الأربعاء، يناير 16، 2013

كذبة علم الاجتماع العراقي ومؤسسه علي الوردي / القسم السابع عشر / مثلث : الدين ، الفلسفة ، العلم

كذبة علم الاجتماع العراقي ومؤسسه علي الوردي / القسم السابع عشر
حميد الشاكر
(( القصور المعرفي الفلسفي لعلي الوردي / مثلث : الدين ، الفلسفة ، العلم ))
2
***********************************
يذهب (اوجست كونت) مؤسس علم الاجتماع الحديث في نظريته الفلسفية الوضعية الى ان الفكرالانساني هو المحرك الحقيقي لكل تقلبات وتطورات التاريخ البشري القديم والحديث ، ودراسة تاريخ هذا الفكر وتقلباته وتطوراته والعوامل التي اثرت في نموه وتكاملاته ...الخ هي الكفيلة بالمعرفة الحقيقية ورسم الصورة الواقعية التي تطورت فيها الحياة الانسانية بمجملها من عصر تفكير اللاهوت والغيب الى عصر تفكير التجريد والفلسفة الى عهد تفكير العلم والتجربة !!.
وعلى هذا الاساس بنى (كونت) رؤيته حول (( قانون الاداوار الثلاثة )) التي سار فيها العقل والفكر الانساني من :
اولا : الدور اللاهوتي الديني الغيبي .
ثانيا : الدور الميتافيزيقي التجريدي / الفلسفي .
ثالثا : الدور الوضعي والعلمي / التجريبي .
ويعرّف بطبيعة الحال ( كونت ) هذه الادوار التاريخية وماهية عمل العقل والفكر الانساني فيها على اساس :
اولا : الدور اللاهوتي حيث ساد نمط التفكير الديني الغيبي الذي يفسر جميع الظواهر الكونية والانسانية والطبيعية والحيوانية والنباتية ..... الخ من منطلقات ومبادئ وقواعد ( حسب رؤية كونت ) اللاهوت والارواح والشياطين والجن وعالم ماوراء الطبيعيات .. وبهذا فعندما كانت الانسانية تحاول معرفة اي ظاهرة من ظواهرالكون والحياة او معرفة ظاهرة نمو النبات مثلا ، فانها كانت ترجع هذه الظواهر النباتية الى روح الله او الى روح الالهة او الى النجوم .... التي تمكن النبات من النمو !.
ثانيا : وهكذا في الدوروالمرحلة التاريخية والزمنية الميتافيزيقية التجريدية التي عاش فيها الانسان مع حياته العقلية الجديدة حيث ساد النمط الفكري والعقلي التجريدي على تفسير جميع هذه الظواهر الكونية والانسانية الاجتماعية وغيرالانسانية بنمط مختلف قليلا عن نمط التفكير اللاهوتي وهو نمط التفكير الميتافيزيقي العقلي التجريدي بدلا من ذالك ، ليذهب في تفسير هذه الظواهر على اساس (معاني تجريدية ) وخيالية او علل اولية ( فوق طبيعية ) لايمكن اثبات براهينها وادلتها واقعيا !.
ثالثا : وهو الدور ، الذي جاء بعد دوري اللاهوت ، والميتافيزيقا ليستمر حتى عصرنا الحاضر ، وهو (( دور التفكير العلمي والوضعي )) الذي غير من نمط واساليب التفكير الانسانية ليقلبها راسا على عقب من منطقها التجريدي القياسي الاستنباطي الفلسفي المشغول بالكليات التجريدية ، التي لاتخضع بطبيعتها لاي مقياس تجريبي ، او ملاحظاتي الى منطق استقرائي يعتمد التجربة والحس والملاحظة كاحد دعائم التفكير الانساني السليم ، والقابل للتجريب والمؤدي الى حقائق علمية لالبس في فهم علل ظواهر الكون والحياة والانسان والعالم فيها !!.
فظاهرة طبيعية ، كظاهرة النمو النباتي اليوم تدرس حسب انماط واساليب التفكير العلمية من منطلق عللها المادية والطبيعية الواقعية وقوانينها النباتية لندرك ان سبب نمو النبات وقوانينه الطبيعية ترجع الى عوامل التربة الطبيعية والكيميائية المؤلفة لها ولا دخل لعلل كلية او ارواح غيبية في عمل هذا النمو !!.
وبهذا بين او رتب (كونت) التاريخ الانساني الطويل نسبيا من خلال انماط واساليب الفكر الانساني ، وليجعل من ثم هذا الفكر وعمله على انه القانون الاعمق لمعرفة تقلبات وتطورات الحياة الانسانية العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغير ذالك !!.
طبعا الى هنا لاينتهي موضوع مثلث (( الدين ، الفلسفة ، العلم )) باعتبار ان رؤية (الادوار الثلاثة) قد حسمت العلاقة نهائيا بين زوايا هذا المثلث الانساني الغريب والعجيب في انماط التفكير البشرية ، بل بقيت هناك الاسألة الكبيرة التي تتولد من هذه الرؤية الفلسفية الوضعية لتاريخ العقل والفكر البشري ، والتي هي بالفعل موجودة فكريا واوربيا حتى قبل ان يطرح (( كونت )) فلسفته الوضعية في تاريخ اوربا الحديث ومن اهمها :
اولا : هل تعني رؤية قوانين الادوار الثلاثة التي يطرحها ((كونت)) ان هناك ضرورة ((قطيعة عقلية وفكرية )) بين كل دور وما تلاه من ادوار فكرية وعقلية مختلفة ؟.
أم ان فكرة ورؤية (( الادوار الثلاثة الكونتية )) لم تهدف الى ابراز حالة او ضرورة حالة القطيعة الفكرية والعقلية هذه بقدر ما كانت تهدف الى القول ان هناك حالة تكامل وتخصصية ينبغي ان تؤخذ بنظر الاعتبار عندما نقسم العلوم ونمط التفكير في داخلها كي لايخلط نمط التفكير العلمي مع موضوع نمط التفكير الفلسفي او اللاهوتي ؟.
بمعنى اخر هل يمكننا كباحثين ودارسين للفكرالانساني بصورة عامة ولموضوع بحثنا هنا في الفكر الاوربي الوسيط والحديث بصورة خاصة ان نستلهم من رؤية (( اوجست كونت )) في ادوارها الثلاثة تلك : ان كونت والفكر الفلسفي والعقلي والعلمي الاوربي من عصورها الوسطى حتى عصرالنهضة الى العصرالحديث الصناعي كان يرى ضرورة القطع بين نمط تفكير لاهوتي كان يصلح فقط للعصور القديمة والحجرية ، وينبغي ان يطرد ويدفن ويمحى من ذاكرة التفكير البشرية اليوم ، وكذا بالنسبة لنمطية التفكير التجريدية الميتافيزيقية الفلسفية التي نهضت على اعقاب الفكر اللاهوتي التي كانت ايضا تصلح لفترة تاريخية انسانية يونانية واسلامية فيما بعد ، ينبغي ايضا ان نمارس القطيعة ، والالغاء والدفن والتدمير لكل اساليب انماطها الفكرية والعقلية لترسوا اخيرا انماطنا الفكرية والعقلية على مرساة ونمط التفكير العلمي والتجريبي فقط لاغير ؟؟.
أم ان ((كونت)) وماقبله من فلاسفة العصور الاوربية الوسطى حتى عصر النهضة صاحب التاسيس للثورة الفرنسية الحديثة كانوا يطرحون الاشكالية بين مثلث (( الدين ، الفلسفة ، العلم ))على اساس ضرورة ((التخصص)) لكل مجال فكري او علمي في موضوعاته المحددة بحيث ان للدين موضوع الايمان والعقيدة ، وللفلسفة موضوع الوجود الكلي والذهن البشري ، وللعلم اكتشاف قوانين الكون والحياة والمجتمع والانسان .. واقامة التجربة وممارسة الملاحظة الفكرية بداخلها بعيدا عن موضوعة صناعة الحرب بين الدين والفلسفة والعلم ؟؟!.
يبدو من القراءة التاريخية المتأنية لمسار تاريخ اللاهوت والفلسفة والعلم في الفكر والعقل الانساني ان الرعيل الاول ولاسيما رعيل فلاسفة وعلماء ومفكري (القرون الاوربية الوسطى) ، باعتبارهم نواة وبذرة الفكر العلمي التجريبي الحديث (كما يعتقده بعض من نقلوا لنا التاريخ الاوربي الوسيط ) كانوا على اعتقاد راسخ ، وايمان كبير بأنه لابد من اعادة انتاج (معادلة فكرية) جديدة (تفصل) بين نمط واسلوب ومنطق تفكير لاهوتي يختص بالايمان والعقيدة ، ونمط واسلوب ومنطق تفكير فلسفي يعمل على الكليات والوجود واسلوب ومنطق تفكيرعلمي يقوم على الملاحظة والتجريب المادي ولم يكن في وارد اؤلئك الرواد من ((روجر بيكن / 1214م / 1294م )) الى ((فرنسيس بيكون / 1561م / 1626م)) ما بعد عصر النهضة وحتى (( اوجست كونت / 1798م/1857م)) من منطلق كونه وريث فكر النهضة الاوربية الحديثة ،ان تكون هناك حالة قطيعة وصدام او حرب والغاء بين هذه الادوار النمطية الفكرية والعقلية الانسانية !!.
بل ما تؤكده لنا هذه الاطلالة التاريخية على تاريخ (الدين والفلسفة والعلم) في اوربا الوسطى هو: ان هناك دعوات مبكرة في هذا العالم الى ضرورة اللجوء (للتخصص او الفصل) الفكري والعقلي في هذه المجالات وضرورة الالتفات الى ان نمط ومنطق واسلوب التفكير اللاهوتي ، لايصلح مطلقا للفلسفة ، وكذا اسلوب ومنطق تفكير الفلسفة لايصلح بتاتا للاسلوب الجديد (انذاك ) العلمي الذي ينتهج الاسلوب الاستقرائي التجريبي ،الذي يلاحظ الكون والعالم والطبيعة والانسان بمنظاره العلمي والتجريبي الخاص ، والمختلف بطبيعته عن اسلوب ومنطق تفكير الفلسفة الكلي والعقلي ، وهذا لا يعني بالضرورة ان ليس هناك تلاقي في بعض موارد انماط هذه الافكار والعلوم العقلية والعقدية تتقاطع فيها مرة مع بعضها البعض وتتلاقي فيها مرة اخرى !!.
نعم انتقد بشدة ((روجر بيكن )) المنطق الارسطي الاستنباطي القياسي وفلسفة ارسطو في زمنه بل واعلن صراحة (( انه لو أوتي السلطة الكافية لأحرق جميع كتب هذا الفيلسوف / 1)) لكنه لم يعلن ذالك لصناعة حرب بين الفلسفة والعلم ، او منطق الفلسفة ومنطق العلم في زمنه ،بل بسبب ان في هذه العصور الاوربية الوسطى بالذات وبعد ان دخلت كتب ارسطو بشروحها الاسلامية الرشدية ((نسبة الى ابن رشد )) للعالم الاوربي ، وما احدثته هذه الكتب والافكار والمنطق الارسطي والاسلامي من هزة فكرية عنيفة للعالم الاوربي وما اخذته من سطوة وهيبة في قلوب المفكرين الاوربيين آنذاك حتى ان اي مسألة عقدية او فلسفية فكرية او علمية .... كانت اذا لم توافق منطق وفلسفة ارسطوا وشروح ابن رشد فانها كانت ترفض على اساس انها خاطئة بالقطع وفي هذه الاجواء الفكرية التقديسية لارسطو ومنطقه كان يناضل ((روجربيكن)) من اجل وضع منطق واسلوب تفكير جديد للعلم ، اعتبره الكثير من فلاسفة ومفكري اوربا الوسطى المنتمين والمؤمنين بمنطق وفلسفة ارسطو على اساس انه النقيض لمنطق ارسطوا والمناهض لمساراته وقوانينه الاستنباطية المحكمة !!.
وهنا يمكننا فهم ما كان يعانيه (( بيكن )) وما يعنيه حرفياعندما يرى هذه القداسية لفكر وفلسفة ومنطق ارسطوا على عقول معظم فلاسفة وعلماء اوربا الوسطى باسرها وعدم سماحهم بوجود اي منطق ،واسلوب تفكير يخالف اسلوب ومنطق ارسطوا الفلسفي ، عندئذ لاسبيل امام (( روجر )) وغيره من العلماء الذين يدركون معنى ان ينفتح العقل والفكر الانساني على منطق واساليب تفكير جديدة لايصلح العلم التجريبي بغيرها وهو المنطق الاستقرائي !!.
ولهذا كان ( روجر بيكن ) فضلا عن انه رجل دين ملتزم ومدافع متحمس لايمانه وعقائده ، هو ايضا فيلسوفا ارسطيا بامتياز وكانت كتبه (( بل بين كل سطرين منها اسم او فكرة لارسطوا مجال بحث ومناقشة فيها / 2)) ،وهكذا فان ((بيكن )) لايخفي ما للفلسفة الارسطية ، والاسلامية بالخصوص من فضل على الفلسفة والعلم في اوربا الوسطى كلها ، وبما في ذالك المنطق الاستقرائي العلمي الذي آمن به (( بيكن )) ودعا وتحمس له واعلن ثورة من اجل تقديمه كمنهج فكر ومنطق تفكير وتقديسة ايضا ، ف( بيكن) يعترف بلا لبس : (( ان التجربة في العلوم الطبيعية هي البرهان الذي لابرهان غيره وان هذه الفكرة ليست جديدة اتى بها من عنده بل يعتقد ان ارسطوا وجالينوس وبطليموس والعلماء المسلمين .. قاموا بالتجارب العلمية وامتدحوها / 3 )) .
وهذا ان دلّ على شيئ فانما يدل ان اكبر فلاسفة العلم في العصور الاوربية الوسطى (روجر بيكن ) ، وغيره كانوا على وعي لموضوعة ((الفصل والتخصص)) بين مجالات التفكير اللاهوتية والفلسفية والعلمية ولم تكن دعوتهم في يوم من الايام قائمة لوضع العلم ومناهجه في مناهضة الفلسفة ومنطقها او الدين ومعتقداته !!.
اما ((فرنسيس بيكون)) سمي رفيقه الانجليزي (روجر بيكون) فهو الاخر ممن يعدون من دعاة واكابر فلاسفة العلم في عصر ما بعد النهضة الاوربية الذين دعوا والفوا وكتبوا ... من اجل ايجاد واتباع اسلوب ونظام ومنطق جديد للفكر الانساني يكون فيه الاستقراء العلمي التجريبي للطبيعة ذاتها وعن طريق الخبرة والتجربة فحسب !!.
ومعروف بهذا الصدد موقف (( فرنسيس بيكون )) من اللاهوت ومنطق تفكيره ، ومن الفلسفة ومنطقها الارسطي الاستنباطي ومع ان بيكون يواخذ الفلسفة الارسطية ومنطقها على اساس انها فلسفة يغلب على منطقها الانحياز للمنطق الاستنباطي ، الا انه مع ذالك يعترف (( بيكون الثاني )) :(( ان ارسطوا عرف الاستقراء ايضا / 4 )) .
نعم في موقف ((بيكون)) نحو الدين واعلانه :(( ان الدين يحد من كل الوان المعرفة /5)) فان هذا الموقف ايضا لايمكن اخذه وسلخه من سياقاته التاريخية والاجتماعية التي كان يعيش بداخلها بيكون ،والتي هي محيطات اجتماعية وفكرية كانت غارقة في الخرافيات والاساطير باسم الدين والعقيدة ، والتي كانت ترى اي نظرة علمية او اي نظرية كونية او اي تجربة طبية .... او اي عملية كيميائية تتمكن من تحويل العناصر ، او صناعة التفاعلات الطبيعية بين مواد هذه الطبيعة على اساس انها من اساليب السحر والشعبذة والدجل ... ، والى ما هنالك ومثل هذه الافكار والتصورات والعقائد المتحجرة اذا نسبت للدين فعندئذ من حق ((بيكون)) وغيره من باقي عقلاء البشرية ان يعلنوا على رؤوس الاشهاد:(( ان الدين يحد بطبيعته ومنطقه واسلوب تفكيره من كل لون من الوان العلم والمعرفة )) !!.
ومع ذالك وجدنا (( فرنسيس بيكون )) وفي اكثر من موضع من مواضع فكره الفلسفي والاجتماعي والعلمي والسياسي .... يؤكد على ان منهجه الفكري العلمي الجديد قائم على : ((ضرورة التمييز بين الحقيقة الللاهوتية والحقيقة الفلسفية فقد يمسك الدين بمعتقدات لايجد العلم والفلسفة عليهما دليلا ولكن الفلسفة يجب ان تعتمد على العقل فقط كما ان العلم ينبغي ان يلتمس تفسيرات دنيوية صرفة على اساس سبب ونتيجة ماديتين / 6 )) .
والى هذا المستوى من الفكر والفصل والتخصص في العلوم والافكار والعقائد.. في مجالاتها المتنوعة لايوجد خلاف ابدا حتى بين اللاهوتيين والفلاسفة وعلماء التجريب !!.
جاء بعد اولئك الفلاسفة والعلماء (( اوجست كونت )) ليواصل مسيرة العلم ومنطقه ومنهجه الفكري المميز ، وليعلن هو من جانبه كوريث لهذا الارث الفكري والعلمي الذي لم يزل بحاجة الى امداد ثوري ليستمر ويثمر وينتصر ... في النهاية او ليأخذ حيزه الطبيعي ضمن اساليب الفكر البشري الحديث ، ليعلن رؤيته ونظريته في (( قانون الادوار الثلاثة )) وليتزعم هو بدوره (( تأسيس علم انساني جديد اسماه علم الاجتماع الحديث / سيسولوجي )) حسب رؤيته الوضعية المادية !!.
اوجست كونت ( في الحقيقة ) كان فيلسوفا ، قبل ان يكون عالما من علماء الاجتماع التجريبي من جهة ، وكان ايضا منطقيا ارسطيا وداعيا الى تأسيس منهجية علمية ،وضعية حسية مادية من جهة اخرى مئة بالمئة تتعامل مع العلوم ومناهجها بهذه الوضعية التجريبية لاغير ، واخذ على عاتقه بهذا الصدد ((صناعة علم)) يتناول المجتمع بظواهره وقوانينه وسننه وتطوراته وحركته وركوده وسكناته .... من هذه المنطلقات العلمية الوضعية !!.
نعم واضح ان الاسلوب والمنطق الفكري الذي اعتمده كونت لصناعة ((علم الاجتماع )) كان هو المنطق الارسطي الاستنباطي الاستقرائي التام فلهذا المنطق الفضل في صناعة كل العلوم البشرية وليس اخيراعلم الاجتماع فحسب ولكنه في علم الاجتماع بدى واضحا جدا حيث اقام (( اوجست كونت )) المعادلة في فهمه للظواهر الاجتماعية التي هي موضوع العلم بهذا الشكل :
(( يشترط في الظاهرة الاجتماعية ، كي تكون مادة لدراسة المنهج الوضعي ان تكون هذه الظواهر خاضعة لقوانين ثابتة وهذا شرط متوفر في الظاهرة الاجتماعية ، /كون المجتمع جزء من الطبيعة الكلية / والطبيعة خاضعة بدورها لقوانين ثابتة يمكن الوصول اليها / ، وعلى هذا الاساس يمكن الجزم ايضا ان للمجتمع قوانين ثابتة يمكن الوصول لاكتشلفها / 7 )).
وهذا الترتيب القانوني والطبيعي للمجتمع وظواهره من جهة وللطبيعة وقوانينها من جانب اخر يمكن ببساطة اعادته للمنطق الاستنباطي الارسطي ،والفلسفي الاسلامي الذي هاجمه كونت ايضا بعنف وشراسة ، فمعادلة (كونت) التي استنبط منها علمه الاجتماعي تترتب على المقدمات الاستنباطية والارسطية التي تكون عادة النتيجة فيها اصغر من المقدمات او مساوية لها في المنطق الاستقرائي الارسطي التام / 8 / كالتالي :
المجتمع جزء من الطبيعة / حد اكبر .
والطبيعة خاضعة للقانون / حد اوسط .
اذا المجتمع ايضا يخضع للطبيعة وقانونها / حد اصغر !.
اي ان المحمول ثبت للموضوع (( حسب المصطلحات المنطقية الارسطية )) او ان الحد الاكبر (( المجتمع جزء من الطبيعة )) ثبت للحد الاصغر (( المجتمع خاضع لقانون الطبيعة )) من خلال الحد الاوسط والذي هو (( والطبيعة خاضعة للقانون )) فبهذا المنطق الارسطي اشاد (اوجست كونت) علمه الاجتماعي الجديد الذي فرض اولا انه من ضمن الطبيعة وموادها المادية ليصل ثانيا الى حد اوسط يثبت له اويفرض عليه القول ان الطبيعة خاضعة للقانون ، لينتهي الى نتيجة ان المجتمع الانساني بالضرورة تحكمه قوانين الطبيعة !!.
وبهذا ندرك ماهية الفلسفة ومنطقها الاستنباطي ، او الاستقرائي التام في عملية صناعة العلوم ولماذا لايمكن لكونت او غيره نسيان فضل الفلسفة وفكرها على العلم من جهة ، ولماذا حتى من اسس للمناهج الاستقرائية العلمية التجريبية الجديدة كانوا يحترمون ويذهبون الى فكرة التخصص والفصل فقط بين مناهج العلم المادية والفلسفية والعقدية الدينية ، ولم يرد في ذهنهم صناعة حرب مناهج فكرية بين الدين والفلسفة والعلم ؟.
يتبقى مع ذالك جواب سؤال : اذا من اين جاءت هذه الافكار التي تدعوا الى مناهضة الفكر والمنطق الفلسفي من جهة والفكر والمنطق الديني اللاهوتي من جانب آخر باسم منطق العلم ومناهجه الفكرية ؟؟.
بمعنى اخر نحن نقرأ اليوم الكثير من المفكرين ، سواء كانوا مفكرين ايدلوجيين او اجتماعيين او علماء تجريب ...الخ الذين يطرحون موضوع العلم والفلسفة والدين ، ومناهج واساليب التفكير لكل منها على اساس الصراع والجدلية الطاردة للمناهج والمنطق الاخر في التفكير والاستنتاج وليس ببعيد عنا اؤلئك الذين يطرحون بوضوح وحتمية اقصائية : (( بان نهاية عصر المنطق والتفكيرالديني ينبغي ان تكون هي بداية عصرالمنطق والتفكير الفلسفي وكذا ينبغي ان تكون نهاية الفلسفة والمنطق الارسطي والاسلامي ببداية منطق العلم والتجريب والحس والوضعية ، ليصبح اليوم العالم فقط يحكمه منطق العلم والتجريب والمادية والوضعية لاغير ؟؟.
بشكل اوضح من اعادة صياغة السؤال ليعيدنا الى موضوعنا الام لنقول : من اين استقى (مثلا ) المرحوم علي الوردي رؤيته الاقصائية لمناهج الفلسفة من جهة ومناهج المنطق والتفكير اللاهوتي من جانب اخرفي كل كتبه ومؤلفاته وتصوراته ودعواه ... ، ليطرح لنا ((مشروع الكراهية )) والحرب وضرورة الصراع والابادة بين المناهج الثلاثة البشرية المتوارثة ؟.
ومن اين استقى هذا المرحوم الذي كتب كل ما كتبه باسم العلم ، ومناهجه هذه الرؤية الاحادية الجانب ، التي لم تدع منهجية او منطق لارسطو او للفلسفة بصورة عامة او للاهوت وانماط تفكيره لم يستهزء بها هذا الكاتب المسكين ؟.
ومن الذي اوحى له بضرورة ان يقود العقل البشري كله منطق فكري علمي واحد ،ويطاح من ثم بباقي مناهج العلوم الفلسفية واللاهوتية وغير ذالك ؟.
هل اعتمد المرحوم علي الوردي على ما اسسه رواد العلم التجريبي القديم قبل ((روجر بيكون)) حتى ((فرنسيس بيكون))فيما بعد عصر النهضة العقلية والعلمية الى عصر اوجست كونت مؤسس علم الاجتماع الحديث ؟.
ام انه ليس له اي علاقة بهذه السلسلة العظيمة من تاريخ الفلسفة والدين والعلم ، وليس له اي علاقة بروجر ولا بفرنسيس ولا باوجست كونت .... وما كانوا يسعون له من تاسيس منظومة تخصص فقط لمناهج التفكير الانساني ، تدعم موقف العلم وانجازاته الهائلة التي توصلت لها الانسانية اليوم من اختراعات ، بل اكتفى فقط على اراء فئة شاذة وطارئة حتى على العلم ومشروعه الانساني الكبير ،ليتخذ منها المرحوم الوردي كل منطلقاته الفكرية الهزيلة في مهاجمة ومناهضة المنطق والفلسفة الارسطية والاسلامية ؟؟.
الحقيقة ان الجواب على مثل هذه الاسألة بصورة عامة وعلى المرحوم ((علي الوردي)) ومنهجه الاقصائي اللاعلمي بصورة خاصة ، نترك اجابته ل((ول ديورانت / صاحب قصة الحضارة )) ليجيب عليها من جهة ، وعلى لسان رائد النهضة العلمية التجريبية الحديثة والمؤسس للثورة الفرنسية ومن ثم العلمية الحديثة لاوربا (( فرنسيس بيكون )) من جانب اخر ، ليقولوا لنا من اين اتت هذه النزعات اللاعلمية واللاعقلية واللافكرية التي حاولت صناعة الحرب لاغير بين الفلسفة والعلم والدين او حاولت استغلال مسمى العلم ومناهجه ومنطقه لابادة العقل والروح الانسانية المتوازنة او مناهضة الايمان والتفكير لاغير ؟.
يقول (( ول ديورانت )) :(( كما ان بيكون لم يقل مثل فلاسفة القرن الثامن عشر ، بان العقل عدو الدين او انه بديل عنه انه افسح لكل منهما مجالا في الفلسفة وفي الحياة .../ 9 )).
اذا هم اؤلئك الفلاسفة المتأخرون من فلاسفة القرن الثامن عشر وما بعده هم الذين اسسوا فعليا لهذه الصراعات الفكرية التي اتخذت من مناهج اللاهوت والفلسفة والعلم مادة لصراعاتها الايدلوجية البعيدة عن روح العلم وتخصصاته الفكرية والمنهجية والمنطقية !!.
وهذه الحقيقة ايضا يؤكد عليها اصحاب (( الموسوعة الفلسفية المختصرة )) حيث يذكرون ان مفهوم ومصطلح ( التجريبية ) العلمية لم يبقى على نقائه الفكري والعلمي الذي اسس له رواد العلم الحديث ، بل تحول الى اتجاهات مادية متطرفة كانت تنظر للفسلفة خصوصا على انها : (( تحليل للمدركات العقلية والقضايا فقط )) ، مما زاد في العداء المتزايد للفلسفة التأملية الميتافيزيقية بصفة خاصة ، وهو عداء لقي اقصى تعبير عنه في (( الوضعية المنطقية )) وهي الحركة التي دعا اليها بصفة خاصة في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن لفيف من الفلاسفة يعرفون باسم جماعة فينا / 10)) !.
اذاً مفهوم (الصراع بين المنطق الارسطي الفلسفي ومناهج ومنطق العلم التجريبي ) لم تكن قديمة قدم التاسيس لمناهج العلم وانفتاح مناهج ومنطق الفلسفة عليها ، بل هو صراع افتعلته قوى ايدلوجية مادية متطرفة كتبت ودعت ونظّرت الى حالة من العداء والكراهية لمنطق الفلسفة من جهة ومنطق اللاهوت من جانب اخر !!.
وهذا في المحصلة هو ما يضع اناملنا على الموارد التي استقى منها المرحوم (( علي الوردي )) كل اصوله الفكرية والنقدية التي اعتمد عليها في رؤيته للفلسفة الاسلامية بصورة عامة وللمنطق الارسطي الاستنباطي بصورة خاصة ؟!.
__________________________
المصادر :
1 : ول ديورانت / قصة الحضارة / ج 17 / 209 ص / دار الجيل بيروت / ترجمة محمد بدران .
2 : نفس المصدر /ص 209.
3 : نفس المصدر / ص 212.
4 : نفس المصدر / ج 28 / بداية عصر العلم / ترجمة محمد علي ابو درة / مراجعة علي أدهم .
5 : نفس المصدر / ج28 / ص 266.
6 : نفس المصدر / 266.
7 : انظر الموجز في النظريات الاجتماعية التقليدية والمعاصرة / د . اكرم حجازي / ج 1 .
8 : الاسس المنطقية للاستقراء / محمد باقر الصدر / ص 15 / دار التعارف للمطبوعات / ط الثالثة .
9 : ول ديورانت / قصة الحضارة / ج 28/ مصدر سابق / ص 275.
10 : الموسوعة الفلسفية المختصرة / لفيف من المختصين / راجعها زكي نجيب محمود / ص 153/ ت.
**************
alshakerr@yahoo,com
مدونتي ( حراء ) تتشرف بزيارتكم للمزيد
http://7araa.blogspot.com/
إرسال تعليق