الأربعاء، نوفمبر 11، 2015

(( تناولات علي الوردي السوفسطائية للفلسفة ومنطقها الارسطي )) 2/2 حميد الشاكر


 
 

 

من طبائع الدكتور علي الوردي الفكرية  في معظم مؤلفاته الثقافية تقريبا هي  انه  عندما يريد ان يناقش او يبحث اي فكرة فلسفية او مفردة علمية بصورة نقدية ، ولاسيما تلك التصورات والافكار ، التي تنتمي لعالم الفلسفة ومشروعها الارسطي الاسلامي ، فانه لايذهب ليناقش (( الادلة والبراهين العقلية )) لتلك التصورات  ومبانيها الفكرية واساساتها المنهجية  كما تطرحه تلك المدارس الفلسفية وقادتها على التعيين ومن ثم ليفند افكارها من القواعد وبصورة منهجية علمية .

بل يكتفي ( الدكتور الوردي )  بان :

اولا : يطرح فكرة عامة او مفردة من مفرداتها  ليتكئ على عموميتها وسطحها الخارجي  .

ثانيا : ينتقد من خلال هذا السطح الخارجي افكارا ، او تصورات طرحت هنا وهناك تاريخيا في ساحة الفكر الفلسفي .
ثالثا : بعد ذالك يفتح  موضوعات  اُخرى (( كامثلة تطبيقية واقعية تاريخية او اجتماعية )) مختلفة تماما عن موضوع الفلسفة وادلتها العقلية  ليناقشها ( يناقش هذه الامثلة )  ويبحثها (تحت بند) مناقشة المنطق الارسطي وفشله ونتائجه وانعكاساته السيئة اخيرا !!.
على سبيل المثال والنموذج  : عندما يتناول الدكتور علي الوردي موضوع المنطق الفلسفي الارسطي الاسلامي الاول وهو (( الاستنباط = القياس )) في كتابه (( منطق ابن خلدون / القسم الاول : خصائص المنطق القديم / امثلة واقعية 1 )) فانه لايذهب ليشرح لقرائه الآتي من المحاور والمقدمات الضرورية قبل النقد ك :
اولا : ماهية هذا المنطق الاستنباطي تاريخيا وتطوراته الفكرية ، والبنيوية حتى العصر الحديث في المدرسة الفلسفية الارسطية الاسلامية بدقة وعمق .
ثانيا : ادلة الفلاسفة الارسطيين الاسلاميين العقلية على هذا المنطق من جهة ، وماهية الاساسات العقلية التي تفرض عليهم  تبني (( المنطق الاستنباطي )) في اساليبهم الفكرية من جانب اخر !!.
ثالثا : تنوع الاستنباطات الفلسفية المنطقية الارسطية وتقسيمها الى منطق ((  استنباطي واخر استقرائي ))
رابعا : لماذية ترجيح  ، وانتخاب المنطق ( الاستنباطي ) عند الفلاسفة ، وجعله في رتبة القيادة ،  او التكامل للمنطق ( الاستقرائي التجريبي العلمي ) في اساليبهم الفكرية  مع ذكر ادلة كل منطق ( استباطي ، واستقرائي ) وما يتميز به عن الاخر ومكامن الضعف او القوة في براهين كلا المنطقين  .
خامسا: ومن ثم تفنيد هذه الادلة العقلية للمنطق الاستنباطي القياسي الكلي وذكر الادلة العلمية التي يؤمن بها الوردي لتثبت خرافية وعاجية وخزعبلائية و ... ( المصطلحات للدكتور الوردي  وهو يصف المنطق الاستنباطي  الارسطي ) ليحل محلها الادلة التي ترّشح ((المنطق الاستقرائي / او المنطق الهيجلي كمتبنى للدكتور الوردي)) العلمي  التجريبي الحسي المادي فقط  على انه المنطق الوحيد المؤهل للاحترام وللانتاج الانساني العلمي المثمر !!.
هل قام الدكتورعلي الوردي وهو يناقش مشروع الفلسفة ومنطقها الارسطي في كل مؤلفاته التي تناولت الفلسفة بهذه الخطوات (المنهجية العلمية) لدراسة اي فكرة فضلا عن دراسة الفلسفة ومنطقها الارسطي قبل ان يطرح نقده العنيف لهذه الفلسفة ومشروعها الفكري الواسع والعميق ؟.
ام انه اكتفى باعتماد العموميات الفكرية للفلسفة ومنطقها لاغير ؟!.
مع الاسف لم يقم الوردي بانتهاج المنهج العلمي في نقد الافكارالفلسفية او المنطقية الارسطية الاسلامية وربما بسبب عدم اختصاصه بالفكر الفلسفي  اكتفى  بطرح السطح الخارجي للافكار الفلسفية  ومن ثم ليكتب ( مثلا ) حول المنطق الاستنباطي في مقدمة الفصل الذي تناول فيه الاستنباط هاتين الجملتين فحسب :
(( انه منطق يقوم على دعامتين : مادية وصورية )) ، ثم بعد هذا يصل  الوردي الى نتيجة :
(( ان  المنطق الاستنباطي يهتم بالجانب الصوري على الجانب المادي  فحسب )) 2 .
طبعا ليس هناك فيلسوف ارسطي معترف به وينتمي لهذه المدرسة في التاريخ وحتى الوقت الحاضر اعلن : انه ينبغي الاهتمام في المنطق الاستنباطي بالجانب الصوري واهمال الجانب المادي ، ولو كان لذكره لنا الدكتور الوردي كمصدر يدعم رؤية الوردي هذه لكنه اجتهاد من قبل بعض المدارس الفكرية الحديثة لاسيما منها المادية المعاصرة كانت ترى :(ان هناك اهتماما من قبل الفلاسفة الارسطيين  الكلاسيكيين بالجانب الصوري للمنطق الارسطي على الجانب المادي ثم يبنون  رؤيتهم النقدية  على هذا الاستنتاج الشخصي وكفى ) !.
اما ماهوالدليل  التاريخي ،او المعاصرالذي ( دونه اي فيلسوف ارسطي في التاريخ اليوناني القديم والاسلامي الوسيط والمعاصر ) يؤكد او يحث على اهتمام هذا المنطق الاستنباطي بالصورية على المادية ؟!!.
او بمعنى اخر ما الدليل الفلسفي الذي اشار اليه الفلاسفة الارسطيين في تقديم الصورية على المادية ، ومن ثم  يعتمد وينطلق منه الدكتورالوردي وغيره  ليدين  المنطق الارسطي بالاهتمام بالصورية على المادية في هذا المنطق ؟.
يجيبنا الدكتور الوردي بان الدليل هو وباوضح تطبيق منطقي استنباطي ارسطي ، وكما اشار اليه في نفس الفصل من كتاب ( منطق ابن خلدون ) : هو (( الهندسة حيث يهتم المهندسون بالشكل المخروطي او الدائري او.... ، ولا يبالون في المادة ان كانت حجرا او حديدا او نحاسا او ... )) !!. 3 .
ما علاقة الفلاسفة ومنطقهم الارسطي بالهندسة ؟.
سؤال نجد انفسنا مرغمين على طرحه امام هذا المنهج في التناول للدكتور الوردي ؟!.
ومتى كانت الهندسة احد (( المتحدثين الرسميين )) عن الفلسفة ومنطقها الارسطي حتى يكون عملها دليلا على ادانة الفلسفة واثبات جرم انها تنحاز للصورية على المادية في منطقها الاستنباطي ؟.
ولو فرضنا ان نجاح المنطق الارسطي في الهندسة ، والرياضيات كان صوريا ، ومهتما بالجانب النظري على الجانب المادي التطبيقي ( بسبب طبيعة علم الهندسة والرياضيات وميلهما للنظري على التطبيقي )  فما علاقة الفلاسفة الذي جلهم وكبارهم اما مشتغل بالطبيعيات المادية او الكيميائية او الطبية او ..... الخ ، وقد اتهموا من الجانب الاخر بانكار الروحانيات والمعنويات لمنهجهم العقلي و ... ما علاقة الفلاسفة بان يتهموا بالغلو بالصورية وابتعادهم عن التطبيق والمادية  لمجرد ان الهندسة تهتم بالشكل الهرمي او المخروطي على مادة البناء ان كانت من حجر او معدن او باقي المواد ؟!!.
هذا هو مع الاسف ( المنهج ) الذي يستخدمه الدكتور علي الوردي في بحث ومناقشة معظم الافكارالفلسفية الارسطية الاسلامية والتي يتهم من خلالها الكندي والفارابي والرازي وابن سينا ومسكويه وابن طفيل وابن رشد و.. بالصورية والقشرية والعاجية و .... الى ماهنالك !!.

 

ثانيا : تطبيقات المنهج العملية

اما اذاما رجعنا الى بحث ودراسة (الامثلة التطبيقية) التي يعتمد عليها الدكتورالوردي كبراهين وادلة تثبت ان المنطق الاستنباطي الارسطي الاسلامي هو كان  ولم يزل صوريا وليس ماديا فاننا سنصل  لبحث الامثلة التطبيقية التي ساقها الدكتور الوردي في فصله لنقد  المنطق الاستنباطي وهي امثلة متنوعة من حكايات تاريخية من قبيل :

اولا : طريف ما يذكر حول جماعة من المفكرين الاوربيين كانوا يتجادلون حول اسنان الحصان (قياسيا استبناطيا ) كم هي  لايام متطاولة بدون ان يكلف نفسه احدهم للقيام الى الفرس الذي بجانبهم وعد اسنانه مباشرة ( استقرائيا ماديا ) . 4

ثانيا : ما ذكره الماوردي في كتابه الاحكام السلطانية حول مسالة عقد الخلافة لرجلين وموقف الفقه النظري  من ذالك . 5. و .....الخ .

الحقيقة ان الماوردي فقيه سلطاني والجماعة الاوربيين ونقاشهم البيزنطي القريب من السفسطة الجدلية منه للفلسفة ومنطقها العقلي نادرة للطرفة فما علاقة الفلاسفة واتهامهم بالصورية بمنطق هذه الامثلة التي لاتمت بصلة لا للفلسفة وقادتها ومفكريها ومنظريها ، ولا للمنطق وحججه وبراهينه وادلته العقلية !!؟.
ولربما (على سبيل الفرضية ) كان الماوردي مستعملا او مستخدما او منتهجا للاقيسة المنطقية الارسطية في عمليات استنباطه للاحكام السلطانية الفقهية ، وثم هو يميل للجانب النظري الصوري في اجتهاده وفقهه على الجانب التطبيقي الاجتماعي المادي ، ولكن مع ذالك هل يصلح هذا( المنطق  او المنهج في التناول ) بالاحتجاج على المنطق الارسطي وعملية استنباطه من منطلق ان الماوردي استخدمه استخداما سيئا وبغض النظرعن نقطة ان الماوردي ليس فيلسوفا من اصله ولا يمكن ان ننسبه لمدرسة الفلاسفة الارسطيين من اساسه ؟!!.
________________________
 
ثالثا : المنطق من وجهة نظر علي الوردي .
نعم طرح الدكتورالوردي في محور(مبادئ المنطق الارسطي)  خطوط ومبادئ عامة ( بدون ذكر لادلة الفلاسفة ) لهذا المنطق بالقول :
(( من دراستي للمنطق الارسطي استطيع ان استنتج ان له ثلاث مبادئ اساسية :
1 : مبدأ العقلانية .
2 : مبدأ السببية .
3 : مبدأ الماهية . )) 6 .
ثم شرع الدكتور الوردي بشرح هذه المبادئ الثلاثة بالاتي :
اولا : ان الفلاسفة يؤمنون بطريقين للمعرفة الحس والعقل  وان العقل البشري يمتلك المقدرة على اكتشاف الحقيقة .
ثانيا : مبدأ السببية حيث يؤمن الفلاسفة بان جميع حوادث الكون خاضعة لقانون السببية او قانون العليّة .
ثالثا : قانون الماهية ( ثبات الماهية وتغير المادة ) والمتمثل بقانون عدم التناقض . 7 .
ثم يبدأ المرحوم الوردي بنقض هذه المبادئ الثلاثة ب : (( ان العقلانية مشكلتها انها يقينية وتغلب مبادئ العقل على التجربة والحس، اما السببية فان ( المنطق الحديث ليهيجل ) اثبت ان مبدأ السببية ليس علميا وان الصراع والتناقض هو المبدأ العلمي وليس السببية ، واما الماهية ،   فعلى نفس رؤية هيجل فانه لاحقائق ولا ماهيات ثابتة وغير متغيرة وعلى هذا الاساس تهدم كل اسس المنطق الارسطي / نقلنا راي الدكتور بتصرف غير مخل بالفكرة )) .
طبعا اذا اردنا ان نبحث ، ونناقش ما طرحه الدكتور علي الوردي مفردة مفردة بهذا الاطار فسيطول المقام لكن لانعدم الاختصار لنشير الى :
اولا : طرح الدكتور فصله الاول لمناقسة ( خصائص المنطق القديم = الاستنباط )  واشار الى خصيصتين ( الصورية والمادية) لهذا النوع من الاستنباط ، لكنه سرعان ما تحول ليبحث في (مبادئ المنطق الارسطي) بصورةعامة وشاملة والاختلاف بين المحورين اختلافا واسعا فالاول محور مقنن ومحصورومقيد ب(الاستنباط وعملياته ومناهجه) والثاني محور مفتوح ( مبادئ المنطق الارسطي ) على كل الفلسفة العقلية بما في ذالك مناهجها واساليبها الفكرية .
ثانيا : ذكر الدكتورعلي ( جزاه الله خيرا ) انه يطرح دراسته الشخصية لهذا المنطق  ويناقش ويتناول ويبحث المبادئ التي استنتجها وفهمها هو من هذا المنطق الارسطي وهي ثلاثة كما اشار، لكن كان الاكثرمنهجية علمية هوان يطرح بحث  ورؤية الفلاسفة انفسهم اولا لمبادئ المنطق الارسطي ، وثانيا يطرح ادلتهم ، وبراهينهم وحججهم على مبادئ المنطق الارسطي هذا ، ثم بعد ذالك يطرح دراسته ،  واستنتاجه ورؤيته الشخصية لهذا المنطق ، ولا   يكتفي الدكتور الوردي بطرح رؤيته ونقده الشخصي للمنطق ويعتبر ذالك دليلا على عوار مناهج المنطق الارسطي في التفكير !.
ثالثا : عندما ذكر  الوردي رؤية المناطقة للمعرفة الانسانية ، فانه ذكر بالحرف (( فقد كان الفلاسفة يعتقدون ان هناك طريقين للمعرفة لاثالث لهما هما الحسّ والعقل / 8 )) ، وهذه بالفعل هي مصادر المعرفة الانسانية للفلاسفة واختلفوا مع السوفسطائية القديمة في مبدأ المعرفة هذا قديما ، كما بيناه في القسم الاول من هذه التناولات ، واختلفوا ايضا مع المدارس الحديثة ، لاسيما منها المادية الماركسية في موضوعة ( ان المادية تؤمن بالحس، والمادة التجريبية كمصدر وحيد للمعرفة الانسانية / 9 / ) بينما يرى الفلاسفة الارسطيين ( ان التجربة والمادة والحس هي بحاجة للعقل كي تتم المعرفة العلمية والفلسفية للعالم وللانسان ) !!.
لكن الدكتور الوردي ومع انه يذكر (( الحس والتجربة والمادة ))على اساس انها من ضمن المعارف العلمية للفلاسفة ومنطقهم الارسطي ، لكن مع ذالك يهاجم الفلاسفة ، ومنطقهم بشراسة على اساس انهم عقليون لاماديين وصوريون لاتجريبيين علميين وعاجيون لا واقعيين و ...الخ !!.
مع ان التاريخ الفلسفي اليوناني  والاسلامي القديم والحديث يبرهن على ان علماء التجريب والعلم ومنطق الاستقراء هم كانوا فلاسفة ارسطيين في الحضارتين اليونانية ( ارسطو = عالم طبيعة ) والعربية الاسلامية ( ابن سينا طب ابن طفيل طب كيمياء طبيعة ...الخ ) فيما بعد لاغير !!.
رابعا : يعتمد اعتماد كلّي الدكتور علي الوردي وتقريبا في معظم مؤلفاته ( كما هو مذكور ايضا في كتاب مهزلة العقل البشري) على ما طرحه (هيجل ) من منطق جدلي ( تحول من ثم الى مادية جدليةعلى يد الماركسية بعده) حاول هيجل من خلال طرحه لهذا المنطق ان يكون في مواجهة ( المنطق الكلاسيكي ) ، الذي طرحه الفلاسفة بمدرستهم المنطقية الارسطية من جهة ، وحاول ايضا ان يتخلص من خلاله من مبدأ  ( العلية الفلسفية ) في فكرة ان للعالم علّة ايجاد من خارجه !!.
ومن هنا طرح هيجل (منطق الصراع الداخلي) للمادة باعتباران المادة مهيئة ذاتيا لعنصر تطورها (هذا المنطق قريب لما طرحته فلسفة صدر المتألهين الشيرازي للحركة الجوهرية )، وخلقها من الداخل ولا حاجة بعدئذ لفكرة البحث عن العلة الخارجية للعالم ، وعلى هذا الاساس تبنت المادية ( وجودية سارترية نفعية جيمسية ) ، بكافة اشكالها وصورها لاسيما الماركسية ( المنطق الهيجلي ) القائم على فكرة الصراع والتناقض !!.
والحقيقة ان الدكتور الوردي كان منتميا بقوة للمنطق الجدلي الهيجلي ، وهوالمنطق الذي ينطلق منه الدكتور الوردي في معظم تحليلاته ورؤاه الاجتماعية والعلمية ، ومن حق الدكتور الوردي ان يختار وينتخب المنطق الذي يراه مناسبا لتحليلاته الفكرية والاجتماعية طبعا !.
ولكن ما نختلف فيه مع الدكتور الوردي بهذا الصدد امران :
الاول : هو ان يطلق الدكتورالوردي على منطق فلسفي ايدلوجي الا وهو المنطق الهيجلي مسمى ومصطلح ( المنطق العلمي ) وحصر هذا المسمى بهذا المنطق بالذات !!.
فهنا نحن امام اشكالين  من جهة هو الخلط بين ماهو فلسفي ايدلوجي وبين ماهو علمي تجريبي ومن جهة اخرى هو اختصار مسمى العلمية فقط على منطق تفكير انساني لا يختلف في اهدافه عن المنطق الاخرالارسطي العقلي !!.
ثانيا : هو لو سلمنا ان الدكتور الوردي يحاول طرح المنطق الجدلي الهيجلي بدلا عن المنطق الارسطي الفلسفي لكن لم نجد مؤلفا او فصلا مستقلا لمنطق الدكتور الوردي مكتوبا وشارحا وطارحا لهذا المنطق الهيجلي وماهية اختلافاته المبدئية عن المنطق الارسطي الاسلامي حتى يدرك قارئ الوردي ماهية هذا المنطق الجديد ،  والعلمي الذي يدعو له الدكتور الوردي وينادي باحلاله مكان المنطق الارسطي الاسلامي ليكون اسلوب تفكيرنا الحديث ؟!!.
بمعنى اخر : هو هل يكفي علميا منهجيا ان ندعوا للمنطق الهيجلي الجدلي  الذي اسست عليه جميع المدارس المادية الحديثة لاسيما الماركسية منها ونرشحه ان يكون منطقنا في التفكير الحديث ، وندعو من جانب اخر للاطاحة بالمنطق الارسطي الاسلامي العاجي والخرافي هل يكفي بعد ذالك ان نطرح ( اربعة اسطر ) في ذكر المنطق الهيجلي كما ورد في جميع مؤلفات الوردي المطبوعة ، ثم بعد ذالك نعتبر اننا دعونا فعلا لمنهج ، ومنطق علمي لايشق له غبار ونتهم عقل البشرية كله بالمهزلة كما اسمى الدكتور الوردي احد مؤلفاته ب ( مهزلة العقل البشري )) ؟!.
بمعنى اخر ان الدكتورالوردي دائم الذكروالتمجيد للمنطق الهيجلي في مؤلفاته وكتبه وربما اذا احتاج الدكتور الوردي للمقارنه بين منطقين او ارجاع كل تخلفنا العربي والاسلامي الفكري والعلمي والاجتماعي والتربوي و..... فانه يطرح سبب مأساتنا في المنطق الارسطي وهيمنته على اساليب تفكيرنا الصورية والعاجية كما يطرح دائما ايضا سبب نجاتنا في الايمان بالمنطق الهيجلي ولكن ومع اهمية ذالك القصوى بالنسبة للوردي لم نقرأ ولا مقالا واحدا فضلا عن مؤلف او نظرية متكاملة يطرحها الوردي ،  ليشرح لنا نحن قراءه والمدافعين عن افكاره بحرارة ماهية هذا المنطق وماهية اصوله ومبادئه  وما الذي يريد هيجل ان يطرحه عندما طرح منطقه ، وما تعريف مصطلح الصراع والتناقض وماهي الادلة العقلية او العلمية عليه و ....الخ ؟!.  
الفلاسفة الارسطيون المعاصرون ك(الصدرفي فلسفتنا مثلاومطهري في اسس الفلسفة والمذهب الواقعي والطبطبائي و..الخ ) تناولوا المنطق الهيجلي شرحا وبحثا ونقدا ونقضا و ....الخ بكل مفرداته ودقائقه وتبين واضحا نقاط الضعف العقلية والعلمية لهذا المنطق الهيجلي الحديث وفي المقابل طرحوا وشرحوا( الفلاسفة الارسطيين ) المنطق الارسطي ووضحوا ادلة القياس ، والاستقراء العقلية  وطرح ( الصدر باقر ) نظرية ثالثة لمنطق الاحتمالات في كتابه ( الاسس المنطقية للاستقراء ) !!.
السؤال هو ان الدكتور الوردي عاصر بفكره ووجوده كل ما طرحته المدرسة الفلسفية الارسطية العراقية والاسلامية الحديثة ، ( كتب الدكتور الوردي مهزلة العقل البشري في 1957م وطرح الصدر فلسفتنا في 1959 م ) ، فلاي سبب عزف الدكتور الوردي عن طرح منطقه الهيجلي الذي يؤمن به ،  والدفاع عنه اولا ، وثانيا لماذا لم يشرح لنا الدكتور الوردي هذا المنطق بمؤلف مستقل واكتفى بسطرين يتيمين عن المنطق الهيجلي هنا وهناك لاغير ؟!!.
خامسا : يطرح الدكتورعلي نقده للعقلية الفلسفية انها عقلية تؤمن بوجود يقينيات مطلقة اولا وانها تؤمن بمبدأ العلية والسببية الخارجية ثانيا ، وانها ماهوية وتعتقد بان ماهيات الماديات ثابتة بينما ظواهرها متغيرة ومتطورة لاغير !.
والحقيقة ان قضية اليقينيات العقلية او العلمية او الدينية او ... لا تؤمن بها فقط المدرسة الفلسفية الارسطية ومنطقها الاستنباطي فحسب بل ان هيجل نفسه ومن ثم المادية الماركسية كذالك تطرح اليقينيات المطلقة على افكارها المنطقية والتحليلية والاجتماعية وغير ذالك ، ففكرة (الصراع والتناقضات المادية ، والاجتماعية ) طرحت كفكرة يقينية مطلقة وعلمية ولاتشوبها شائبة شك او نسبية في المدارس الهيجلية والماركسية معا ؟!!.
هو هو الدكتور علي الوردي عندما يتحدث عن المنطق الهيجلي ( الصراع والتناقض = ديالكتيك ) الم يعتبره المنطق العلمي الحديث ، الذي يصلح لكل زمان ومكان ، ومن ثم يدافع بكل قوة  لانتهاج هذا المنطق ، واعتباره نهاية التاريخ والانسان ؟!.
هكذا يقال بكل الفكر الذي طرح باسم العلمية والتطور من الصراع الطبقي الى الحتمية التاريخية الى ... غير ذالك من افكار وتصورات هي اساسها فلسفي عقلي ولا تخضع الى اي عملية تجريبية مختبرية كالمنطق الهيجلي وغيره !.
فعلام هذا التعيير للمنطق الارسطي الفلسفي باليقينة، وبغض النظرعن مناقشة ادلة هذه اليقينية العقلية الآن وان هذه اليقينية هي احد مرتكزات العقل البشري السوي في العقليات العلمية كلها  !.
اما مبدأ السببية فهو مبدأ من الفطرية والعقلية بحيث انه لاينكره (حسب ما طرحه الصدر في فلسفتنا) حتى الحيوانات الغير عاقلة ،واذا كانت لدينا فكرة او منطق هيجلي يحاول الاطاحة بهذا المبدأ فليقدم حججه العلمية التجريبية والعقلية الفلسفية لنقض هذا المبدأ الذي يقوم عليه كل العلم البشري المعاصر !!.
وغريب ان يطرح منطقٌ يسمي نفسه علميا تجريبيا(المنطق الهيجلي) منهجا واسلوبا في التفكير يحاول اول ما يحاول ان يهدم قانون العلية من الكون والعالم والحياة و ....  لا لشيئ الا فرارامن فكرة اوقانون (ان العالم يجب ان يكون له موجدا وخالقا هو ليس من سنخ وصنف هذا العالم المادي ) !!.
وحتى ان كان هذا المنطق ( منطق هيجل ) يهتم بالماديات اكثرمن اهتمامه بالنظريات والصوريات  فهذا لايكفي مبررا ان نتناقض مع بديهياتنا العقلية لنوفر على انفسنا الالتفات للعلم التجريبي ومناهجه ، فكل الفلاسفة العقليون  يؤمنون بالتفكير العلمي والتجريبي ، بل الفلاسفة الارسطيون هم من بنى التفكيرالتجريبي اليوناني  والاسلامي ولم يطرح في يوم من الايام الفكر الفلسفي الارسطي ضرورة مناهضة  التفكير العلمي التجريبي ، حتى تضطرنا الحاجة  للبحث عن منطق اخر يوفر لنا التفكير العلمي المفقود  !.
يبقى فيما طرحه الوردي من مبادئ للمنطق الارسطي محور ((الماهية وثباتها)) وهذا موضوع انصح قرائنا بمراجعة ما طرحه الفيلسوف الايراني مطهري في ((اسس الفلسفة والمذهب الواقعي )) حول الماهية والمادة ، فان فيه توسعة وشرح مفصل لكل مفردات الموضوع (هيجليا وماديا ماركسيا وارسطيا عقليا اسلاميا) لكن ما اشار له الوردي اشارة عابرة هو (( ان كل شيئ متطور في هذه الحياة )) حسب ما طرحه هيجل في  منطقه (( الصراع  والتناقض )) في كل شيئ !.
وهو طرح مفاده هيجليا : ان عملية التطوروالحركة بما انها حركة (( تناقضية ))  تستمد تفاعلاتها من الداخل المادي للاشياء فعلى هذا الاساس فان ماهية الشيئ وهويته المعنوية ايضا تتاثربمتغيرمادياتهاالخارجية وهنا لاحساب للماهية ثابت مختلف عن حساب المادية الظاهرية للعالم وللانسان في تغيراتها !.
بمعنى مادي ماركسي حديث في نظرية المعرفة: ان هناك (جدلية بين الواقع المادي وفكر الانسان ووعيه) ومتى تغير الواقع المادي تفاعل الذهن الانساني في افكاره ومنطقه و ثوابته و.. كانعكاس جدلي بين المادي ومفاهيم الانسان نحو الحياة ، وما الماهية وثباتها الا فكرة ذهنية تتغير بتغير الواقع الخارجي لاغير !!.
اختلف الفلاسفة الارسطيون قدمائهم ومحدثوهم بهذه النقطة وميزو بين ماهية تعتبر ( العنوان الاصيل )  للشيئ وبين (مادية ظاهرية ) بطبيعتها قابلة للتطور والتغيير ، فالماء / مثلا / ماهيته وهويته التي يتركب منها ماديا هي انه مكون من عنصرين اساسيين هما الاوكسجين والهيدروجين ،وهذه الماهوية هي ثابته ولايمكن ايجاد مادة الماء بدون هذين العنصرين  اما الماء نفسه فهو مادة قابلة للتغير خارجيا من سائلة الى جامدة والى متبخرة وهذا احد المعاني التقريبية بين قصدية ثبات الماهية في الفكر الفلسفي وتغير المادية !!.
ثم ميزالفلاسفة الارسطيون كخطوة اخرى على طريق المفاهيم الانسانية المنطقية بين ثلاث مستويات للافكار مستوى ماهوي ومستوى مادي ومستوى اعتباري ، وسلطوا الضوء ((كمثال)) على ان للمجتمع ثلاث مستويات من المفاهيم الفكرية المستوى الثابت لمفهوم المجتمع (المجتمع هو المجتمع الانساني بهويته لايتغير عنوانه) والمستوى المادي المتغيروالمتطور ( مجتمع مدني مجتمع قبلي مجتمع اقتصادي صناعي مجتمع زراعي مجتمع بدائي مجتمع تكنلوجي و.... حسب تطورات المجتمع وتقلباته الخارجية ) والمستوى الاعتباري ( الملكية ، نظام السلطة والحكم  نظام العرف الاجتماعي هذا حسن اجتماعيا هذا قبيح ، المعايير الاخلاقية و... ) واعتبر الفلاسفة ان الاعتباريات مفاهيم اجتماعية يخلقها ويصنعها كل مجتمع حسب متطلباته  وليس لها اي حقائق مادية او ماهوية وهي تختلف من مجتمع الى اخر !.
هذا ما طرحته المدرسة الفلسفية بالعموم ولكل محور ادلته وبراهينه العقلية والعلمية في هذا الاطار .
سادسا : يبدو لي ان الدكتور  الوردي عندما حاول نقد الفلسفة الارسطية الاسلامية في معظم مؤلفاته ، وبغض النظر عن انه نقد وتناول لايرتقي لمستوى المنهجية العلمية ، الا انه ( هكذا استشف من طرح الوردي شخصيا ) كان يعتقد ان الفلسفة مشروع تاريخي لاغير  وانه توقف ومات عند التاريخ ، ولهذا ينبغي التخلص من تراثه وارثه الفكري بلا رجعة !!.
اسباب قناعاتي هذه مبررة ، ومن اهم دوافعها ان الوردي لم يتناول اي طرح فلسفي ارسطي حديث ليبحثه او ليناقشه من منطلق مناقشة ، وبحث المدرسة الارسطية الاسلامية بكل تطوراتها الفكرية حتى العصر الحديث ، ولهذا هو يذكر ابن طفيل وبعض من ارائه ويذكر ابن رشد و ........ هكذا مجموعة تاريخية من فلاسفة الحضارة العربية والاسلامية ويتناول ليس طبعا براهينهم ،  او ادلتهم الفلسفية وانما ارائهم الفكرية في هذا الموضوع الفكري او ذاك ثم يبني نقده للفلسفة على هذا الاساس والمنهج !!.
لم يناقش الوردي ( مثلا ) زكي نجيب محمود ولا مرتضى مطهري ولا محمد حسين الطباطبائي ولا محمد باقر الصدر و ...الخ ،من المعاصرين للدكتور الوردي والمنتمين بنفس الوقت للمدرسة الفلسفية الارسطية الاسلامية ، ولم يتناول حتى المنطق الارسطي من خلال ما كتبه المناطقة في العالمين العربي والاسلامي لاسيما ماكتبه ( محمد رضا المظفر ) في العراق !!.
وهذا لعله مايدفع لقناعاتي  بان الدكتور  الوردي كان ينظر للفلسفة على اساس انها مشروع تاريخي ينبغي ان يطلق الدكتور علي الوردي على راسه رصاصة الرحمة لينتهي كل شيئ ؟!!.
لكن اعتقد لو كان الدكتور الوردي متوسعا قليلا في رؤيته لمشروع الفلسفة ومنطقها الارسطي الاسلامي  ومستوعبا لفكرة: (( ان الفلسفة مشروع انساني متطور مع الانساني ، وانه لايمكن لاي مجتمع انساني ان يقيم بناءه الحضاري والعلمي بدون مشروع فلسفة فكرية حرة تتقدم هذه النهضة )) وان الفلسفة اولها انطلق من الحضارة اليونانية ولكن اخرها مستمر مع الانسان اينما فكر لوجود حلول لمشاكله الانسانية ، اعتقد لو كان الوردي بهذا التفكير لما اعتقد ابدا ان الفلسفة ومنطقها الارسطي مجرد خزعبلات طوبائية لااكثر ولا اقل !.
ولربما لو كان الدكتور الوردي مطلعا وباحثا بعمق في مبادئ واساسيات الفلسفة الارسطية ومنطقها الارسطي ومطلعا بالخصوص على ما كتبه وبحثه الفلاسفة الارسطيين في العصر الحديث ، لتغيرت وجهته الفكرية تماما ولكتب في نقد الفلسفة الشيئ العميق والمثمر للفكر العراقي الحديث بدلا من ان يتناول الفلسفة بعموميات الافكار الثقافية !.           

1: راجع بهذا الصدد : منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته  / الفصل الاول / خصائص المنطق القديم / امثلة واقعية / الصفحات 29 ، 35 وما بعدها / ط الثانية / دار كوفان / 1994م  

2: / انظر منطق ابن خلدون / دار كوفان 94 / الفصل الاول / خصائص المنطق القديم / ص  28 .

3 : نفس المصدر / ص 28 .

4 : نفس المصدر / ص 29 .

5 : نفس المصدر السابق / ص 29 .

6 : نفس المصدر ص 40 .

7 : نفس المصدر / راجع الشرح من صفحة 40 الى ص 45 .

8 : منطق ابن خلدون / ص 40 .

9 : يراجع بصدد اختلافات الرؤية المادية الماركسية مع الرؤية الفلسفية العقلية الارسطية : فلسفتنا / محمد باقر الصدر / المفهوم الفلسفي للعالم / من ص 177 الى 194 / دار التعارف / بيروت لبنان / ط الرابعة عشر : حيث ذكر الصدر مظافا لما تناوله في نظرية المعرفة في القسم الاول من الكتاب ، تناول الرؤية الفلسفية الارسطية في هذا الاطار واختلاف هذه الرؤية بمفاصلها الرئيسية عن الرؤية المادية التي تضع الحس والتجربة كطريق وحيد للمعرفة الانسانية .

alshakerr@yahoo,com 

مدونتي ( حراء ) تتشرف بزيارتكم للمزيد

http://7araa.blogspot.com/

 

 
إرسال تعليق