الاثنين، ديسمبر 24، 2012

كذبة علم الاجتماع العراقي ومؤسسه علي الوردي / القسم الثالث عشر

كذبة علم الاجتماع العراقي ومؤسسه علي الوردي / القسم الثالث عشر
حميد الشاكر
(( القصور المعرفي الاجتماعي والفلسفي لعلي الوردي ))
2
***********************
ثالثا : يبدو ان المرحوم علي الوردي كان يرى او ينظر لمشروع علم الاجتماع برمته و((صفة عالم الاجتماع)) بالتحديد على اساس انه : (( كل من تناول هيئة وتركيبة وحركة وظواهر المجتمع بالتحليل والدرس فانه اصبح عالما من علماء الاجتماع ويمكن له في قاموس العلم الاجتماعي ان يقيّم هذا الوجود الاجتماعي وينتقد من هيئته ويصدر الاحكام القطعية بحقه ، ولهذا رأينا علي الوردي وتقريبا في معظم طرحه الفكري والثقافي يميل الى تسمية كل من كتب حول الهيئة الاجتماعية على اساس انه علمٌ من علماء المجتمع بل وراينا المرحوم علي الوردي يقتبس كل شاردة وواردة ممن يتحدثون عن المجتمع على اساس انها داخلة وممثلة للعلم الاجتماعي الحديث والقديم وكل هذا نصادفه مطروحا بكثافة في مدونات ومؤلفات وكتب علي الوردي وهي تتحدث عن كتّاب تاريخ يتحدثون ويحللون هيئة المجتمع وعلماء نفس او اقتصاد او فلسفة ..... او حتى علماء طبيعة وخصوصا منهم الغربيون وهم يطرحون رؤاهم الفكرية حول هيئة الاجتماع ووجوده ، وينقل عنهم الوردي ارائهم باعتبارهم علماء ومتخصصون في الهيئة الاجتماعية وهم الممثلون الحقيقيون لهذا العلم الاجتماعي الحديث )).
بمعنى آخر : كان علي الوردي معتقدا حسب ما نقرأه ونستوحيه مما كتبه فعلا : (( ان مفكر علم الاجتماع او عالم هذا العلم ماهو الا كاتبا يتناول هيئة المجتمع بالرصد والتحليل سواء كان هذا المفكر منتميا ومتخصصا بالمناهج واساليب تفكير العلم الاجتماعي الحديث ، او انه مؤدلجا سياسيا او مجرد صاحب راي في هيئة المجتمع وجودا وحركة وظواهرا ومتغيرا .... وما العلم الاجتماعي (( الحديث)) الا كمية متراكمة من التحليلات الفكرية حول المجتمع سواء كانت هذه التحليلات نابعة ومنطلقة من ((متخصص في علم الاجتماع )) ، وصاحب منهج ومنطلقات في هذا العلم ، او انطلقت من عالم نفس او مؤرخ او كاتب فلسفة .... يجتهد شخصيا في فهم المجتمع وقيامته ووجوده ونشأة ظواهره وتغيراته وسكونه )) !!.
ومثال حي على ذالك من مؤلفات المرحوم الوردي ( مثلا ) ما يطرحه كفكر اصيل ، وقواعد ومنطلقات متينة في فهم المجتمع وتراكيبه وهيئته عن (( وليم جيمس )) وهو المعروف للمفكرين من هو ، فهو المنظر الاصيل للراسمالية الصناعية الحديثة والمؤدلج سياسيا حتى ذقنيه في الدفاع عن طبقة اصحاب الراسمال الغربي الحديث وهو مَن وظف جلّ حياته لصياغة فلسفة براجماتية نفعية مادية خادمة لاغراض الراسمال العالمي الصناعي الحديث (في استهلاك السلع المصنعة راسماليا ) من خلال طرحه لرؤى نفعية في علم النفس .. ومع ذالك يتكئ على ارائه وتصوراته ونظرياته بعمق المرحوم علي الوردي في كتاباته وتحليلاته ، بل ويرى المرحوم الوردي ان (وليم جيمس) عالم من علماء الاجتماع البارزين في العصر الحديث وفكره النفعي هو القواعد او الموازين التي تحكم ماهو حق وصحيح ونافع في اخلاقيات المجتمع وتصوراته ودوافعه ولهذا وجدنا المرحوم الوردي يستنسخ بحرفية ويؤمن بحرارة بكل ما طرحه ((جيمس)) حول المجتمع (( وما ينبغي ان يكون عليه )) من قبيل :
((رؤية)) جيمس النفعية المعروفة في الاخلاق الانسانية والتي تذهب الى انه : ((ليس هناك ما يسمى بالحق والباطل المطلق او الخير والشرّ او الصلاح والرذيلة ... في مجال الفكر اولا وفي الاخلاق الاجتماعية ثانيا ولاينبغي في الفكر الانساني الجديد ان نضع الموازين الاخلاقية للافعال الانسانية الفردية والاجتماعية قبل ان نضع معيارا لهذه الافعال على نفعها وجلبها للسعادة واللذة للانسان ، او المها وما تسببه من الم وتعاسة مادية للبشر فالمعيار الواقعي لكل فكر وخلق انساني هو نفعيته للانسان وليس تعبيره عن المفاهيم الاخلاقية المعنوية او الروحية الفارغة من اي منفعة ولذة )) !!.
وطبعا يقصد (( جيم )) من النفعية واللذة والسعادة ... فيما تجلبه هذه الافعال الاخلاقية للانسان وللمجتمع هي السعادة واللذة والمنفعة المادية الاستهلاكية التي تشبع رغبات الانسان الحيوانية المادية بالاساس ، وبالعرض الرغبات المعنوية والروحية فيما بعد لاغير !!.
نفس هذه المضامين الفكرية مع الاسف يعتبرها المرحوم علي الوردي المعبر الاصيل عن مفاهيم العلم الاجتماعي الحديث بل وتقريبا هذه الافكار الفلسفية النفعية ل((جيمس )) هي المتحكمة في المنطلقات الفكرية التي اسماها علي الوردي بالاجتماعية
وعلى هذا الاساس انتقد الوردي الافكار و(الاخلاقيات الاجتماعية العراقية)التي تتكئ على المعنوية والروحية اكثر من انطلاقها من النظرة المادية النفعية التي يسميها الوردي ب(( الواقعية )) احيانا وب(( العملية )) احيانا اخرى !!.
ففي المجال الفكري والعقدي للمجتمع يقول المرحوم علي الوردي : (( لايكفي في الفكرة ان تكون صحيحة بحد ذاتها الاحرى بها ان تكون عملية ممكنة التطبيق وكثيرا ما تكون الافكار التي ياتي بها الطوبائيون من اصحاب البرج العاجي رائعة ولكنها في الوقت ذاته عقيمة تضر الناس اكثر مماتنفعهم / انظر مهزلة العقل البشري / المقدمة / ص 13 )).
وفي موضع اخر يصرح ببراجماتية جيمسية صريحة بالقول : (اننا يجب ان ندرس العقائد دراسة موضوعية في ضوء منطق جديد ، فالعقائد هي ظواهر اجتماعية قبل ان تكون افكارا مجردة ، والناس يتمسكون باحد العقائد او يغالون فيها من جراء ما يحيط بهم من ظروف اجتماعية ونفسية معينة / نفس المصدر / ص 67 )!!.
اما في جانب رؤية الوردي لطبيعة المجتمع وما ينبغي ان يدرس على اساسه من منطلقات فهو كبير الايمان بفكرة (( جيمس )) التي ترى حتمية وجود الصراع والشر داخل تركيبة الاجتماع باعتبار ان طبيعته الفطرية لايمكن لها ان تتحرك وتتطور الا بوجود قاتل ومقتول وناهب ومنهوب وسارق ومسروق وصارع ومصروع ....وحتى ان وجد التعاون والهدوء والوفاق داخل المجتمع فان ((حتمية الطبيعة البشرية )) ستنفر من هذا التعاون والاخاء والوفاق والانسجام والمحبة بسبب عدم توافق هذه المفاهيم مع الجبلة والطبيعة البشرية المتوحشة !!.
فيقول المرحوم علي الوردي ناقلا عن جيمس :(( يقول وليم جيمس بعد ان عاش (( بين جماعة من الناس متآخين متحابين منسجمين متكاتفين ...)) بضعة ايام : اصبحت اشتهي ان اسمع طلقة مسدس او المح لمعان خنجر او انظر الى وجه شيطان . ، وعندما خرج وليم جيمس من هذا المجتمع الطوبائي قال انا سعيد حين اخرج الى عالم فيه شيئ من الشر / مهزلة العقل البشري / الفصل السابع / التنازع والتعاون / ص 119 ))
والحقيقة ان ما يلفت نظرعالم الاجتماع المختص في كلام الوردي هذا هوال(ما يجب) التي ينطلق منها المرحوم علي الوردي دائما في اطاريحه وتصوراته ف((ما يجب )) ايدلوجي سياسي وليس هو علمي اجتماعي في قراءة الظاهرة الاجتماعية وفهم
وجودها او منطلقاتها او جذورها النفسية والاجتماعية ولكن مع ذالك نرى علي الوردي ينطلق بشعور وادراك او بغير شعور وادراك (لااعلم) ولكنه دائما في تصوراته ومؤلفاته يؤكد على ما يجب ان يكون عليه المجتمع في فكره وتصوراته واخلاقياته وسلوكه وتوجهاته وغير ذالك وهذا ان دلّ على شيئ فانه يدل على ان الوردي لم يدرك اول اساس من اسس العلوم الحديثة وبما فيها علم الاجتماع الحديث وهو(الحيادية ) في قراءة الظاهرة سواء كانت طبيعية او انسانية لاكتشاف اسرارها وقوانينها كما تطرحه هي نفسها وليس فرض قانون عليها مسبقا كما يحلو دائما للوردي في فكرة ((ما يجب ويجب )) !!.
نعم (( يجب )) ان يدرس في علم الاجتماع الجانب والمحيط المادي والبيئي والاجتماعي للانسان لندرك ماهية افكاره وعقائده وتوجهاته النفسية والعقدية ، ومنشأ هذه العقائد ، والمؤثرات القائمة بينها وبين المحيط الاجتماعي الذي حولها ، لكن لاعلى اساس ((يجب)) ان تكون النتيجة النظر للانسان وعقائده وفكره على انه منتج مادي لاغير بل نترك الحكم بهذا الصدد لنفس الظاهرة الاجتماعية ، لتعبر عن نفسها هي ، ولا نلبسها نحن ثوبا ايدلوجيا ، او فلسفيا معينا ، فاذا رصد عالم الاجتماع خلقا اجتماعيا او فكرة وعقيدة جماعية تضحي بالمادي النفعي (مثلا) من اجل النفعي والمكتسب الاخلاقي المعنوي والروحي ، هنا علينا دراسة هذه الفكرة والعقيدة ، او الخلق كما تعبر هي عن ذاتها وتتحدث عن نفسها ، ولا علاقة لعالم الاجتماع بنقد هذه الظاهرة او المطالبة بتعديلها او الغائها من الوجود او اصلاحها او فرض رؤية ايدلوجية عليها لتقييمها ....... فكل هذا عمل الايدلوجي والاصلاحي وحتى الديني اكثر منه عمل العالم الاجتماعي الذي يحاول دراسة المجتمع ((على ماهو عليه )) ليعطي ((المقدمات الاولية )) لباقي التوجهات الاخرى العلمية والايدلوجية والفلسفية والعقدية الدينية لتشتغل على المطالبة باصلاحه وتغييره ان امكن ، وهذا هو الفرق او المفصل الذي اكد عليه (( اوجست كونت )) و(( دوركايم )) في علم الاجتماع الحديث والانطلاق به الى صورة (( العلم )) الوضعي المنفصل عن الايدلوجي والفلسفي والديني ... وباقي التوجهات التي تنطلق من كليات (( استنباطية )) مسبقة في الاحكام ، لتنزلها على الجزئيات في المجتمع ، بينما يكون عمل ( العلم ) استقرائيا يحاول الصعود من دراسة الجزئيات والظواهر الاجتماعية كما هي ووصفها واكتشاف قوانينها الداخلية وكيف تعمل ولماذا هي تعمل بهذه الطريقة فقط!!.
والغريب ان علي الوردي نفسه (وهذا ايضامن تناقضات الوردي الفكرية)قد انتقد بشكل مكثف رهيب (المنطق الارسطاطاليسي الاستنباطي / سنتناول نقد الوردي للفلسفة لاحقا ونبين القصور المعرفي للوردي في الجانب الفلسفي اكثرمن قصوره المعرفي في الجانب الاجتماعي)صاحب المقدمات الكلية ودعى الى انتهاج الاستقراء العلمي للوصول الى نتائج عملية في كل الدراسات الانسانية ومنها الاجتماعية ايضاولكن نفس هذا الوردي هو اول من يمارس قلب المنطق ليحاكم العلمي بالايدلوجي المسيس وصاحب الرؤى المسبقة على دراسة اي ظاهرة اجتماعية !!.
وعلى العموم كان مقصودنا هو ضرب المثال الواضح ، الذي كان يدفع بالمرحوم علي الوردي في رؤيته لعلم الاجتماع وعلى اي اساس كان الوردي ينظر للعلم الاجتماعي وعلماءه البارزين ويبدو ومن خلال طرح الوري الفكري : ان علي الوردي كان بالفعل ((غير مدركا )) الفصل بين ما يطرحه اصحاب الاراء الفكرية ، والايدلوجية المتنوعة السياسية والفلسفية والتاريخية والدينية حول المجتمع وظواهره ، وبين تحول الفكر الاجتماعي نفسه منذ (( اوجست كونت )) الى علم مستقل ومختص وله علمائه ومتخصصوه ومصطلحاته ومناهجه ومنطلقاته ..... الخ المختلفة عن باقي الافكار والمدارس والعلوم الاخرى النفسية والفلسفية والتاريخية وغير ذالك !!.
والعجيب ان علي الوردي وللقارئ ان يطلع على كل مؤلفات المرحوم علي الوردي ومصادرها ومراجعها الفكرية ( كما المحنا اليه في الاقسام السابقة من هذه البحوث ) لم يترك مؤدلجا سياسيا او فلسفيا او دينيا ... لم يتكئ عليه في منطلقاته الفكرية لدراسة المجتمع وتحليله باستثناء علماء الاجتماع الحقيقيون ومؤسسوا هذا العلم فلم نجد لهم ذكرا ابدا لافي مراجع ومصادر علي الوردي التاليفية ولا في كل منطلقات علي الوردي الفكرية ، ففي فكرة (الصراع الاجتماعي) مثلا كان (هيجل) الفيلسوف الالماني هو ممول علي الوردي الفكري في مفهوم او قانون (وجود او ايجاد الصراع داخل المجتمع) مع ان (هيجل ) فيلسوفا ولم يكن متخصصا في علم الاجتماع ، او دارسا اساسيا لمنظومته القائمة ، وكذالك مع ان فكرة الصراع فكرة مناقضة تماما لفكرة (( التعاون )) التي كان يؤمن (( اوجست كونت )) مؤسس علم الاجتماع الحديث بانها :(( اول قاعدة ينبغي على عالم الاجتماع الانطلاق منها لدراسة وفهم المجتمع وقواعده وقوانينه المتنوعة بل ان التعاون عند كونت هو اول ثابت غير متغير في تركيبة الاجتماع وقواعده التي منها المتغير ومنها الثابت )) لكن مع ذالك وجدنا علي الوردي يؤمن ب(( بقانون الصراع )) الايدلوجي الفلسفي الهيجلي ، ويعتبره اول قانون يحكم حياة المجتمع الانساني ككل ، ويتهجم ويستهزء ويترك (( قانون التعاون )) الذي اكد عليه ((كونت ودوركايم وغيرهم )) على اساس انه المنطلق الفكري للعلم ولعالم الاجتماع الحديث !!.
فهل كان المرحوم علي الوردي يقدم لنا ( ثقافيا عراقيا )على اساس انه مؤسس علم الاجتماع العراقي الحديث وتابعا لمدرسة علم الاجتماع الكونتية الفرنسية الحديثة ؟.
ام ان الوردي هذا كان يطرح هو نفسه على اساس فلسفي ، وايدلوجي هيجلي ومن ثم مادي ماركسي واحيانا نفعي راسمالي فردي كما رايناه مع جيمس وغيره ؟.
الحقيقة اننا امام فكر المرحوم علي الوردي اشبه مانكون في مهزلة عراقية حقيقية مضحكة ومبكية في نفس الوقت بل نحن امام المرحوم علي الوردي وفكره ، الذي طرحه تحت مسمى العلم الاجتماعي الحديث امام كذبة (( لوثت )) كل الثقافة والفكر العراقي الحديث من جهة ، ودمرت كل مفاهيم العلم الاجتماعي الحديث من جانب اخر !!.
نعم انهامشكلة كبرى بالنسبة للثقافة العراقية الحديثة ان يفهم ويعي ويدرك ...المثقف العراقي ومن ثم جيل الشباب القارئ الجديد ماهية علم الاجتماع الحديث مما طرحه او اعتقده المرحوم علي الوردي حول علم الاجتماع !!.
فعلي الوردي طرح كل شيئ باسم علم الاجتماع طرح تفلسفا باسم علم الاجتماع وطرح ايدلوجي باسم العلم الاجتماعي وطرح ماركسيا ماديا باسم علم الاجتماع ، وطرح نفعيا فرديا باسم علم الاجتماع ، وطرح تاريخيا ....... الخ لكنه لم يطرح مطلقا (علم الاجتماع) نفسه بحقيقته وماهيته ومدرسته ومصطلحاته كعلم مستقل وله مناهج ومنطلقات وقادة ومختصون يدركون ماهية الفصل بين علم الاجتماع وباقي العلوم الانسانية الاخرى !!.
_________________
alshakerr@yahoo,com
مدونتي ( حراء ) تتشرف بزيارتكم للمزيد
http://7araa.blogspot.com/
 
 
 
إرسال تعليق