتماعيامن جانب اخر)) في هذا العالم  اكثر من تدليلها على رمزية العالم الاخر في تخليد الاموات  او اجترار ذكراهم الى  ما بعد رحيل هؤلاء العظماء والملوك والقادة من هذه الحياة الدنيا !!.
نعم كانت هذه المنحوتات الفنية تبقى خالدة لتدلل ايضا على : تاريخ يكتب ، ويجسد فنيا ، لعظماء التاريخ الحضاري في العراق ، ومصر والمكسيك والصين واليونان و..... الخ وبالفعل كان للتطورالتاريخي لهذه الظواهر المجتمعية فعلها الاجتماعي الثقافي الذي نقل مدلولات هذه المنحوتات الفنية فكريا من((وظائفها السياسية  السلطوية)) في عالم الانسان المعاش ، الى (( وظائفها الدينية التقديسية  )) ،عندما تحولت مدلولات هذه المنحوتات  من معانيها السياسية ، الى معانيها الاسطورية الرمزية الدينية لتتحول الى التعبيرعن((آلهة)) او نصف الهة تعبد ، او يتقرب من  خلالها
 الى :(( الله الاعظم صاحب السلطة والنفوذ الاكبر)) كما هو بارزفي حياة الاجتماع الحضاري والتاريخي اليونانية في (( آلهة الحرب والحكمة والجمال... )) ، او آلهة القبائل العربية في الجزيرة العربية  ابان ولادة الاسلام  !!.
ولكن ومع ذالك يمكن ايضا ارجاع (( ظاهرة تأليه )) هذه المنحوتات الاجتماعية الى ما تختزله هذه التماثيل والاصنام  من رمزية للسلطة والقوة والامداد والمعونة و ...الخ للانسان اكثر من ارجاع مدلولاتها الاجتماعية الى عالم ما بعد الموت وطقوسه والارواح  والعالم الاخر !!.
والخلاصة :  لايمكن الدمج من الناحية البحثية والعلمية  بين ظاهرة بناء الاضرحة ،  وتقديس شواهدها الانسانية ، وبين ظاهرة الوثنية وصناعة المنحوتات الحجرية لاختلاف اسباب ودوافع كلا الظاهرتين اجتماعيا !!.
ثالثا : انتماء ظاهرة تشييد القبور .
يذكر دارسوا ،  وباحثو الانثربولوجيا الحديثة (( مثل يوليوس ليبس في كتابه/اصل الاشياء بدايات الثقافة الانسانية)) ان ظاهرة الاهتمام بتكريم الموتى وتشييد الاضرحة وترميز قبورهم بنوع من التقديسية وكذالك زيارة الاموات وتقديم الهدايا اوالنذور لارواح هؤلاء الموتى هي ظاهرة  في جوهرها تنتمي للمجتمع الزراعي المستقرّ اكثر منها ظاهرة متولدة من المجتمعات الرعوية البدوية المتنقلة !!.
ولهذا يركز في مؤلفه (ليبس)على تكرار مقولة (الشعوب الزراعية) التي تستقر هي  وموتاها وارواحهم في مكان واحد  لتتعايش احياءا وامواتا  بثقافة تؤسطر لكل ما للحياة ، والاموات بعد  هذا العالم من صلات وقوانين وقصص سحرية وطقوس تقليدية متبادلة !!.
وهذا بعكس الشعوب الرعوية  وتصوراتها المرتبطة بظاهرة الموت فمعظم هذه الشعوب لاتعتقد ب(استمرارية ارواح الموتى بعد موتهم) وكثير منهم كانوا لايهتمون  بدفن الموتى او حتى اقامة مراسيم لهذا الدفن مما يدلل ، (( كما قال ليبس : بشكل عام يعني الموت لدى هذه القبائل الرعوية زوال وانحلال للانسان بعد موته ، )) / انظر ليبس / اصل الاشياء / الفصل الخامس عشر / مملكة الاموات / ص 328 .
بمعنى اخر ان(ليبس)الانثربولوجي الشهيريرجع ظاهرة بناء وتشييد القبور ، وتقديس الاضرحة ، وفكرة الارواح واتصال عالمي الاحياء والاموات ....الخ الى ظواهر المجتمع الزراعي المستقر  ويعلل ذالك بان المجتمع الزراعي المستقر بما ان ظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتنوعة والتربوية و...الخ ، ارتبطت بعامل الاستقرار والزراعة والقانون والبناء في الارض  فتطلب ذالك ثقافة تمزج بين حياة الاموات والاحياءالذين يسكنون في حيزجغرافي معين من جهة وتطلب كذالك ثقافة ترفع الحواجز ،  ما بين عالمي الاحياء المتحرك والمستمر وعالم الاموات الذي يبدو
 انه متوقف ونهائي   !!.
اما الرعاة من البدو المتنقلين ، فانتفت من حياتهم الاجتماعية  فكرة الاستقراراوالحاجة للاستقرارمما رفع عن كاهلهم بناء ثقافة الارض او ثقافة الاستقرار فيها جنبا الى جنب مع الاموات  والحاجة لقوانين المجتمع المدني وثقافته المتنوعة والمخيالية والمؤسطرة .... وغير ذالك !!.
وهذا هو ما اضمر فكرة وثقافة تفكير الرعوي المتجول بحياة ما بعد حياته الدنيوية ، او انشغال فكره  بتصورات  وفلسفات ودراسات ما اذا كان الانسان متكون من عنصري المادة والروح ؟!.واذا ما ازيلت مادة الانسان فاين سيكون مآل روحه ؟، واين مستقرها ...الخ ؟!.
كل هذا جعل من فكرة الموت ، وفكرة الارواح والاتصال بها  وثقافة قبرالانسان وتخليد ذكره وتقديس مراسيم احترامه، واتصاله بما بعد هذه الحياة ... الخ هي ثقافة ترتبط بظواهر المجتمع المدني الزراعي وسلوكياته اكثر من ارتباطها بثقافة، وفكر وظواهر  الحياة الرعوية وسلوكها المجتمعي  التي غابت عن جذورها الثقافية  والتراثية و... وحتى الدينية اليوم اشارة لثقافة وفكرة الارواح والاتصال بعالم اخر واقامة مراسيم الاحتفال السنوية لها ، بل ونجد  ان في جذور الثقافة الرعوية لم تزل (النفرة ) واضحة من كل مايمت بصلة لثقافة الموت والروح ، وتجديد مراسم الحياة
 الاخرى وبناء الاضرحة وزيارتها و .....الخ !.
إرسال تعليق