الأربعاء، سبتمبر 09، 2015

( في سوسيولوجيا المجتمع الكردي العراقي ..... التناشزات اللهجوية ) 14/ حميد الشاكر

----------------------------------------------------------------------------------------

((32 ))

من ضمن اهم محاور دراسات علم اللغة الحديثة ، التي تشكل بدورها محاور اساسية لعلم الاجتماع وفروع مواضيعه المتنوعة هو محور( التعدد اللهجوي في اللغة لكل مجتمع من جهة  وماهية وكيفية ولادة هذه اللهجات وانقساماتها وسببية هذه الانقسامات والعوامل المساهمة بشكل مباشراوغيرمباشربديمومة هذه الظاهرة الاجتماعية ، و امكانية  او عدم امكانية تحول هذه اللهجات الى لغات امٌّ ولماذية و .....الخ من جانب اخر )) .

اي وبمعنى اخر اكثر وضوحا : ان اللغة ، وباعتبار انها (( ظاهرة اجتماعية ووسيلة اتصال انسانية ))، كما ذكرنا ذالك في القسم السابق من  هذه البحوث هي ظاهرة خاضعة تماما لقوانين المجتمع وسنن تطوره وتغيره ومتطلباته و .... لهذا ف(اللغة) ظاهرة يطرأ عليها التغيروالتبدل حالها في ذالك حال باقي الظواهر الاجتماعية من عادات ، وتقاليد ، وقوانين وتطلعات واساليب عيش ووسائل اقتصاد و .... الخ ومن اهم ما رصده علماء اللغة للتطور اللغوي هو ظاهرة انقسام اللغة الواحدة الى لهجات متعددة كما هو حاصل بالفعل تاريخيا وحتى اليوم !!.

وهذه(الظاهرة اللهجوية المنقسمة عن اللغة الامّ)لاتختص بلغة اجتماعية دون اخرى بل هي ظاهرة انسانية تاريخية وحديثة عامة في الغرب والشرق وكما ان اللغة العربية هي بالاساس كانت لهجة من ضمن اللهجات السامية لجزيرة العرب قبل ان تتحول اللهجة القرشية بفعل العوامل الدينيةوالسياسية والثقافية و.. لتصبح امّا للغة العرب ( بعد تاصيلها ووضع القوانين لها) ومن بعد ذالك ايضا تشعبت ((بفعل تطورها الطبيعي ))  للهجات قطرية عراقية  ومصرية وسوريه وخليجية ومغاربية... ، كذا الحال قبل ذالك في اللاتينية التي انطلقت كلهجة محلية في بادئ نشاتها من منطقة (( اللاتيوم )) الايطالية  لتصبح لغة الحضارة الرومانية ولتتغلب بدورها على اللهجات  او اللغات الاخرى انذاك من اللغة الايطالية الاصلية  ، والاسبانية ولغة بلاد الجول  ( فرنسا اليوم وما جاورها ) فاصبحت (لغة العلم والدراسة ) في اوربا حتى القرن السابع عشر لكن ايضاسرعان ماتطورت هذه اللغة الامّ لتنقسم في بادئ امرها الى لهجات محكية ، ولتتطورهذه اللهجات ( بعد تاصيلها ووضع القوانين والمعاجم لها ) الى انجليزية والمانية وايطالية حديثة وفرنسية....، واليوم لم يزل هذا القانون ( تطور اللغة ) جاريا على حياة اللغة وهيكلها وروحها ووجودها الاجتماعي فهذه هي الانجليزية السكسونية (مثلا) التي تغلبت في القرون الوسطى ، وما بعدهاعلى باقي اللهجات في الكثير من المناطق الداخلية والخارجية في العالم  تتحرك هي اليوم ايضامن خلال اللهجة الامريكية لتنقسم من جديداو تتملص من قوانين اللغة الامّ في (اصوات حروفها ، ونطق المتحدثين بها ،  واساليب تعبيراتهم الاجتماعية و.. ) عن الانجليزية البريطانية  لتنجز لها لهجة خاصة بها ربما لايفهم دلالاتها الكثير من متحدثي الانجليزية في لندن ... وهكذا!!.

 الحال هي الحال في الاسبانية التي انطلقت مستعمرة للعالم الاخر بلغتها الامّ وسرعان ما انتصرت على اللهجوية الامريكية الجنوبية  ،  ليتحدث بها اليوم معظم قاطني جغرافية امريكا اللاتينية !.

وكذافي الجرمانية الالمانية التي زحفت بفعل الاستعمارالسياسي او الثقافي او ..غير ذالك لتجرف اللهجات الاصلية لجزء من سويسرا اليوم وكذا هي اللغة الاساس في كثير من المجتمعات الحديثة في تشيكوسلوفاكيا  وبولونيا والنمسا !.

فاذن اثبتت لنا الدراسات اللغوية والاجتماعية العلمية اليوم ان اللهجات ماهي الا الاجنة الطبيعية لتطوراللغات الانسانية قبل ان يشتدّعودها ويقوى لتتحول الى لغة امّ لهذا الشعب او المجتمع او ذاك ، ومنها (( هذه اللهجات )) ما يقبل التطور ، والنمو والانتقال و .. الى مرتبة اللغة المتكاملة ادبيا ودينيا وسياسيا واقتصادياعلى مستوى(لغة الحديث ولغة الكتابة) ومنها ماهوضعيف ومتغير وربما تموت وتنقرض هذه اللهجة او تلك بفعل عوامل خارجية او داخلية من صلب اللهجة ووجودهاومنها ماهوصالح للثبات في  لغة الكتابة والقراءة لكنه متطورفي لغة الحديث والحكاية كاللغة العربية وتنوع لهجاتها المحكية ومنها ماهو متمكن من الاستمرارلكنه لايتمكن من الانتشار والتطور والتكامل على اكثر من رقعة جغرافية ، واجتماعية محددة كما هو حاصل ولم يزل في اللغة الفارسية والحبشية التي تمكنت من التطور لتصبح لغة امّ  لكنها لم تتمكن من الانتشار والتوسع !!.

(( 33 ))                 

في المجتمعية الكردية لكردستان بصورة عامة  والمجتمعية الكردية العراقية الحديثة بصورة خاصة وحسب (شجرة اللهجات) التي نضدها (برزو محمود في بحثه : اللغة الكردية ولهجاتها.. مسار الثقافة والمجتمع ) والذي قدمه الى (( مؤسسة عمران للدراسات الاستراتيجية )) يذكر (برزوا ) ان هناك خمسة فروع لهجوية اساسية هي  التي تتحرك اجتماعيا في منطقة كردستان وهي :

اولا : الكرمانجية الشمالية (التي يتحدث بها سكان شمال  خط جنوب شواطئ بحيرة اروميه الى منحى الزاب الكبيرحتى التقائه بنهردجلة ويتكلم بها معظم كرد تركيا ، وشمال ايران وارمينيا وجورجيا  وسوريا ماعدى ديرسم الزازا وكرد دهوك !.

ثانيا : الكرمانجية الجنوبية ( وهي الواقعة جنوب خط بحيرة اروميا ويتحدث بها كرد العراق في اربيل والسليمانية وكركوك وكرد كرمنشاه في ايران من الجنوب الغربي ) .

ثالثا : الكَورانية .

رابعا : اللورية .

خامسا : الزازية .

ولكل فرع من هذه الفروع اللهجوية الكردية لهجات اخرى متنوعة  ومختلفة ومغايرة لاصولها الفرعية اللهجوية في النطق وفي اسلوب الحكاية و.... الخ وتختلف هذه اللهجات الصغيرة  حسب المنطقة والقبيلة والوادي والجبل الذي يعيش فيه الكرد في هذه المنطقة ومن اهم فروع الفروع هذه :

اولا : فروع الكرمانجية الشمالية (البادينانية ، البوتانية ، الاشيتية ، الهيكارية ، البايزيدية ) .

ثانيا: فروع الكرمانجية الجنوبية (الموكرية، السورانية ،السليمانية،السنائية ) .

ثالثا : فروع الكورانية ( الباجلانية ، الكاكائية ، الزنكية ، الهورامية ) .

رابعا : فروع اللورية ( البختيارية ، الفيلية ، الكلهورية ، اللكية ، المامسنية ) .

خامسا : الزازية ( لم يذكر لها فروع والمتكلمون بها معظمهم شيعة اتراك )

طبعا هذه الشجرة من اللهجات الكردية تختلف عادة بين باحث تاريخي واخر انثربولوجي وثالث سوسيولوجي يبحث في الشان اللغوي واللهجوي الكردي القديم والحديث حسب رؤية واجتهاد ومجهود وما احتك به فعليا وعلى الواقع الاجتماعي هذا الباحث او ذاك فمثلا اول من كتب او أقدم من كتب في القبلية الاجتماعية الكردية صاحب (( الشرف نامه )) البدليسي او البتليسي 1596م / قسم الكرد حسب لهجاتهم الى اربعة فروع رئيسية هي :

اولا : الكورمانج .

ثانيا : اللور .

ثالثا : الكلهور .

رابعا : الكوران .

ولم يذكر صاحب الشرف نامه (الزازية) من ضمن مجموع اللهجات الكردية باعتبار انه كان يعتقد ، او ان الزازية نفسها كلهجة متطورة لم يكن لها وجود انذاك : ان الزازية ليست لغة كردية وانها قومية مختلفة عن الكرد ،ولذالك لم يذكرها صاحب الشرف نامه في تقسيماته الاجتماعية للكرد !.

وبالفعل هناك بحث وجدل بين الانثربولوجيين وعلماءاللغة في اكثرمن لهجة من لهجات الكرد تبحث في :  هل انها فعلا لهجات تنتمي الى اصول وفروع كردية ام انهالهجات لقوميات مختلفة تماماعن الكرد ولهجاتهم وهذا ما نوقش ايضا في اللهجة ((اللورية مع الزازية)) في انها قومية مختلفة تماما بلهجاتها عن الكردية ام انها لهجة كردية ومنتمية لشجرة هذه اللهجات المحكية ؟.

((34 ))

ان هذا الاختلاف والانقسام العميق في اللهجات المحكية (لغة الحديث) كرديا تاريخيا بصورة عامة وحديثا عراقيا بصورة خاصة والذي دفع احد من نظّر للهجة الكردية وحاول ان يضع لها القواعد والمنطلقات لتصبح (( لغة جامعة قوميا وليست مفرقة )) المستشرق البريطاني ((ر . ف . جاردين )) صاحب كتاب ((اللغة الكردية في منطقة بهدينان / ترجمة عبد الكريم فندي )) هو من اكدعلى اننا : (( لانبالغ ان قلنا بان لكل عشيرة او  وادي يعيش فيها عشرات القرى ميزة لغوية خاصة ومستقلة / ص 10 )) .

وهذا ان دلّ على شيئ سوسيولوجي ،  فانه يدل على اشكالية اجتماعية كبيرة جدا داخل الاجتماع الكردي الداخلي المحلي وكذا الخارجي !!.

والحقيقة ان هذه الاشكالية :  ما من سوسيولوجي كرديا كان ، او غير كردي كتب في المجتمعية الكردية القديمة والحديثة، الّا وتوقف عندها بتامل وتناول جذورها بتحليل وتفكير عميق !!.

لاسيما ان اظفنا الى هذه الاشكالية الاجتماعية الكردية اشكالية : (( ان جميع اللهجات الكردية والى اليوم هي لهجات حديث محكي محلي ، ولم ترتقي بعدُ احد منها لتكون قادرة على فرض نموذجها لتصبح لهجة او لغة كتابة وتدوين علم وادب ودواوين و .... وما الى ذالك )) !!.

وهذا يعقد ويفاقم من اشكالية اللهجات الكردية ويدفعنا نحن ايضا لنتسائل عن اولا : ماهي نوعية هذه اللهجات الكردية المتناشزة لغويا ؟.

وهل هي لهجات تحمل جينات التطور اللغوي وتمتلك عوامل، واسباب الدفع للامام بحيث تتمكن مستقبلامن ان تصبح لغة امّ لهاقوانينهاالنحوية والصرفية التي تؤهلها لتكون (( لغة كتابة وعلم ودواوين وتجارة و .... بالاضافة تكون لغة حديث ولهجات اجتماعية )) ؟.

ام انها لهجات هي في اساسها وقواعدها تابعة للمتغيرات الداخلية والخارجية ولايمكنها ان تنصهرفي بوتقة لغة قومية موحدة تسمى اللغة الكردية المستقلة بحروفها ، واساليب تراكيبها  ونطقها، ومميزاتها عن باقي اللهجات واللغات المحيطة بها ؟.

ثانيا : ماهي الاسباب الواقعية الاجتماعية والسياسية والجغرافية و ...... حتى الفيسلوجية  التي اعاقت هذه اللهجات من التطور والنمو الطبيعي لتصبح لغة (قومية جامعة) لهذا الشعب تحمل ما تحمله باقي اللغات الاجتماعية من قدرة على التطور ،  وثبات في الاسس والمنطلقات لتصبح لغة كتابة في الرصيف الاول ولغة حديث وحكاية اجتماعية في الجانب الاخر !!.

ثالثا : ماهي السبل الحقيقية القادرة على صهر ((اللهجويات المستكردة )) في كردستان العراق وتحويلها الى لهجات محلية (مرتبطة بمحور) لغوي يتمكن من تذويب كل التناشزات اللهجوية هنا وهناك وصهرها في بوتقة مرجعيات لغوية مهما تناشزت اللهجات المحلية ترجع في تفاهماتها الى المرجعية الامّ في عملية الاتصال والتفاهم الاجتماعي الموحد كما هو موجود وحاصل مثلا في اللغة العربية ؟.      

    

            __________________________________________

راسلنا


مدونتي فيها المزيد


 
إرسال تعليق