السبت، أبريل 03، 2010

(( ازدواجية شخصية الحضارة في الفرد العراقي !)) حميد الشاكر


كلما قرأت لمن يكتبون حول شخصية الفرد العراقي ويحاولون تفكيك مركباتهاويربطون بعض مواصفاتها الاخلاقية او النفسية او الروحية او الفكرية .....، بظواهر الاجتماع العراقي القائمة اليوم باعتبارها الانعكاس المباشر عن هذه المواصفات، كلما تساءلت : هل يمكن الكتابة عن شخصية الفرد ، والجماعة في العراق بالاستناد فقط لمراقبة اللحظة الظاهرة الممارسة للفرد والجماعة العراقية اليوم او بالامس ،ونقدها ووضع المصطلحات الحديثة لتشخيص وجودها ؟.


أم ان لهذه الشخصية المركبة ، خلفيات تاريخية ونفسية وفكرية وحضارية ، يجب الرجوع اليها ، واخذ انعكاساتها وقراءتها ودراستها بعناية للوصول الى سرّ ، او اسرار تركيبة شخصية هذا الانسان العراقي الغريب ، وما يرشح عنها من ظواهر وسلوكيات ونمطيات قبل ملاحظة فقط هذه الظواهر لاغير وهي منفصلة عن جذورها الواقعية؟.



بمعنى اخر ونحن نحاول فهم شخصية الفرد العراقي اوالادق التعرّف على مفاتيح وملفات مؤسساتهاالبشريةالفردية والاجتماعية : هل يكفي بالفعل ، عند الحديث عن شخصية بعمق شخصية الفرد العراقي ، ان ندرس فقط ظواهره الاجتماعية والفردية ، وهي مبتورة الاتصال بمنابع مياهها الاروائية وبغض النظر عن البحث عن المنابت الطبيعية لهذه الظواهروارضياتها التي انتجت هذا المحصول القيمي والسلوكي والاخلاقي والفكري للاجتماع في العراق ؟.



أم يكون المفروض ، والواجب على كل باحث في هذا السبيل ، على الاقل ان يبحث اولا عن الخيوط لهذه الظواهر المجتمعية والفردية لهذا الانسان ويرتدّ الى بداياتها ليفهم مكنونات هذه الشخصية ، ويقع على المفقود من حلقاتها لتتم امامه الصورة ويكتمل لديه كل المشهد العراقي القائم اليوم ، ومن ثم ليكون تعّرفه وصداقته لشخصية الانسان العراقي قائمة على الوعي والادراك لكل هذه الشخصية العميقة ؟.



طبعا هناك من درس هذه الشخصية بنوع فيه الكثير من البدائية ، كما ان هناك من تناول شخصية الفرد والجماعة العراقية ، ليقتنص كل شاردة وواردة من ظواهر هذا المجتمع ، ومن ثم ليسقط عليها بعض الدراسات والتصورات التي ربما لم تكن لها اي صله واقعية بمجتمعناالعراقي بصورة خاصة وبمجتمعاتنا العربية والاسلامية بصورة عامة لنجد انفسنا ، امام منظومة من المصطلحات والافكار والرؤى ......الاجتماعية التي تقيّم ظواهرمجتمعنا وسلوكيات وشخصيات افراده بطريقة بعيدة تماما عن فهم هذه الشخصية اولا وثانيا بعيدة عن تشخيص الظواهر وطرح بعض المعالجات الواقعية لسلبياتها او ايجابياتها على جميع صعد السلوكيات الاجتماعية والفردية ، ولهذا وجدتنا وعندما طرحت موضوعات اجتماعية عراقية من قبيل (( ازدواجية شخصية الفرد العراقي )) لم نحصل ، حتى هذه اللحظة على دراسة واعية تشرح لنا بموضوعية :

اولا :ماهية مصطلح هذه الازدواجية ؟.

ثانيا : لماذية وكيفية نشأتها ؟.

ثالثا : اينية مكامن وجذور تبلورها ؟.

رابعا : كيفية التعامل معها إن لم يكن وسيلة للوصول الى معالجاتها ؟.

خامسا : كيفية الرؤية العلمية ، وليس الاخلاقية لمفرداتها لاغير !!.



بل كل ماحصلنا عليه ، هو طرح آخر مايقال عنه انه طرح علمي لدراسة شخصية الفرد والجماعة في العراق من منطلق ان الطرح الاجتماعي لشخصية الفرد والجماعة العراقية ربما كان يتعمد عن وعي اوعن غيروعي وبصفاء سريرة طرح معظم مصطلحاته ،وافكاره وتصوراته الاجتماعية ... بلغة قريبة من الاخلاقية والسياسية منها للعلمية والمهنية ، وهذا حسب مانعتقده هو ما استفزّ الشخصية العراقية ، وجعلها ترتكن وظهرها الى الجدار بعدم الرغبة لسماع او قراءة اي شئ يتصل بمفردات علم الاجتماع وتحليل ظواهر المجتمع العراقي القائم باعتبار ان ما يطرح باسم علم الاجتماع في العراق ، وكما فهمه الفرد العراقي الفطري الاستقبال للافكار ،هو لغة اما قريبة للمنشورات السياسية التي تريد تحريك مشاعر ودواخل المجتمع سياسيا لاغير ، واما انها افكار تظهر بجلاء انفعالها الاخلاقي ضد سلوك المجتمع القائم ، مما دفع تصورات للمتلقي العراقي ان مايطرح باسم علم الاجتماع العراقي ، ماهو الا نقد اخلاقي غاياته ودوافعه ومنتهياته ...الخ ماهي الا كيفية ابراز عيوب المجتمع الاخلاقية ونقدها ولذعها باقسى المصطلحات فحسب تحت مسمى تحليل الظواهر الاجتماعية ونقدها !!!.



وعلى هذا الاساس انبنت هذه الحساسية المفرطة ،للجماعة والفرد العراقي قُبالة بعض مصطلحات اجتماعية معينة كمصطلح (( ازدواجية شخصية الفرد العراقي)) بعكس مالو كان الطرح الاجتماعي الفكري العراقي لشخصية الفرد والجماعة العراقية كان قائما على الموضوعيةوالعلمية بعيدا عن اجواء ومناخات ومفردات الاخلاق والسياسة لكان لدينا الان حصيلة رائعةليس فقط من البحوث والدراسات الاجتماعية العلميةالمثمرة فقط بل ولحصدنا تفاعل وانفتاح وتقبل الفرد والجماعة العراقية لهذا العلم ومصطلحاته ومعالجاته...الخ بشكل مختلف وايجابي وغير منغلق ولامعقد ولاطارد لهذه المصطلحات ومبادئ هذا العلم الاجتماعي العملاق داخل الاجتماع العراقي !!.



نعم يمكننا القول هنا : ان من البس مفردات ومصطلحات علم الاجتماع العراقي ثوب الاخلاقية وقميص السياسية قد جنى بالفعل على براءة علم الاجتماع ، ونواياه النبيلة العالية القيمة ، ليدفعه من ثم الى زاوية الدفاع عن نواياه داخل الاجتماع العراقي بينماكان المفروض على مؤسسي علم الاجتماع العراقي ان يكونوااكثرمهنيةوان لايخضعوا هذا العلم الخطير لميولهم السياسيةاو عقدهم الاخلاقية او حتى تطلعاتهم الاصلاحية النبيلة للمجتمع والفرد العراقي بل فعلا كان يكفي ان نؤسس لعلم اجتماع عراقي ،مهني وعميق ودقيق ، يدرس ويبحث في ظواهر المجتمع بعيدا عن كل دوافع غير دوافع البحث والدراسة العلمية على التحديد ،ولاسيما الالتفات الى صياغة مصطلحات هذا العلم وطرحها بشكل ليس فيه النكهة الاخلاقية ، كي لاينقلب بحثنا الاجتماعي الى بحث في اخلاق المجتمع ، ولاسياسيا على الاطلاق حتى لاتفهم بحوث علم الاجتماع على اساس انها لافتات تقف ورائها دوافع مسيسة تحاول اثارة الراي العام من هنا او هناك !!.



بعد ذالك يمكننا ان نطرح مصطلحات علم الاجتماع الحادة الايقاعات اللفظية على اذن المجتمع ، والفرد في العراق من قبيل (( الازدواجية او الصراع في شخصية الفرد والجماعة العراقية )) ونحن موقنين بمقدرتنا على شرح هذه المصطلحات الاجتماعية وارجاعهاالى جذورها العلمية التي تدفع بذهن الفرد والمجتمع العراقي ليس فقط بتقبل هذه المصطلحات الاجتماعية فحسب بل وادراك خلفياتها الطبيعية والعلمية والحضارية....، بعيدا عن حساسيات ابعادها الاخلاقية والسياسية وماتثيره هذه الزوايا من اشكاليات نفسية ، واخرى فكرية داخل اي فرد او اي جماعة في هذا العالم مما يؤثر على مشروع وشرعية علم الاجتماع برمته !!.



ولنضرب لذالك مثلا المصطلح الاجتماعي العراقي الشهير (( ازدواجية شخصية الفرد العراقي )) ،ولنسأل : ماهي جذور هذه الظاهرة الفردية العراقية التي تتبلور وتتطور تلقائيا لتشكل ظاهرة مجتمع ؟.



هل هي جذور قدرية خلقية ؟.

أم انها جذور سياسية ؟.

أو انها منتج جذور طبيعية حضارية ؟.



اذا اجبنا بان هناك جذور قدرية لظاهرة ((أزدواجية شخصية الفرد العراقي )) فاننا حتما دخلنا في الدائرة الاخلاقية لسلوكيات المجتمع ، وعندئذ ابتعدنا تلقائيا في بحثنا عن العلمية في بحوث علم الاجتماع ، ودفعنا للمجتمع تصورا ان في سلوكه ، او اخلاقه بصيغة اخرى ، خللا قدريا لايمكن اصلاحه ، وهذا بطبيعة الحال مرفوض نفسيا وروحيا وفكريا من قبل اي مجتمع او فرد داخل جماعة ان يقرأ او يسمع مثل هذا التحليل ،للظواهر الاجتماعية وباسم علم الاجتماع ، ليُقال له :ان هناك نفاقا مستوطنا داخل اخلاقياتك الاجتماعية او الفردية لايمكن التغلب عليها مطلقا !!.



أما اذا اجبنا بأن هناك جذورا سياسية فحسب لظاهرة (( ازدواجية شخصية الفرد العراقي )) فاننا ولاريب قد دخلنا ايضا داخل الدائرة السياسية ،التي تأخذنا الى مناحي ، وبحوث ليس لها علاقة بدراسة الظواهر الاجتماعية بعلمية وموضوعية وليتحول من ثم علم الاجتماع كله فيما بعد الى منشورات حزبية يسارية او يمينية غايتها ليس الادراك والفهم والعلم والوعي بظواهر السلوك الاجتماعية وارجاعها الى مصادرها الحقيقية ، بقدر مايتحول علم الاجتماع نفسه الى مصارع سياسي يحاول التوجيه الحزبي والايدلوجي للمجتمع لاغير ،وفرق سمائي وارضي بين ان تكون غاية علم الاجتماع هي الادراك والثقافة والفهم وبين ان تكون غايته الكسب الحزبي ، والعمل السياسي والدعايات الانتخابية ...،ومايتبع ذالك من سلبيات في رؤية المجتمع لاهداف وغايات ومبررات ، هذا العلم بجميع مصطلحاته المستخدمة !!.



صحيح اما اذا كان جوابنا علميا ، بحيث يكون طرحنا خاليا من اي دوافع ، او خلفيات فيها كثير او قليل من الشك تحت طيّات المصطلحات ، واجبنا : بان الجذور الواقعية لظاهرة (( ازدواجية شخصية الفرد العراقي )) هي ليست اخلاقية ، ولاهي سياسية ، ولاحتى اقتصادية ....او غير ذالك ، وانما هي جذور حضارية ، تعود بينابيعها العلمية الى عيون تركيبةالاجتماع التاريخيةالتي انبنت على واقعية تداول الحضارات وصراعها على ارض الانسان العراقي وان تركيبة هذا الفرد العراقي قد اكتسب معالم شخصيتها الانسانية ، ومن ثم الاجتماعية من تلك الحقب المتطاولة الفعل والحركة والاصطكاك والتزاحم الحضاري ، مما انتج ومع تطاول الزمن ، خلق روح ظاهرة (( الازدواج في الشخصية العراقية )) ليس على اساس انها منتج اخلاقي سلبي ، بقدر ماهي على اساس انها منتج طبيعي لتزاحم حضاري طويل الامد تصارع حضاريا على ارض هذا الانسان العراقي وفي داخله !!.



بمعنى اكثر وضوحا : يمكننا القول ان داخل الفرد العراقي وشخصيته الانسانية فرن صهر اكثر من سبع حضارات انبنت على ارض هذا الانسان العراقي القديم الجديد ، وهذه الحضارات السبع ( بعضهم يقسمها الى عشر) بطبيعة الحال لم تتعاقب على هذا الانسان تاريخيا ونفسيا وسياسيا وفكريا واجتماعيا ودينيا ولغويا واقتصاديا ...... بوتيرة واحدة ناعمة وهادئة وسلسة (ساتناول الفرق بين الحضارة المصرية ووتيرتها الحضارية المستمرة واختلافها عن الحضارة العراقية ، ووتيرتها المضطربة او المزدوجة في الانتقال من حضارة الى اخرى وتاثير ذالك على شخصية الانسان العراقي ) ، وبدون اي حالات اضطراب وصراع وازدواجية بل انها حضارات كانت تخلق من رحم المعاناة والحرب والتدافع العنيف والحاد جدا منذ الحضارة السومرية الاولى ،وحتى يوم الناس هذا الذي يعيش فيه الانسان العراقي حالة ولادة جديدة بعد ضياع دام لاكثر من قرن فارغ من التفكير بانشاء حضارة ، وكل هذا حتما سينعكس على شخصية الانسان او الفرد العراقي ،ولتكتسب هذه الشخصية من ملامح الحضارات التي تعاقبت عليها ، وبكل تناقضات تلك الحضارات ، وتناشزاتها وازدواجياتها ملامح ومعالم شخصيتها ايضا والتي وعلى مرّ العصور تكونت ايضا بُئر داخل الاجتماع العراقي ومكونات ودوائر اجتماعية صغيرة تعيش مع الفرد حالات (( تناشز اجتماعي )) قريبة الشبه او مكملة المعنى لمصطلح (( ازدواجية شخصية الفرد في العراق )) وهذا اذا لم نقل ان احد ممونات بلورت الازدواجية في شخصية الفرد العراقي هو تناشزات الدوائر او المكونات التي تعيش داخل الاجتماع العراقي باعتبارها مخلفات لما تركته او ورثتّه الحضارات التي تصارعت على الارض العراقية لتذهب اخيرا ويبقى الانسان العراقي شاهدا حيا عن هوياتها الحضارية التاريخية المتصارعة الراحلة !!.



إي : إن سرّ وعظمة وعمق هذا الانسان العراقي في انه (( مزدوج الشخصية ))وهو لايمكن الا ان يكون انعكاسا لهويته الحضارية بكل تناشزاتها الطبيعية ، وتناقضاتها التاريخية ،وازدواجياتها التربوية ، والا لم يكن ابنا او وليدا شرعيا لهذه الحضارات ، ومنبتا حميدا من داخل هذه الارض وكل انسان ربما يعيش في الاطار الاجتماعي الداخلي للمجتمع العراقي ولايحمل في سلوكه ازدواجية تعكس على الاقل صور سبع حضارات عراقية ، فهذا الانسان اصلا يكون مشكوكا في عراقيته ، فالعراقي هو الذي يمارس السلوكية كظاهرة فردية في اعلاها طيبة ونقاء مدن سومر وهدوئها وابداعها وابتكارها وفي الراس منها وحشية وعنف وصلافة وغدر مملكة الاكد السرجونية ، وفي الصدر منها شموخ وعزة وجمال بابل وجنائنها المعلقة........ الى الوصول الى نهاية جسد الانسان العراقي وهو يحمل الحضارة الاسلامية بكل مابها من سمو اخلاقي وصرامة شرعية وتصوف علوي وشجاعة وتضحية حسينية ،وبكاء وفرح واحزان وابتهاج ...، وما الى هنالك ،من بصمات تركتها الحضارة الاسلامية الاخيرة على شخصية الانسان العراقي من جهة ، وساهمت في تعميق ازدواجية شخصيته الفردية من جانب اخر !!.

______________________________



alshakerr@yahoo.com
إرسال تعليق