السبت، أغسطس 31، 2013

((ورقة الملك فيصل الاول لانشاء الدولة العراقية الحديثة)) المقالة التاسعة

((ورقة الملك فيصل الاول  لانشاء الدولة العراقية الحديثة)) المقالة التاسعة . حميد الشاكر


ربما ووفقا لما طرحناه في المقالات السابقة من نجاح كبيرلمشروع صناعة الدولة ، وتركيب مواطنيتها الاجتماعية الصالحة  في تاريخ العراق الحديث وبجهود ملحوظة للملك فيصل الاول ، وطاقمه السياسي ، الذي شاركه هذا الانجاز  يتوهم متوهم انه وبسبب الاجواء التاريخية والسياسية والاقتصادية والسوسيولوجيا... آنذاك التي لم تكن تحمل اي عوائق واقعية نجح مشروع فيصل الاول في صناعة الدولة والمجتمع العراقي الحديث وبسلاسة وبدون ان يكون هناك اي خصوصية  وميزة لهذا الانجاز ، اذا ما قورن بتعقيدات اليوم ، وبعد ان جُرّفت الدولة ، وابيدت خضرائها من قبل توالي الانقلابات العسكرية وسياسات الهدم التي مارسها الساسة العراقيون باسمها !!.

والحقيقة ان مثل هذا التوهم الذي يحاول مصادرة جهود الملك فيصل الاول ونجاحه مع طاقمه السياسي  في صناعة الدولة العراقية الحديثة ، بالاضافة الى محاولة هذا الوهم تبرير اخفاقات الساسة العراقيون وفشلهم الذريع منذ 1958م لانقلاب الجنرال قاسم ، وحتى اليوم في اعادة انتاج الدولة او تقديم اي شيئ اضافي  لتطورها او استمراها فضلا عن بقائها ...، هذا الوهم مع الاسف يمكن وصفه ب(( اما بالمنحاز او بالجاهل )) بابسط مفردات تاريخ العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والاقليمي .... الحديث !!.

نعم كانت هناك (( عوامل مساعدة قوية )) نهضت بمشروع صناعة الدولة العراقية الحديثة ، لكنها عوامل  فكر وجهد ومثابرة وهمة ، وبعد نظر .... الملك فيصل الاول ، وكادره السياسي النزيه والامين وغير الفاسد والمهني والوطني.. من جهة وعوامل العجينة الاجتماعية العراقية انذاك واستعدادها لتقبل مشروع الدولة الجديدة من جانب اخر ،  هي التي جعلت من صناعة العراق الحديث شيئا ممكنا ، والا من ناحية التركيبة المعقدة ، والاشكاليات السياسية والصعوبات التي كانت قائمة ،والمعوقات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تقعد بالهمم الكبيرة  متوفرة ...... وهكذا ، فكل الاشكاليات التي تضاهي ما هو موجود اليوم واكثر كانت قائمة بالفعل ، ولكن مع ذالك شيّد البناء واقيمت دعائم الدولة وصنع المجتمع الوطني  الحديث وانتجت البذرة العراقية الاتي :
اولا : دولة مؤسسات قائمة على مفهوم الحياد ، والمواطنة وتمتلك دستورا ومجلس نواب اجتماعي(( لا اريد ان اقول انتخابي لان العراقيين لم يكونوا انذاك في بداية التجربة يملكون وعي الانتخاب السياسي لذا جاءت مجالسهم النيابية في العشرينات وبداية الثلاثينات من القرن العشرين انعكاس لواقعهم الاجتماعي وليس السياسي )) .

ثانيا : بناء دائرة او حقل سياسي مهني كفوءة استطاع بناء الحياة السياسية العراقية بشكل لم يكن موجودا نظيره في المنطقة  والاقليم العراقي الحديث بحيث ان الملكية العراقية كانت اقرب الى الدستورية الديمقراطية  منها الى ملكية الشاه الدكتاتورية الايرانية ، او جمهورية الترك الشوفينية الاتاتوركية المستبدة اوملكية ال سعود القبلية الجاهلية التي كانت محيطة بالعراق انذاك !.

ثالثا : صناعة مجتمع واخراجه من همجية القبلية المتشتة والاقطاع المدمر الى حيز المجتمع  الذي ينمو بشكل طبيعي ليكون مجتمع المدينة والصناعة والعلم والقانون بدلا من مجتمع القبيلة والعشيرة والاقطاع الامي والمتخلف والركيك !.

رابعا : بناء وصناعة حقل او تياراجتماعي من المفكرين والفنانين والادباء والشعراء والموهوبين .... الذي لم يزل جميع العراقيين يتغنون بعبقرياتهم حتى اليوم وصناعة هذه النخبة الفكرية بدورها  لعراق فاق الوطن العربي بمعظمه بعباقرته ومفكريه وادبائه وفنانينيه ... ولا يوجد لدينا اسم مفكر او مؤرخ او اديب او عالم اجتماع او فقيه او فيلسوف ...الخ(( من جواد علي الى مصطفى جواد ، الى محمد باقر الصدر ، الى عبد الرزاق الحسني الى .....الخ   )) ، الا وكان منتجا طبيعيا للحقبة الملكية التي ساهمت بصناعة ودعم هؤلاء العباقرة حتى اوصلتهم من خلال تخطيطها التعليمي ، ودعمها اللامحدود لايفاد هؤلاء العباقرة على نفقة الدولة لاكمال دراساتهم العليا في خارج العراق ... الى ان وصلوا الى ماهم عليه  !!.

هذه هي بعض ثمرات الحقبة الملكية التي اسس لها المغفور له الملك فيصل الاول رحمه الله من خلال تخطيط واعي ، ووطنية عراقية مخلصة ومهنية وادراك سياسي نضالي كبير !!.
اما المعوقات التي من حق قارئنا علينا ان يعرفها قبل ان نطوي هذه المقالة ليكون على اطلاع ، على مدى صعوبة ((المنجز الفيصلي الاول)) وكادره السياسي الوطني العراقي انذاك والظروف التي احاطت به ، فيكفي هنا الى ان نشير الى :
ان ورقة الملك فيصل الاول لانشاء الدولة العراقية نفسها (موضوع بحثنا ) هي التي اشارت الى بعض الصعوبات والاشكاليات الكبيرةالتي كان العراق الفيصلي في نضال معها من اجل صناعة العراق الحديث ، فهناك مثلا :
اولا : الاشكالات الاقليمية .
ويكفي هنا ان نشير الى مطالبة تركيا بالموصل ، وتهديدها المستمر للعراق بالحرب ، وميل الاكراد في شمال العراق للالتحاق بتركية بدلا عن العراق وغارات ال سعود  الوهابيين  على جنوب العراق ، وتهديد امن المواطنين العراقيين واطماع ايران الشاهنشاهية بشط العرب وجنوب العراق ومشاكل العشائر الغربية مع سوريا وعشائرها ...الخ فكل هذه كانت اشكالات قائمة في الاقليم العراقي ،  وقد عالجتها الدولة العراقية بكل مفاصلها ومؤسساتها السياسية / انظر عبد الرزاق الحسني / الاجزاء الاول والثاني من / تاريخ الوزارات العراقية / مكتبة اليقظة العربية / 1402ه 1982م ))!.
ثانيا : المشاكل الدولية .
الاحتلال البريطاني للعراق وصراع بريطانيامع العراق من اجل استحصال الانتداب لخمس وعشرين سنة ،وضغط العراقيين ومجلس نوابهم واحزابهم السياسية وامتناع سياسييهم بالتعاون مع الدولة لابرام هذه الاتفاقية وابتزاز بريطانيا للعراق بقضية الموصل والتهديد بالتنازل بهها الى تركية ...الخ .
ثالثا : الاشكالات الداخلية .
بناء الدولة ومؤسساتها ، ضعف الاقتصاد العراقي وتهشيم بنيته الاجتماعية عدم وجودجيش للعراق ومعارضة بريطانيا لاقرار قانون الخدمة العسكرية الالزامية وعدم وجود قوى امن فاعلة انقلابات العسكر الدائمية وانتفاضات القبائل العشائرية المستمرة ،ومؤامرات الاحزاب الفوضوية وتمردات الكرد وعصياناتهم المستمرة  عدم وجود بنية عمرانية او وجود طرق مواصلات معبدة لتماسك البلد العراقي جغرافيا ....الخ .
هذه (حقيقة) بعض المعوقات  والصعوبات التي كانت تقض مضجع العراق الحديث بتركيبته السياسية الفيصليةالاولى وهي معوقات ترتقي الى مستوى الكوارث السياسية ، التي كانت تحيط بالعراق انذاك من كل جهة  ومن كل صوب ومن  الخارج والداخل ، ولكن مع ذالك استطاع الملك فيصل الاول رحمه الله  ومن خلال حنكة ، ودراية سياسية وتخطيط وتصميم على البناء وبمساندة ثلة من السياسيين الوطنيين ، والمخلصين والنزيهين العراقيين ان يبنوا العراق ، دولةٍ ومؤسساتٍ وبنى عمرانية وسوسيولجية وفكرية وعلمية وفنية واقتصادية ودولية واقليمية ...... الخ !!.
اذاً ارادة البناء وعزم الكبار وتضحية الرجال ، واخلاص المخلصين وامانة الشرفاء ... هي التي استطاعت ان تصنع عراقا حديثا بفترة عقد او عقدين من الزمان ليصبح هذا البناء فيما بعد وحتى اليوم عصيا على تدمير عقود من الهمجية السياسية العراقية العسكرتارية ، وغير العسكرية  التي لم تكن تمتهن مهنة اوتعرف مهنة غير مهنة الهدم والفساد والنهب والظلم والتدمير لهذا العراق الحديث !!.

      مدونتي

إرسال تعليق