السبت، أكتوبر 16، 2010

(( فلسفة الاعلام الغربية المردوخية في صناعة الحقيقة !)) حميد الشاكر

هل وظيفة الاعلام نقل الحقيقة أم صناعتها ؟.




هناك مدرستان للجواب على هذا السؤال :

الاولى: المدرسة الاعلامية التي تؤمن بأن دور الاعلام ((ينبغي)) ان يكون مرآة لنقل الحقيقة لاغيروترك الاجتماع الانساني فيما بعديأخذعلى عاتقه ومن ثم على ضميره التعامل مع هذه الاحداث والحقائق كيفماتمليه عليه حريته وارادته ومصالحه واخلاقياته السياسية والاجتماعية والعقدية وغير ذالك !!.

الثانية : وهي المدرسة التي ترى في الاعلام انه صناعة وانتاج ورأس مال وسيطرة وتوجيه.....،للمجتمع الانساني وعليه أكثر منهامؤسسة خيرية تقدم الخدمات مجانا في سبيل تنويرالراي العام الانساني والاخذ بيده الى اكتشاف الرؤية الواضحة ليقرر هو بنفسه واختياره فيما بعد نوعية الخطوة الصحيحة القادمة في مشروع حياته كلها وكيفية اصلاحها او الانتقام منها !!.



وطبعا الاختلاف واضح بين توّجه كلا المدرستين ومنصات وقواعد فلسفتهما ، ورؤيتهما للحياة وللانسان والعالم فبينما تكون المدرسة الاولى في الاعلام غيرمسيسة للحقائق ونقلهامضافا لكونهاتعتقد ان للاعلام وظيفة اخلاقية قبل كونها نفعية... ، ترتكز الاخرى وبعنف على ان الاعلام ومايحيط به ماهو الا وسيلة هيمنة وسلطة وسيطرة وتوجيه للانسان والحياة والعالم !!.



او بتعبير آخر يمكن تصنيف كلا مدرستي الاعلام المذكورتين آنفا بأن للاولى صفةالمدرسة التي يحكمها الايمان بالاخلاق والقيم وثبوت الحقائق في هذه الحياة ومن ثم مسؤولية هذه الحياة بكل وجودها الانساني أمام الجهة الاعلى من ضمير الانسان وخالقه سبحانه وتعالى !.

بينما يمكن تصنيف المدرسة الاعلامية الاخرى وبكل نهجها وما تتبعه من سبل وآليات في عملها الاعلامي انها مدرسة اللايمان والمادية والالحاد والنفعية والكفر بمعنى ثوابت القيم الاخلاقية والبشرية ، واعتبار ان كل حديث حول نقل الحقيقة للاعلام ماهو الاسفاهة وبلاهة وتخلف واخلاقية في زمن او واقع لايقبل من الاخلاقية الانفعيتها السياسية والاقتصادية لاغير !!.



وممكن بهذا الصدد ان نشبه الاعلام النفعي المادي الثاني ، في مُقابل الاعلام الاخلاقي الصادق تاريخيا وتشبيه صراعهما القائم في الحياة اليوم وبالامس بصراع الانبياء والمصلحين والابطال ومحبي البشرية وسعادتها باعتبار انهم اصحاب الاعلام من اجل نقل الحقيقة للانسان في مقابل الفراعنة والطغاة والمستبدين المتشيطنين...الخ وارادة استعبادواستغلال الجنس البشري وتغييب ذاكرتهم وموت ضميرهم الاخلاقي ،باعتبار ان هؤلاء هم من يرى في الاعلام انه صناعة وتجارة ووسائل للقمع والارهاب وقلب الحقائق او صناعتها للحياة !!.



والحقيقة إن مقوله (( نقل الحقيقة أو صناعتها)) في العالم الاعلامي الحديث ربما تختصر كل المعالم والملامح للاختلاف في كلا المدرستين على المستوى الفكري والتاريخي وحتى العملي ، فمجرد بحثنا لمفهوم (( النقل أو الصناعة )) للحقيقة يدفعنا رغما عنا للسؤال حول :

ما هو الفرق بين الفلسفة الاعلامية الفكريةالتي تنظر(للحقيقة)على اساس انها كيان ثابت وقائم داخل الحياة والانسان وماعلينا الا البحث عنها ونقلها له ، كما هي موجودة بالتمام ، سواء كانت هذه الحقيقة فكرية عقدية ،اواخلاقية او سياسية او اجتماعية او نفسية ؟.

والاعلام الذي يرى في فلسفته الفكرية والتاريخيةوالعلمية...الخ انه ليس هناك اصلاحقيقة ثابتة في حياة هذا الانسان ليتم نقلها اليه لافي العقائد ولافي الاخلاق ولا في نوعية الحدث السياسي الذي يمارسه ، وانما هناك صناعة للحقائق يصنعها الانسان من خلال منفعته ومن خلال نوازعه ومن خلال مايريد الوصول اليه في هذه الحياة وحسب الوسائل المتاحة تحت يده وقدرته !!.



إن الجواب على هذا السؤال هو الذي يشرح لنا الفلسفة الحقيقية ، التي يرتكن اليها اعلامنا السياسي ، والاخلاقي والعقائدي في قرننا المعاش كما انه يطلعنا نحن المتلقين لهذا الاعلام على الاذرع الحقيقية التي تحرك الاعلام في العالم وماهية فلسفته العامة التي يرتكن عليها وتنظر للعالم والانسان بصورة شاملة ، وتنظر للحدث السياسي او نقله او صناعته بصورة خاصة ؟!.



نعم في القديم من تاريخ الانسانية كانت هناك الكثير من المدارس الفكرية والفلسفية التي تنقسم امام الحقيقة والحقائق في عالم الانسان الى رؤيتين مختلفتين او متناقضتين بصورة حادة :

الاولى :وهي المدرسة العقلية التي تقول بوجود الحقائق خارج الانسان وقدرة هذا الانسان على اكتشاف هذه الحقائق والوصول اليها ومن ثم نقلها والتعبير عنها بصورة حقيقية وواقعية !.

الثانية : وهي المدرسة التي عرفت بالتاريخ الفلسفي العالمي من اليوناني وحتى اليوم ، بمدرسة الشكّ والسفسطة ، التي تذهب الى انه اولا ليس بقدرة الانسان من الاساس معرفة الحقيقة لعدم وجود ادوات معرفية لديه تمكنه من الوصول او معرفة الحقائق الخارجية ، وثم ثانيا لاوجود لحقيقة خارجية واقعية اصلا غير مايصنعها الانسان نفسه ،لنقول ان هناك حقائق ويمكن للانسان اكتشافها والوصول اليها على هذا الاساس !!.



ومنذ ذالك الحين وهاتان المدرستان هما اللتان تسيطران على فكرة الحقيقة في الوجود الانساني في هذا العالم وكانت موضوعة (( نظرية المعرفة)) في المدارس الفلسفية القديمة وحتى الحديثة ، هي الموضوعة الذي يناقش فيها حيز الحقيقة والبحث عنها ( فلسفيا ) وامكانية الظفر بها من عدمه ، او امكانية نقلها للاخرين من استحالته ؟؟؟!.



أما اليوم وفي عالم الصحافة والاعلام فلا فرق كبير في الخلفية الفلسفية ، او الجدارية الفكرية التي تقف وراء ممونات الاعلام الحديث فكريا في وجهة نظره وفكره حول وداخل المدرسة الاعلامية اوخارجها بالنسبة لموضوعة ((نقل الحقيقة او صناعتها)) فالاعلام الغربي اليوم مثلاهو لايبعد في رؤيته الفلسفية لوظيفة الاعلام وادارته وكيفية حقيقة عمله عن تلك الفلسفة التاريخية التي انحدرت اليه من الحقبة اليونانية الممون الحقيقي للفكر الغربي المعاصر ، وعلى هذا الاساس ليس من الصعب بالنسبة لنا معرفةالمرتكزات الفكرية التي يقوم عليها العمل الاعلامي الغربي ونظرته نحو الحقيقة اوصناعتها بصورة عامة كما اننا لانفاجأ اذا ما اكتشفنا ان العقل الغربي بصورة شاملة لماذا هو اصلا ماديا لايؤمن بوجود حقيقة ثابتة في هذا العالم وراسماليا نفعيا في اليات تفكيره ونمطيات رؤيته للاشياء، اذا ما عرفنا رؤيته الفلسفية نحووجود الحقيقة في هذا العالم من عدمها بالاساس ولذالك الكثيرمن اساطين الاعلام (( مع الاسف )) ينظرون الى هذه المؤسسة التي تسمى بالاعلام ووظائفها الحقيقية على انها صناعة اولا وراسمال ثانيا ، ومنفعة ثالثا ، وسلطة هيمنة رابعة رابعا !!.



وبهذا المعنى انتقل الاعلام في الغرب من وظائفه الاخلاقية والمعنوية التي كان من المفروض عليها ان تكون فقط مجرد وسيلة لنقل الحقائق للبشرية الى ان تكون من وسائل السيطرة، والهيمنة والتوجيه والراسمال وصناعة الاكاذيب وتقديمها على اساس انها هي الحقائق الثابتة في العالم الانساني قاطبة !!.



أما اذا ما اردنا الحديث اليوم حول الاعلام وما ينبغي له من فلسفة واقعية باعتباره نزاهة وشفافية ونقل للحقائق وعملية تنوير جماهيرية ....الخ فاننا سنجد انفسنا (( بكل ألم )) في عالم غارق في الخيالية ومتطلع للاخلاقية ومدينتها المفقودة تحت ركام رماد مصانع الاعلام الغربي المادي المهيمن على العالم والمرّوج في جامعاته العلمية لفكرة ان يكون الاعلام ماديا غير مسؤولا امام اي جهة رقابية عليا من ضمير خلقي او وازع ديني وغير مؤمن باي حقيقة غير الذي يصنعها من الاكاذيب لمصالح النفوذ والسلطة والراسمال والطاغوت والقوّة !!.

________________________________



alshakerr@yahoo.com

إرسال تعليق