الاثنين، مارس 17، 2014

(( تمهيد في نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 2/2

(( تمهيد في نشأة علم الاجتماع الاسلامي العربي )) 2/2 حميد الشاكر




ثانيا: احتكاك ابن خلدون بعالم السياسة ومتغيراتها وهمومه بدراسة ظاهرة الدولة .

ان من اهم العوامل التي ساهمت بانشاء علم الاجتماع العربي ، بعد عامل اشتغال ابن خلدون بمهنة علم التاريخ هو عامل : (( احتكاك ابن خلدون المباشر بعالم السياسة من جهة، واهتمامه بدراسة ((ظاهرة الدولة)) داخل المجتمعات الحضرية العربية وغير العربية البشرية من جانب اخر)) !!.

ولعلها ليست صدفة ان يكون مؤسس علم الاجتماع العربي الاسلامي (( عبد الرحمن ابن خلدون )) ، وكذا مؤسس علم الاجتماع الغربي الحديث ( اوجست كونت ) هما من المحتكين ، والممارسين بصورة مباشرة لعالم السياسة والدارسين بنفس الوقت وبعمق لظاهرة الدولة !!.

فابن خلدون ، وكما هو المعروف تاريخيا التحق، ومنذ بواكير شبابه بسلك وظائف الدولة في المغرب والاندلس فشغل منصب ( كتابة السر) في بلاط بني مرين في بداية حياته 750هج /في المغرب العربي كما وشغل منصب خطة المظالم ، وبعدها السفارة في الاندلس.... نهاية في تولي سدة قاضي القضاة في مصر !!.

وهكذا (( كونت )) مؤسس علم الاجتماع الغربي الحديث ، الذي بدأ حياته كطالب حركي سياسي مساهم بالمطالبات والاضرابات الطلابية ، وبعدها كسكرتير للسياسي الكونت والفيلسوف (( كلود هنري سان سيمون )) الذي اشترك مع ((كونت)) بوضع ((خطة العمليات العلمية اللازمة لاعادة تنظيم المجتمع)) واستمر مع الحياة السياسية الفرنسية والاوربية التي تشكلت فيها ((مفاهيم الدولة القومية الحديثة)) وما لهذه الدولة من تداخلات مع المجتمع الصناعي الحديث ، حتى ذُكر ان كونت كان يطلق تسمية (( علم الدولة )) على ((علم الاجتماع الحديث)) باعتبارانه لايمكن للدولة الحديثة ان تتطور وتنجح بدون اتكاءها على دراسات وابحاث ونتائج علم الاجتماع من جهة ولا يمكن لعلم الاجتماع الامبيرقي ان يتطور بدون معطيات ووثائق الدولة ومؤسساتها القائمة من جانب اخر !!.

والحق ان اشتغال كل من((ابن خلدون)) في عالم السياسة بعد تاهيله علميا وتاريخيا وفلسفيا ....، وكذا (( كومت )) في نفس هذا المجال ، هيئ لكلا الفيلسوفين المؤرخين ان يطلعا على (( المجتمع وحركته )) بصورة اشمل وادق واكثر بحثا في المفاصل الدقيقة لهذه المجتمعات وكيفية حركتها ومن ثم رصد عوائدها واعرافها واخلاقها وتغيراتها بشكل اشمل !!.

بمعنى اخر: انه لايمكن لاي باحث ، او دارس لنشأة علم الاجتماع العربي الاسلامي او الغربي الحديث ان يدرك الماهية والاسباب الواقعية والعوامل الاجتماعية ، التي ساهمت في ولادة وانشاء هذا العلم (علم الاجتماع) قديما وحديثا ، اذا لم يستطع الربط بين علاقة ( المؤسس) هذا الفيلسوف الفكرية وما للفلسفة من دخل في بناء وولادة العلوم بصورة عامة وبين اشتغال هذا الفيلسوف بعلم التاريخ ، (لاطلاعه على حركة المجتمعات من الخارج) ثم احتكاكه بعالم السياسة وشؤونها (ليلم بحركة ومفاصل المجتمع من الداخل) وبهذا تتم له الصورة ويتم له التصور المتكامل الذي يضطره لصناعة علم يدرس ويهتم ويبحث ويحلل ويعالج و... في هيئة المجتمع وماهية تغيراتها وعوامل حركتها ودعائم ثباتها ومستقراتها !!.

وهذا بالفعل ما وقع لكلا الفيلسوفين ((ابن خلدون وكونت)) وهذا بالفعل ما صادف كلا المفكرين من ظروف وملابسات اجتماعية وتاريخية وسياسية احاطت بحياة كلا المؤسسين لهذا العلم !!.

(ابن خلدون) حيث بشرّ ، ودعى لهذا العلم في مقدمته و ( اوجست كونت) حيث ايضا دعى ، وبشر بولادة علم للاجتماع تفرضه ((ظروف المرحلة التاريخية والصناعية الحديثة )) للعالم الانساني !!.

فابن خلدون الفيلسوف والدارس للتاريخ والمتخصص بكل مفاصله لاسيما منها العربية الاسلامية اطلع بشكل دقيق وتفصيلي على حركة هذا التاريخ وتغيراته وتقلباته السياسية ومن ثم هو امتلك الرؤية النظرية والخارجية لحركة المجتمعات مسطرة امامه من خلال النقل التاريخي لها !!.

لكن هذه الرؤية التاريخية ، ومهما تخصصت بتقلبات الشعوب والامم تبقى خارجية او حضارية وليست محلية ، وبعيدة عن روح المجتمع من الداخل مباشرة ، وهي وان سردت تطورات المجتمعات من الخارج الا انها ( مع ذالك ) تبقى بعيدة عن بواطن المجتمع من الداخل ، او الاحتكاك بصورة مباشرة معه !!.

وهنا ياتي دور (علم السياسة) الذي درسه ايضا ابن خلدون ومارسه بشكل عملي في حياته الاجتماعية ، والذي هو ((نظرية علم ادارة المجتمع)) من الداخل سياسيا واقتصاديا وتربويا وقانونيا اولا وقبل ان تكون علما لادارة الدبلماسية والدفاع والحرب ..... مع الخارج ثانيا ، لتطرح ( هذه النظرية السياسية ) امام ابن خلدون خريطة تشريح كاملة لكل معامل انتاج المجتمع من الداخل ولكل مفاصل المجتمع (( المتحرك والثابت منها )) باعتبار ان السياسة لاسيما في عصر((ابن خلدون)) كانت احد مهامها الرئيسية مراقبة ورصد بنية المجتمع العربي قبليا وحضريا وتحليل جميع الاذرع المتحركة او الفاعلة او المستقرة ، او المضطربة .. داخل المجتمع العربي الاسلامي انذاك وعلاقة (ذالك كله) المباشرة باستقرار السلطان وسلطته او الحكم او الدولة وامنها واستمرارها !!.

وبهذا توفر (لابن خلدون) كل ما يلزم من ادوات تفكيراجتماعية ( تاريخية وسياسية ومجتمعية ) تفرض نفسها عليه كعلم مستقل بنفسه ، منفصلة اولا عن ادوات علم التاريخ الذي امتهنه لكن ليس بعيدة عنه ومنفصلة ثانيا عن ادوات علم الاخلاق او السياسة لكن ايضا ليس بعيدة عنه وهذا الفصل في تفكير ابن خلدون نفسه هو ما يستطيع ان يشرح لنا بوضوح ماهية التداخل والتفاصل العميقة بين التاريخ وظاهرة الدولة في (مقدمة ابن خلدون) من جانب وبين علم العمران العربي من جانب اخر !.

ولا يمكن لباحث ان يدرس علم العمران العربي(عند ابن خلدون)في نشاته وولادته ، اذا لم يلحظ هذه العلاقة العضوية في فكر هذا الرجل بين علم التاريخ ودراسته المهنية له ، وبين ممارسة السياسة وما تتطلبه من رؤية اجتماعية وبين علم العمران في نهاية المطاف !!.

وهذا لايعني (مطلقا) : ان منهج ابن خلدون الاجتماعي كان مقتصرا على (( المنهج التاريخي )) في علم الاجتماع اوعلم العمران البشري فحسب بل ما يميز علم الاجتماع الخلدوني هناهوانه علم استقى من الواقع الاجتماعي الذي كان يعيش بداخله معظم اركان وتصورات واليات .... علم العمران البشري ، وهذا هو ما ذكرناه في العامل :

ثالثا: المتغيرات الاجتماعية التي احاطت بابن خلدون وارغمته على البحث عن قوانينها واسبابها الواقعية !!.

والحقيقة ان ابن خلدون عاش في ظروف اجتماعية ، وسياسية دراماتيكية بكل المقاييس التاريخية، فهو عاصر افول نجم الحضارة الاسلامية العربية في منابتها التقليدية من بغداد الى الاندلس فكريا وفلسفيا ، وعلميا وسياسيا ... وحتى اجتماعيا ، فقد اصاب المجتمع ( العربي بالتحديد وقيادته لركب الحضارة الاسلامية) انتكاسة افقدته حتى القدرة على التماسك السياسي في اقامة الدولة اوالقدرة على القيام بصناعة المدنية الحضرية، بل عاصر ابن خلدون(ارتدادة)عنيفة للمجتمع العربي من بنيته الحضرية المدنية التي شكل واسهم الاسلام ببنائها الى البنية القبلية العصبوية التي ساهمت ((صراعاتها المحلية)) بقتل الدولة، وروحها الحضرية داخل هذا الاجتماع العربي انذاك !!.

لكن ايضا ابن خلدون عاصر ، كذالك صعود نجم اسلامي اعجمي الاصل والمنشا على حساب الاصل العربي سياسيا ، وفكريا واقتصاديا واجتماعيا و... كان يتكون جنينيا في الشرق (عثمانيا) من العنصرالتركي و(صفويا) من العنصرالفارسي اوالايراني !!.

ولعل هذه المتغيرات الاسلامية الجغرافية الاجتماعية والعنصرية التاريخية الكبيرة التي طرأت على عالم ابن خلدون السياسي والجغرافي والاجتماعي ... ، هي ايضا ما ساهمت في تشكيل ( وعي ابن خلدون الاجتماعي ) في موضوعة علم العمران البشري ، ودراسة ظاهرة الدولة بشكل اساس ومن ثم دفعته للتساؤل حول : اسباب ، وعوامل (متغيرات) المجتمعات العربية والاسلامية ، وكيفية صعودها في بادئ اعمارها ، وهبوطها في شيخوختها قبل موتها !!.

وطبيعي ان مثل هذه البحوث ، التي افتض بكارتها تاريخيا ابن خلدون في بحوث المقدمة لم تكن لتستقى تصوراتها ، وافكارها من مضانها التاريخية التقليدية فكانت كتب التاريخ التي درسها ابن خلدون ونقد منهجيتها التقليدية في النقل التاريخي تخلو تماما مما نقرأه اليوم في (( المقدمة )) من بحوث اجتماعية ( سوسيولوجيه ) لم يكن سبيل امام ابن خلدون ، لدراستها سوى نزول ، وبحث ابن خلدون نفسه الى واقع ، واشكاليات المجتمع العربي (( المغربي الاندلسي بالتحديد))ودراسته واستقراءه ليتخذ منه مادة حية لمعظم بحوثه الاجتماعية فيما بعد !!.

اي وبمعنى اخر : انه عندما نبحث، بماطرحه ابن خلدون في علم العمران العربي (( علم الاجتماع العربي )) من بحوث وابواب وافكار وتصورات .... في ((مقدمته)) نجد ان معظم هذه الافكار كان منتميا بشكل مباشرالى واقع حياة المجتمعية العربية انذاك فبحث(( بنية الاجتماع القبلي العربي )) وكذا بحث اختلافها عن (( بنية الاجتماع الحضري )) ، وبحث (( ماهية الاجتماع الحضري ؟)) و(( لماذية نشأة العلوم داخل هذه البنية ؟)) وغياب العلوم داخل بنية الاجتماع القبلي القائم على العصبة واختلاف اخلاق الفرد المنتمي للبنية القبلية عنه من المنتمي للمجتمع الحضري ....الخ ، كل هذه بحوث (وحتى اليوم) من صلب الدراسات السوسيولوجية الحديثة التي تتخذ من ((المنهج الامبيريقي )) اداة لدراساتها الاجتماعية المنبنية على المجتمع كما هو قائم الان ، وليس المجتمع تاريخيا او كما ينبغي ان يكون ايدلوجيا ؟.

فابن خلدون كان ناقلا وواصفا اجتماعيا امينا عندما تحدث في مقدمته عن بنى مجتمعه القبلية والحضرية القائمة التي كان يعيش بداخلها وكان عالما اجتماعيا نافذ البصيرة عندما حلل بنية الاجتماع القبلي واختلافها الجذري عن بنية الاجتماع الحضرية ، وهكذا كان سوسيولوجيا بامتيازعندما طرح ماهية العلاقات التي تبتنيها المدنية التجارية وماتنتجه من صناعات وعلوم ومن ثم ما تنشئه من دول وحكومات واختلاف كل ذالك عن ما تهدف اليه بنية القبيلة وما تنفر منه من عالم ومعالم المدنية الحضرية !!.

وطبعا كل ما طرحه (ابن خلدون) في علمه العمراني الاجتماعي لم يخرج عن دراسة (سياقات المجتمع العربي والاسلامي) ، ومن واقع هذا المجتمع المعاش ومن عمق صراعاته وازماته وبكل مركباته ثوابته ومتغيراته !!.

ونعم في الجانب الاخر طرح ابن خلدون رؤيته الحضارية التاريخية التي تناولت سنن التاريخ وقوانينه البشرية وكيفية ان(( قوانين العمران البشري )) التاريخية، كما انها تنطبق في دراساتها على المجتمع العربي الاسلامي هي كذالك قوانين تنطبق على باقي الشعوب والامم حتى وان اختلفت نتائج هذه القوانين والسنن بين مجتمع واخر وهذا ما رشّح ((في الحقيقة)) الفكر الخلدوني الاجتماعي ، ليكون مؤسسا لعلم اجتماع قائم على قانون وسنن لايختلف عملها بين مجتمع واخر !!.

وبهذا استطاع ان يعكس (ابن خلدون) كل ما كان قائما في مجتمعه العربي والاسلامي من تناقضات ومتغيرات وصراعات وثوابت و .... (( استاتيك وديناميك)) ليصوغ من نفس هذا الواقع المضطرب علمايجيب عن الاسئلة السوسيولوجية (( القائمة حتى اليوم ))حول اسباب وعوامل هذه المتغيرات الاجتماعية واسباب وعوامل الاصطكاكات والثوابت داخل هذه المجتمعات ايضا ؟.

نعم غير ابن خلدون لم يكن مهيئا ،او لم تهيئ له جميع الادوات والظروف القادرة على دفعه ليبتكرلنا علما يسميه كما اسماه ابن خلدون بعلم العمران البشري ولم تكن العبقرية الفكرية الفردية وحدهاتتمكن من دفع ابن خلدون نفسه لابتكار علم للاجتماع لو لم تكن هذه المتغيرات الاجتماعية التاريخية التي ذكرناها انفا مصاحبة لحياة ابن خلدون ، ودافعة له بقوة للتفكير الجاد بماهية المتغير الاجتماعي ومن ثم اضطراره لصناعة علم يبحث المجتمع كمادة وموضوع ، ومن هذا المنطلق ندرك : ان الاسباب ، والعوامل التي ساهمت بالفعل بنشأة علم الاجتماع العربي(علم العمران البشري)هي كانت اسباب وعوامل اجتماعية ((سياسية وفكرية واقتصادية وجغرافية وتاريخية واخلاقية ..)) اولا ، قبل ان تكون اسبابا فكرية نظرية ، او عبقرية فردية لاغير !!.

وربما لم يكن بمقدور(( ابن سينا اوالفارابي )) مثلا ان يصنعا ، او يكتشفا او يبتكرا علما للاجتماع العربي والاسلامي ، لان كلاهما فيلسوفان لكن لم يكونا عالمي تاريخ واطلاع على سير الامم والشعوب وتقلباتها الاجتماعية التي هي صفة اساسية ينبغي ان تتوفرلعالم الاجتماع قديما وحديثا كما كان مهيئا لابن خلدون وهكذا ربما لم يكن((الطبري او المسعودي)) بمقدورهما ان يلتقطا (( فكرة علم الاجتماع )) وهما يدرسان التاريخ ويكتبان فيه كما التقطها ابن خلدون، لان ابن خلدون كان ( فيلسوفا ايضا ) بالاضافة لكونه مؤرخا ووممارسا سياسيا كذالك، مطلعا بشكل مختلف على حركة المجتمع ومتغيراته من الداخل ، ولا يمكن لعالم يحاول ( صناعة منتج علمي جديد) وهو خاليا من الفكر الفلسفي الذي يؤهله لصناعة العلم ، وانشاءه من جهة كمالايمكن لعالم بالاجتماع يريدان يبحث بعلم للعمران والاجتماع ان يكتفي بالدراسة التاريخية النظرية فقط، ليصل الى قلب علم الاجتماع وادواته من جانب اخر !.

وفي النهاية يمكننا القول:ان ابن خلدون بفلسفته وعلمه التاريخي وممارسته السياسية ....، لم يكن باستطاعته صناعة علم للمجتمع لولا تلك المتغيرات المتسارعة ، التي ضربت حياة العالم العربي والاسلامي السياسية والفكرية والجغرافية والاقتصادية .. وحتى الاخلاقية في عصره والتي هي صنعت ابن خلدون وعلمه قبل ان يصنع ابن خلدون علما للمجتمع ومتغيراته !!.



راسلنا على :

alshakerr@yahoo.com

مدونتي فيها المزيد على :

http://7araa.blogspot.com/





إرسال تعليق