الأحد، يناير 20، 2013

((الخلط الفكري بين الدين والفلسفة والعلم لدى علي الوردي ))

 
كذبة علم الاجتماع العراقي ومؤسسه علي الوردي / القسم الثامن عشر
حميد الشاكر
((الخلط الفكري بين الدين والفلسفة والعلم لدى علي الوردي ))
3
***********************
طبعا حسب المعطيات التي تفرض نفسها علينا من خلال قراءتنا لمنتوج وفكر ومؤلفات المرحوم علي الوردي فنحن ملزمون بالاقرار ان الوردي لم يكن في منهجه الفكري صاحب (( فصل او تخصص )) بين العلوم او منطق ومناهج الافكار الثلاثة في (( الدين ، الفلسفة ، العلم )) !.
وهذه الملاحظة في فكر ومنتوج ومؤلفات وكتب علي الوردي لاتحتاج الى كثير عناء لأي قارئ يتصفح هذا المنتوج او يقرأه بشكل عام فكتب ومؤلفات وافكار المرحوم الوردي طافحة بماهو فلسفي وماهو ديني وماهو علمي مدمج بعضه بالبعض الاخر تحت مسمى ((علم الاجتماع الحديث والنظريات الحديثة ، والمنطق الجديد ...)) ، ولعلنا هنا لانغالي ان قلنا ان بين كل ثلاثة اسطر في صفحة وفي اي كتاب من كتب المرحوم الوردي الفكرية سنجد ان بدايتها فكرة ومنطق علمي واوسطها فكرة ومنهج لاهوتي ديني ، واخرها رؤية او نظرية او فكرة فلسفية ايدلوجية ، او العكس ايضا صحيح !!.
وهذا الاسلوب في الواقع للمرحوم الوردي يكاد يكون هو السمة الاساس لمعظم كتب المرحوم الوردي حيث اذا وردت فيها اي فكرة للمناقشة ((فكرة المدنية مثلا او فكرة المنطق الارسطي او فكرة السفسطة او الادب او فكرة الاجتماع ...)) فاننا سنجد المرحوم علي الوردي وبلا شعور منه او بشعور وقصد قد ادخل قوانين علمية ، ليناقش على ضوئها افكارا فلسفية ، ومن ثم ليقارنها بفكر لاهوتي ديني .... وهكذا !!.
وهذا ان دل على شيئ فانما يدل على ماذهبنا اليه من ان علي الوردي رجل مسكون ب((اللاتخصص واللافصل)) والفوضوية بالطرح الفكري بين مناهج العلوم والافكار المتنوعة !!.
نعم ذكرنا بالقسم ((السابع عشر)) من هذه السلسلة كيف ان رواد العلم والفلسفة ومؤسسي علم التجريب الاوربي الحديث قد ناضلوا من اجل هذا (( التخصص والفصل )) بين مناهج الافكار والمعارف والعلوم المتنوعة ، وذكرنا ان عملاقي فلسفة العلم الاوربي الوسيط ، ومابعد النهضة (( روجر بيكن ، وفرنسيس بيكون )) قد دابوا على الاشارة الى ان منطق العلم مختلف في منطلقاته والياته الفكرية عن منطق الفلسفة واللاهوت وهذا لايعني ضرورة التناقض والضدية بين هذه المناهج الفكرية ، بل يعني ضرورة الفصل والتخصص فيما بينها والبين الاخر ، لنفهم اخيرا : ان الحقيقة الدينية مختلفة منطلقا ومنهجا فكريا عن الحقيقة والمنطق الفلسفي ، وكذا العلم ومنطقه التجريبي وعلى هذا الاساس ميز هؤلاء الرواد بين منطق واخر وحذروا بشدة من الدمج بين هذه المناهج والاساليب الفكرية ، وان في مثل هذا الدمج ضرر يلحق بكل المناهج ، واساليبها الفكرية من جهة وصراع لابد من الوقوع بين براثنه في حال ارادة محاكمة ما هو فلسفي ، بماهو منهج ومنطق علمي ، فضلا عن ذالك طبعا الوصول الى نتائج ((مرقعة )) لكل بحث يقوم على هذا الخلط ستكون لاهي علمية ولاهي فلسفية ولاهي لاهوتية !!.
ولكن مع ذالك وجدنا المرحوم علي الوردي في معظم طرحه الفكري رجل لاعلاقة له بكل هذا التاريخ الفكري والفلسفي وبكل مناهج التخصص العلمية او الدعوات للتخصص في مناهج التفكير الانسانية ، ويطرح رغم انف القرن التاسع عشر والعشرين المنصرم ( باعتبار انه عصر التخصصات العلمية ) كل افكاره وتصوراته وكتبه ومؤلفاته تحت وطأة محرقة الفوضى الفكرية العارمة ، حينما يطحن اي فكرة بين رحى منطق الفلسفة من جهة ومنطق العلم واللاهوت من جانب آخر !!.
فمثلا موضوعة فلسفية ، كموضوعة (( الحقيقة )) يتناولها المرحوم الوردي في كتابه (( مهزلة العقل البشري / تحت الفصل الثامن / المعنون : بمهزلة العقل البشري / ص 132 )) بشكل ما انزل الله ولا العقل الفلسفي ولا المنطق التجريبي به من سلطان ، فبينما المعروف منهجيا وفكريا ان مفهوم (( الحقيقة )) له معنى واتجاه مختلف في الفلسفة الارسطية عن اي معنى علمي ، او لاهوتي او اجتماعي او ..(( وهذا ما اشار له بيكون فرنسيس حول الحقيقة الدينية المختلفة عن الحقيقة الفلسفية / ذكرناه في القسم السابع عشر )) راينا وقرأنا للمرحوم الوردي وهو يتناول (( الحقيقة )) بمنطلقاتها الفلسفية بشكل غريب وعجيب وبعيد عن اي مسكة وعي مفاده :
(( ان من مزايا هذا العصر الذي نعيش فيه هو ان الحقيقة المطلقة فقدت قيمتها واخذ يحل محلها سلطان النسبية ،فماهو حق في نظرك قد يكون باطلا في نظر غيرك وما كان جميلا بالامس قد ينقلب قبيحا عندك اليوم ، كل ذالك يجري بعقلك وانت ساه عنه كأن الامر لايعنيك /1)) .
والحقيقة ان مثل هذا الطرح ينم عن جهل مطبق بمبادئ ، ومنطلقات الفلسفة ورؤيتها وادلتها وبراهينها ... لمفهوم الحقيقة من جهة وخلط بين العلوم والاتجاهات بشكل تشمئز منه الذائقة العلمية والفكرية الواعية من جانب آخر فمعروف هنا ان علي الوردي عندما يطرح هذا المفصل من رؤيته حول ((الحقيقة )) فانه يقصد الاتي :
اولا : ان العصرالذي يتحدث عنه علي الوردي بانه عصر (فقدان الحقيقة المطلقة قيمتها) فيه هوعصر العلم وبطبيعة المنهج والمنطق العلمي (( الذي لم يدركه الوردي ليفرق بينه وبين باقي المناهج العلمية )) فانه لايؤمن (( بحقائق او قوالب فكرية جاهزة )) وذالك بسبب : ((لان هذا المنهج العلمي التجريبي يعتمد في مسيرته على الملاحظة والتجربة)) ولهذا هو علم يعتمد على المنطق الاستقرائي اولا وعلى مفهوم (الاحتمالات)ثانيا وعلى نسبية النتائج العلميةليتاح فرصة اعادة التجريب واكتشاف المزيد من العلوم والقوانين ثالثا كي لايقع العلم في الوهم العلمي كما كان يعتقد من ان الارض مركز الكون !.
ومن هذا المنطلق عندما يذكر علي الوردي نفسه نسبية ((اينشتاين)) فانها نسبية لانها قائمة على منطق العلم الاحتمالي فلا يمكن للعلم ان يجزم بنتيجة علمية لان طبيعة العلم لاتقبل الاطلاق ابدا ومن هنا كان ، ومازال المنهج العلمي لايؤمن بحقائق مطلقة وهذه هي سمة عصرنا العلمي التجريبي الحاضر الذي يتحدث عنها الوردي في بداية سطره للجملة !!.
ثانيا : هذا المنطق العلمي النسبي الاستقرائي الاحتمالي مختلف عن منطق الفلسفة ، وسير فكرها الارسطي والاسلامي حول مفهوم ((الحقيقة )) وكيف انها مطلقة ؟ ، فالحقيقة في المفاهيم الفلسفية هي (( مطابقة الادراك الانساني للواقع الخارجي )) وهذا المفهوم الفلسفي نوقش بكثافة معمقة عند الفلاسفة الارسطيين ، بحيث انهم قد ردّوا بفكرية عملاقة على شبهة الماديين المعاصرة التي تقول : بكيفية ان يكون الواقع الخارجي الانساني متغيرا مع بقاء مفاهيم الادراك البشري كحقائق مطلقة وغير متغيرة وثابتة ؟.
والحق ان الفلاسفة الارسطيين قد شرحوا براهينهم على ان (عمل الادراك والذهن البشري) ليس بالضرورة ان يكون بصياغة مفاهيمه تابعا للواقع الخارجي المادي المتغيربل ان من مميزات وخصائص الادراك الانساني وصياغة مفاهيمه انه يكون ثابتا ليقرر الحقائق وبكل اعتباراتها الواقعية والتاريخية وغير ذالك فمثلا حقيقة مثل (( ارسطو كان تلميذا لافلاطون )) تعتبر من ضمن الحقائق التاريخية المطلقة التي وان يكن الواقع الخارجي لها كان يتحدث عن اربعمئة سنة قبل الميلاد لكن هذه الحقيقة لم تبلى ولن تبلى ابدا وهي حقيقة فكرية ثابتة مهما تغير الواقع الخارجي تاريخيا من حولها !!.
وهكذا حتى ان اردنا مجارات الماديين في فكرهم القاصر واعتبار ان ((الفكروالادراك الانساني ماهو الا انعكاس لواقع الانسان الخارجي )) وان هذا الواقع هو متغير بطبيعته فقد اجاب الفلاسفة الارسطيون ايضا على ذالك بان في نفس هذا الواقع مفاهيم ثابتة وغير متغيرة مطلقا كمفوم (( الحركة والتغيير )) الذي تؤمن به المادية الحديثة ، فهذا المفهوم لايمكن طروء النسبية على حقيقته او حركته بحيث يكون اليوم هو حقيقة وغدا يتبين انه ليس بحقيقة بل هو وهم وخرافة وكذب !!.
وهكذا تعتبر الفلسفة ان هناك مفاهيم فكرية وواقعية تعتبر (( حقائق )) لايطرأ التغيير عليها ، لانها غير مرتبطة في صياغة ادراكاتها بالواقع الخارجي الذي ايضا تؤمن الفلسفة بحركته وتغيره في كل لحظة ،كما تؤمن الفلسفة ان هذه الحقائق الفكرية يجب ان تكون ثابتة لاستنادكل المعرفة البشريةعليها فبغيرثبات هذه الحقائق لايتمكن الانسان من صياغة اي معرفة لاتاريخية ولا واقعية ولاغير ذالك في ادراكاته البشري !.
ثالثا : الغريب العجيب ان علي الوردي لم يكتفي بدمج منطق الفلسفة ، مع منطق العلم في مقطوعته الفكرية تلك فحسب بل هو كذالك ادخل ايضا ودمج كذالك المفاهيم ((الاعتبارية الاجتماعية))على الخط ليستشهد بها على صواب فكرته المهترئة التي يريد ان يؤكد بها (( نسبية الحقائق المطلقة )) فختم بقوله :(( فما هو حق في نظرك قد يكون باطلا في نظر غيرك وما كان جميلا امس قد ينقلب قبيحا عندك اليوم ...)) !!.
وطبعا الوردي هنا يتحدث حول (( المفاهيم الاجتماعية الاعتبارية )) التي عادة يقال في تناولها انها من الاساس لاتخضع لا لقانون المنطق العلمي ، ولا لقانون المنطق الفلسفي بل هي ((اعراف اجتماعية )) يخلقها المجتمع حسب متطلباته الروحية والفكرية والاسرية والاجتماعية ... وهي متغيرة بطبيعتها بين مجتمع واخر في نفس الزمن فضلا عن انها متغيرة من تاريخ لاخر ، وعلى هذا الاساس فان هذه الاعتباريات الاجتماعية في تذوق الجمال والحسن ، وفي الرؤية للصواب والخطا الاخلاقي الاجتماعي لايمكن اتخاذها قانونا او دليلا على عدم (ثبات الحقيقة واطلاقها) في المفاهيم الفلسفية فمفهوم الفلسفة للحقيقة ليس فضاءه الاعتباريات الاجتماعية ولا فضاءه الاحتمالات العلمية لينسب لها المرحوم الوردي كل هذه المهزلة الفكرية التي يطرحها المرحوم الوردي تحت مسمى ((مهزلة العقل البشري)) وهو غافلا ان ما يطرحه هو المهزلة بالفعل وليس ما تطرحه الفلسفة او العلم او الاجتماع /2 ...من افكار وتصورات بنيت على التخصص الفكري الذي يدرك التمييز بين المفاهيم الفكرية ويدرك كيفية التناول العلمي الدقيق لهذه المصطلحات والافكار بدون خلط ولاخبط عشواء كالذي يقوم به المرحوم الوردي في طرحه الفكري الذي لايستند على منهج علمي متخصص في بابه !!.
اذا نعود ونسأل لتعميق الفكرة اكثر حول فوضوية المرحوم الوردي الفكرية : بلماذا طرح رجل اكاديمي ( حسب ما يقدم لنا ) كان المفروض انه يدرك تماما معنى التخصص العلمي ، والمنهجي كل هذا الكم الهائل من الافكار ، بشكل لاعلاقة له باي فكر متخصص او مناهج علم واعية لمعنى المنهج العلمي المميز عن الاخر الفلسفي واللاهوتي او الاجتماعي ؟.
هذا سؤال يثير جوابه الحيرة فعلا ، فإما ان يكون علي الوردي رجل ليس له صلة باي اكاديمية وعلمية واعية لمعنى وتاريخ ومناهج التخصص العلمية التي دعى لها روجر بيكون حتى فرنسيس بيكون الى اوجست كونت !!.
او ان يكون المرحوم علي الوردي واعيا لمعنى التخصص العلمي ، ولكنه اراد استغفال العقل العلمي والثقافي العراقي بطرح خليط غير متجانس من الايدلوجي والعلمي والديني ليدخل هذا الفكر العراقي في متاهة لها اول ولكن ليس لها اخر ؟.
من وجهة نظرنا الشخصية نحن نميل الى جواب الفرض الاول وهوكون المرحوم علي الوردي بالفعل كان رجلا ((اميًّا)) تماما في موضوعة ((التخصص والفصل)) العلمية في مناهج التفكير الانسانية ،بل ويمكننا هنا الاضافة ايضا : ان المرحوم الوردي ومن خلال قراءتنا لمنتجه الفكري ، والعلمي رجل لايمتلك (( القدرات والقابليات الذهنية المعرفية )) التي تؤهله لادراك معنى الفصل بين ماهو علمي وبين ماهو فلسفي على التحديد !!.
اي وبمعنى اخر : يلاحظ كل من ادرك مفهوم المنطق العلمي واختلافه عن المنطق الفلسفي :ان اشكالية الوردي الفكرية قبالة تخصص المناهج المعرفية انه مثقف لم يستطع التمييز بين ما تعنيه مناهج البحث العلمية ، وماتهدف اليه في عملها العلمي الاستقرائي التجريبي ، وبين مايعنيه المنطق الفلسفي الايدلوجي ، واهداف وغايات عمله للوصول الى حقائقه الفلسفية الكلية !!.
وعدم الادراك ، والمعرفة هذه عند المرحوم الوردي لاختلاف انماط المناهج الفكرية للعلم والفلسفة هو الذي دفعه لتناول علم الاجتماع (( الكونتي الوضعي التجريبي )) بمنطلقات وعلى اسس ايدلوجية فلسفية (هيجلية) وهوكذالك الذي دفعه نقد المنطق الارسطي من خلال منطق الاستقراء التجريبي العلمي الحديث ليخرج بنتيجة تسفيه المنطق الارسطي اخيرا ، وهو الذي دفعه لمحاكمة الفلسفة وفلاسفتها العقليين الاسلاميين من خلال النظريات العلمية الحديثة .... ليصل الى نتائج ليس لها اي مسكة علم او منطق او نتائج واقعية !.
والان ما هوالفرق الذي لم يدركه علي الوردي بين منطق ومنهج الفلسفة من جهة ومنطق ومنهج العلم من جانب اخر والذي جعل من افكار المرحوم الوردي واطروحاته النظرية اطروحات هشة وهزيلة ولم تستطع الصمود امام التطور والزمن ؟.
الحقيقة ان الفرق بين منطق ومنهج العلم الاستقرائي الحديث ، وبين منطق ومنهج الفلسفة الارسطي القديم الجديد هو :
اولا : في المسارات والمنطلقات الفكرية .
ثانيا : في الاهداف والمواضيع والغايات العملية .
ففي المسار الفكري العلمي التجريبي ينتهج الفكر العلمي ((المسار الاستقرائي)) الصاعد من الجزئيات الوجودية الى اكتشاف القوانين العملية ، فعمل العلم تجاه الطبيعة (مثلا) هو الملاحظة ، التي تقود العلم العلمي الى رصد الظواهر الطبيعية اولا ، ثم اخضاع هذه الظاهرة الطبيعية للعملية التجريبية المتكررة للوصول الى عللها ، واسبابها القانونية ، التي تنتج هذه الظاهرة ، فظاهرة سقوط التفاحة الى الارض وملاحظتها هي التي دفعت للسؤال عن : السبب ؟ ، وهي التي اوصلتنا من خلال التجربة ان قانون الجاذبية هوالعلة الاصيلة والواقعية وراء سقوط الاشياء الى الارض وليس الثقل اوكثافته المادية هو السبب لسقوط الاشياء الطبيعية الى الارض ، كما كان يعتقده علماء الطبيعة التقليديون ، وعلى هذا الاساس (رتب المنطق العلمي) على هذا القانون الكثير من الاكتشافات الكونية ومن اهمها كيفية التخلص من الجاذبية للصعود الى فضاء لايحكمه قانون الجاذبية !!.
القصد هو القول : ان منطق وقانون العلم التجريبي يسير في مناهجه الفكرية من ملاحظات جزئية منفصلة عن باقي الاجزاء واخضاعها تجريبيا لربط بين سبب ومسبب او علة ومعلول للوصول الى القانون الذي يقبع خلف هذه الظاهرة او في عمقها ليهبها هذا التكرار والحتمية في التراتبية ،ومن ثم يتم اكتشاف القوانين الكونية والطبيعية والاجتماعية من خلال هذا المنطق والمنهج الفكري العلمي السليم ، باعتبار ان هذه الاكتشافات لهذه القوانين هي الهدف وهي الغاية التي يسير نحوها المنطق العلمي التجريبي والاستقرائي الحديث ليترك اخيرا باب الاحتمالات العلمية مفتوحا ولايجزم باكتشاف حقيقة مطلقة !.
طبعا القارئ الكريم يدرك لماذا ينتهج المنطق العلمي التجريبي (منهج الاحتمالات) وعدم اصدار الاحكام القطعية الثابتة عندما يكتشف اسرار قانون جديد ، فهو لايريد ان يقع في نفس اخطاء العلماء التجريبيين الذين سبقوا عندما كانوا يقطعون بقانون ما ( مثل قانون الارض مركز الحركة الكونية او قانون البصريات .......الخ )) ثم يتبين لهم عوار المقدمات التي انتجت هذه القوانين ، ولهذا من مميزات المنطق العلمي الحديث اعتماده على الباب المفتوحة في قضايا اكتشاف القوانين واسبابها !.
اما في المسار الفكري والمنطق الفلسفي فالامر معكوس تماما عما كان عليه مسار الفكر العلمي الاستقرائي التجريبي فبينما كان المنطق العلمي يسيرمن الجزئي المفكك كونيا وطبيعيا واجتماعيا ليصل الى القوانين واكتشافها ومن ثم البناء عليها يبدأ الفلسفي دائما من الكلي الفكري العام ، لينزل بنتائجه الى الجزئي ليطبق عليه احكامه الكلية ، وهذا لالشيئ خاطئ في تركيبة مسار الفكر والمنطق الفلسفي عن العلمي ، بل لكون (( الموضوع ، والغاية )) للمسار الفكري والمنطقي الفلسفي اختلفت في المنطق والفكر الفلسفي عن موضوع وفكر ومنطق العلم ، فتغير اسلوب التفكير بين العلمين لتغير الغايات والاهداف !!.
بمعنى اخر : ان الفلسفة ومنطقها لاتبحث وليس غايتها اكتشاف قوانين الكون والطبيعة والانسان الجزئية لتفهم كيفية عمل قوانين الفسلجة العضوية داخل الانسان مثلا ، بل هي تبحث عن القوانين (( الذهنية )) والعقلية العامة التي تطرح او تبتغي او تهدف للوصول الى ( قوانين وجودية مختلفة ) عن قوانين الطبيعة والكون الجزئية ، بل انها قوانين ولها احكام صارمة ويمكن البناء عليها معرفيا ايضا ، لكنها قوانين بطبيعتها وغاياتها واهدافها وموضوعها ، مختلفة عن قوانين العلم التجريبية الاستقرائية !!.
فمثلا عندما تدرس الفلسفة ، وكذا منطقها الارسطي العام ومدرستها الفلسفية الممتدة حتى اليوم مفاهيم من قبيل (( الوجوب والامكان والامتناع )) فان هذه المفاهيم لايمكن دراستها حسب المنطق العلمي الاستقرائي التجريبي ، لانها مختلفة الموضوع والفضاء عن مواضيع العلم التجريبي الحديث بل انها مواضيع وفضاءات معرفية مختصة بالمنطق والفكرالفلسفي لاغير وهي نفسها بعد تعريفها وبحثها تعطي لنا الكليات المعرفية التي من خلالها ندرك : لماذا هناك واجب للوجود ؟ وهناك ماهو ممتنع الوجود ؟ ، وماهو ممكن الوجود ؟،ولهذا لايمكن ان تصل الفلسفة ومنطقها لحكم كلي يفرض (مثلا) امتناع وجود ما ثم ياتي علم اخر بخلاف ذالك ، لان هذه المفاهيم من مواضيع الفلسفة ومنطقها الخالص ، وليست هي مفاهيم مادية او طبيعية ليفتي فيها المنهج والمنطق العلمي التجريبي الذي فضاءه وساحته وموضوعة هو هذا العالم المادي لاغير ،اما عالم الذهن والوجود الكلي والمفاهيم التي لاسبيل لاذرع التجريب عليها والتي لاتخضع بطبيعتها لادوات الملاحظة والتجريب العلمي ، فالفلسفة ومنطقها كفيل بمناقشتها وبحثها والبت في احكامها العقلية والفلسفية !!.
عندئذ ندرك ما هو القصد عندما نقول ان غايات الفلسفة وقوانينها هي مختلفة بطبيعتها عن غايات العلم ومنطقه وقوانينه !!.
ان ما لم يدركها المرحوم ((علي الوردي)) بالفعل قبل ان يكتب مؤلفاته ، ومن ثم ليطرحها باسم العلم والفكر والاجتماع هي هذه المنهجيات العلمية ، التي ينبغي لاي كاتب او مفكر او عالم او مثقف ان يدرسها ويدركها ويستوعبها قبل ان يطرح كلمة واحدة باسم العلم والفلسفة واللاهوت كي لايصيبه ما اصاب المرحوم علي الوردي عندما كتب كثيرا لكنه لم يثمر زهرة حتى اليوم !!.
______________________
المصادر
1 : علي الوردي / مهزلة العقل البشري / ص 134/ بلا طبعة .
2 : انظر اسس الفلسفة والمذهب الواقعي / محمد حسين الطباطبائي / تعليق مرتضى مطهري / دار التعارف / المقالة الرابعة / ص 159 / ج 1 .
alshakerr@yahoo,com
مدونتي ( حراء ) تتشرف بزيارتكم للمزيد
http://7araa.blogspot.com/
 
إرسال تعليق